لم يكد يتم الإعلان عن خسارته عملية الترشيح لمنصب مدير اليونسكو حتى قامت معركة حامية الوطيس لم تهدأ بعد حول شخصيته. إنه وزير الثقافة المصري فاروق حسني الذي كان العرب يأملون أن يفوز بمنصب مدير اليونسكو، لم يسلم من هجمات أحباء إسرائيل الذين اعتبروه معادياً للسامية.
ولم يسلم أيضا من ألسنة العديد من المثقفين المصريين لأنهم اعتبروه مهادنا للدولة العبرية حتى ينجو من اعتراضها على ترشيحه للمنصب الدولي الرفيع، ويرون أنه غازلها بترميم الآثار اليهودية في مصر، مشيرين إلى أعمال التجديد التي تجرى في معبد موسى بن ميمون اليهودي في القاهرة القديمة.
الرافضون رئاسته لتلك المنظمة الدولية المعنية بالتربية والثقافة والعلوم معظمهم من اليهود وعلى رأسهم الكاتب الأميركي ايلي فيزل الحائز على جائزة نوبل والفيلسوف برنار هنري ليفي. اتهموه بإطلاق تصريحات معادية للسامية.
لا ينسون أنه قال العام الماضي أمام مجلس الشعب المصري انه سيحرق بنفسه الكتب العبرية التي قد يجدها في مكتبات مصر.. ووصفوا ترشيحه لليونسكو بأنه فاضح، وهو تعبير أطلقته مجلة «فورن بوليسي» الأميركية التي اتهمته أيضا بأنه يعبر عن عداء متنام لليهودية في الدوائر الثقافية المصرية.
مثقفون فرنسيون أيضا قالوا إنه ينظر إلى الثقافة الإسرائيلية على أنها لا إنسانية وعنصرية. ولكن الرفض القاسي لترشيحه يأتي من منظمة ليست يهودية بل دولية مستقلة هي «مراسلون بلا حدود» المعنية بالدفاع عن حقوق الصحفيين والإعلاميين. اعتبرته نصيرا للرقابة.
وقالت المنظمة إن اليونسكو تسعى إلى تعزيز حرية التعبير وحرية الصحافة كحقين أساسيين من حقوق الإنسان من بين غيرها من المهام، كما تشجع استقلالية القطاع الإعلامي وتعدديته كشرطين ضروريين وعاملين بارزين لفرض الديمقراطية والتداول الحر للمعلومات، ولاسيما عبر الإنترنت، وأن حسني على حد زعمها فشل على مدار مدة بقائه في منصبه وزيرا للثقافة ؟ 22 عاما - في دعم وتعزيز هذه القيم.
أما منتقدوه من المصريين ولا نقول الرافضين، فيرون أنه يغازل إسرائيل لأنه أجرى مقابلة مع صحيفة إسرائيلية.. و
أطلق الضوء الأخضر لترميم الآثار اليهودية في مصر مشيرين في ذلك إلى أعمال التجديد التي تجرى في معبد موسى بن ميمون اليهودي في القاهرة القديمة. (نفى زاهي حواس الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار في مصر أن يكون هدف مشروع الترميم استرضاء اليهود المصريين الغاضبين من فاروق حسني).
حسني.. وهو معروف عنه أنه سياسي مثقف عنيد ومقاتل.. لم يقف مكتوف الأيدي أمام مهاجميه ومنتقديه. دافع عن نفسه بقوة في مقاله الشهير بصحيفة لوموند الفرنسية. ولكنه أبدى أسفه على تصريحاته عن إحراق الكتب اليهودية، نافيا تهمة معاداة السامية ويضيف «اذا كنت معاديا للسامية، فلماذا بدأت بترميم كل المعابد اليهودية في بلدي منذ العام 1998».
وذكر أنه اذا انتخب مديرا لليونسكو فان الذهاب إلى إسرائيل «لن يشكل له أي مشكلة». وأشار الى ان ترشيحه يستند الى فلسفة أساسية هي مصالحة الشعوب.
وللحق فان حسني لا يؤيد التطبيع مع إسرائيل قبل تحقيق السلام بينها وبين الفلسطينيين، ولكنه يرى انه إذا صار مديرا لليونسكو «سيكون من الأسهل له ان يخلق نوعا من العلاقة الثقافية» بين الإسرائيليين والعرب.
وقد جاءت خسارة حسني بفعل السهام التي وجهت ضده، رغم أنه حظي ومنذ فترة طويلة بدعم الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي ومنظمة المؤتمر الاسلامي. والمقربون من الرئيس الفرنسي ساركوزي ألمحوا إلى أن فرنسا ستدعم حسني.
وقال مقرب من ساركوزي ان «مصر عنصر سلام كبير في هذه المنطقة من العالم ويسعدنا انها هنا».
إسرائيل نفسها التي ينسب إليها البعض دوراً كبيراً في خسارته كانت أسقطت اعتراضها بناء على طلب صريح تقدم به الرئيس حسني مبارك إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، حسب ما ذكرته وكالة الأنباء الفرنسية وقال السفير الإسرائيلي في القاهرة شالوم كوهين لوكالة فرانس برس «لقد تلقينا تعليمات بان نلغي الضوء الأحمر الذي كنا نضعه أمام ترشيحه».
إضاءة
قال الشاعر المصري عبد الرحمن الابنودي في مجلة المصور مؤخرا انه «زعلان جدا» من فاروق حسني وأن اعتذاره في صحيفة لوموند بشأن إحراق الكتب.. «تسبب في شعوري بالأذى». وكان 26 مثقفا مصريا أصدروا بيانا العام الماضي انتقدوا فيه حسني لانه اجرى مقابلة مع صحيفة إسرائيلية.
ويرد حسني موضحا انه بصفته وزيرا للثقافة يظل معارضا للتطبيع الكامل مع إسرائيل طالما لم تتم تسوية القضية الفلسطينية. ويعتبر ان «التطبيع سيأتي في وقته ولكن ليس الآن، وعندما يتحقق السلام سأكون أول من يطبع».
والانتقادات الموجهة له بسبب تصريحاته عن إسرائيل، تضاف إلى هجوم آخر سبق ان تعرض له عام 2006 بسبب تصريح علني اعتبر فيه ارتداء المرأة للحجاب «عودة إلى الوراء».
حسن صابر