جاءت قمة الأمم المتحدة حول المناخ التي عقدت بمقر الأمم المتحدة بنيويورك وكان هدفها استئناف المفاوضات حول اتفاق جديد لمكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري في مؤتمر كوبنهاغن المقرر في ديسمبر المقبل، مخيبة للآمال بامتياز حيث لم تخرج بمواقف وقرارات يعتد بها رغم حضور ما يقرب من مائة رئيس دولة وحكومة لأعمالها بهدف إعطاء زخم سياسي لمحادثات «مجمدة» على حد تعبير الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي.

سيناريو كارثي للأرض... عدد من الخبراء والمختصين في شؤون البيئة يحذرون من تعرض الكرة الأرضية لسيناريو كإرثي إذا لم يتنبه العالم ويتحرك بخطى سريعة وحثيثة، وإذا لم تمتلك الأنظمة الحاكمة في العالم الإرادة السياسية الكاملة لإنقاذ العالم مما هو محدق به من أخطار بيئية جسيمة من شأنها أن تهدد أمن وسلامة الكرة الأرضية والعالم بأسره. وأكد الخبراء بمناسبة انعقاد قمة نيويورك حول التغير المناخي أن مجرد انعقاد القمم وعقد البروتوكولات الدولية والاتفاقيات العالمية في حد ذاته أمر غير كاف إذا لم تلتزم الدول كافة وخاصة الصناعية منها بهذه البروتوكولات والاتفاقيات وتحولها إلى برامج عمل وخطط يتم تنفيذها بدقة وحسم.

مشيرين إلى الكثير من القمم والاتفاقيات والبروتوكولات بدءًا من «مونتريال» ثم «كيوتو» ومن بعدها «كوبنهاغن» وقبلها «نيويورك » ما هي إلا حبر على ورق تنتظر إرادة التنفيذ لإنقاذ العالم مما ينتظره.

في البداية، حذر خبير البيئة الدولي ومستشار وزير البيئة المصري الدكتور محمد الزرقة من خطورة الوضع البيئي العالمي وضرورة تضافر الجهود الدولية لإنقاذ مستقبل الكرة الأرضية، مؤكدا أن الأداء البيئي العالمي ليس على المستوى المطلوب، وليس بالمستوى الذي يمكن من إحداث تغييرات إيجابية فيما يتعلق بالتغير المناخي والإنبعاثات الحرارية.

وقال: إنه على الرغم من الأداء العالمي السلبي لمواجهة الإنعكاسات السلبية للتغير المناخي الذي لن يؤثر على منطقة دون أخرى، إلا أن هناك بعض ملامح التغير الإيجابي في مواقف عدد من الدول على المستوى الدولي بدأت في التبلور مثل التغير الحادث في الموقف الأميركي وإعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما استعداد بلاده للانضمام إلى اتفاقية كيوتو حول الانبعاثات الحرارية بعد أن قرر الرئيس السابق جورج بوش انسحاب بلاده منها بل وقرر تعيين مستشار خاص له للبيئة.

وكذلك فإن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أكد في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ضرورة أن تبذل الدول والحكومات المختلفة جهودا كبيرة وحثيثة في الاقتصاد والثقافة والبيئة وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها مسؤول بهذا الحجم عن قضية البيئة أمام الأمم المتحدة، واستطرد قائلا «إن ذلك على أهميته يبقى مجرد كلام ينتظر التنفيذ على أرض الواقع».

انهيار اقتصادي متوقع

ونبه الزرقة إلى أنه إذا ما استمرت الانبعاثات الحرارية بالوتيرة نفسها وظل التغير المناخي بنفس المستوى فإنه من المتوقع حسب الدراسات العلمية أن يحدث ارتفاعا كبيرا لسطح البحر، وأن تتعرض المناطق المنخفضة نتيجة لذلك للاختفاء بل ان دولا بالكامل مثل هولندا وبنغلادش وغيرهما من الدول مهددة بأن تمحى من خريطة العالم، وكذلك فإن دلتا الأنهار المختلفة هي الأخرى معرضة للتآكل والاندثار ومن بينها بالطبع دلتا النيل في مصر وما سيترتب على ذلك من تهجير لملايين السكان وتآكل الرقعة الزراعية وانهيار اقتصادي كبير.

وأوضح أن من بين تأثيرات التغير المناخي أيضا في حال عدم السيطرة عليه حدوث تغييرات كبيرة في أنماط الأمطار، حيث ستهطل في أماكن وتوقيتات غير معتادة مما سيؤدي إلى تغيرات في التركيبة المحصولية للزراعة وحدوث تصحر وفيضانات في أماكن غير طبيعية وغير معتادة على ذلك، وسيترتب على ذلك أيضا تدمير الشعب المرجانية بالبحار وهي خسارة بيئية وسياحية واقتصادية فادحة خاصة في مناطق مثل شرم الشيخ ودهب ورأس محمد في مصر.

وتابع: أن من النتائج الخطيرة الأخرى للتغير المناخي زيادة التصحر حول العالم وانتشار الأمراض والأوبئة الفتاكة والخطيرة وانخفاض الطاقة المائية لتغير أنماط الأمطار، ناهيك عما يترتب على انخفاض الطاقة المائية التي تعتمد عليها الكثير من الدول وتأثيرات ذلك السلبية على كل المناحي الاقتصادية والاجتماعية».

شح مائي في مصر

ونوه إلى أنه فيما يتعلق بنهر النيل فقد أعد العلماء والخبراء سيناريوهين وكلاهما مر، السيناريو الأول يتحدث عن انخفاض حصة مصر من المياه والتي تبلغ 55 مليار متر مكعب نظرا لتغير أنماط الأمطار بنسبة 75 في المائة، وهذا معناه أن مصر ستحصل فقط من مياه نهر النيل على 5 .12 مليار متر مكعب، وهى كارثة بكل المقاييس.

خاصة إذا ما علمنا أن حصة مصر الحالية من مياه النيل البالغة 5 .55 مليار متر مكعب سنويا والتي لا تكفي احتياجات مصر الفعلية من المياه، تشهد خلافات حادة مع دول المنبع الراغبة في تخفيضها ومصر ترفض بكل قوة باعتبار ذلك يمثل تهديدا للأمن المائي الذي تعتبره مصر عنصرا أساسيا من عناصر الأمن القومي لها.

أما السيناريو الثاني فيتحدث عن زيادة مياه النيل بنسبة 30 في المائة وهو ما سيؤدي إلى فيضانات عنيفة يمكن أن تهدد السد العالي المصدر الرئيس للطاقة في مصر ويؤدي إلى تدمير البنية التحتية والمحاصيل الزراعية والمنشآت الاقتصادية في مصر، وللأسف الشديد فإن مصر غير مستعدة لمواجهة السيناريوهين.

جهود دولية ضعيفة

ويرى خبير البيئة الدولي واستشاري الأمم المتحدة والبنك الدولي الدكتور طارق جنينة أن الجهود الدولية لمواجهة التغير المناخي والانبعاثات الحرارية ضعيفة للغاية ومتأخرة جدا، وأنها لكي تؤتي نتائجها وتؤثر تأثير فاعلا في هذه المشكلة لابد من تتضاعف هذه الجهود وبشكل كبير، كما أنه مطلوب التزام شديد من جانب الدول المختلفة.

وأشار إلى أن تقارير بيئية عالمية صدرت الأسبوع الماضي كشفت عن أن سمك الجليد في القطب الشمالي وفي القطب الجنوبي قد انخفض بشكل أدهش العلماء ويكشف عن حجم المأساة والتدهور البيئي الذي يشهده العالم وينذر بعواقب وخيمة، معربا عن اعتقاده بأنه لكي يتنبه المسؤولون ويبدأون في التحرك وتؤتي هذه التحركات ثمارها، فإن كثيرا من الآثار السلبية لابد وأن تظهر، مشيراً إلى أن الأمر كان يستلزم التحرك الحثيث من قادة العالم منذ عشرة أعوام على الأقل ولكنه لم يحدث ولم يحرك العالم ساكنا.

وقال جنينة: إنه رغم التحرك الدولي الحالي، إلا أن هذا التحرك وهذه الاتفاقيات والبروتوكولات تبقى حبرا على ورق حيث لم تتحرك أية جهة ولا أية دولة تحركا جادا من شأنه تخفيض حدة الإنبعاثات الحرارية والتغير المناخي، وأرجع ذلك إلى غياب الإرادة الدولية، والبيروقراطية التي تهيمن وتسيطر على الأمم المتحدة، وعرقلة بعض الدول وخاصة الولايات المتحدة الأميركية لكثير من القرارات والاتفاقيات».

وحول من المفترض أن يتحمل فاتورة مواجهة هذه المشكلة، قال: لابد وأن تشارك جميع الدول مسؤولياتها كل حسب إمكانياته وقدراته بما في ذلك الدول النامية بعد استبعاد الصين والهند نصيبها من مواجهة التغير المناخي، مشيراً إلى ضرورة عدم استبعاد أية دولة أو جهة من جهود المواجهة ولكن وفق أنصبة مختلفة».

تغيرات ايجابية

ومن جانبه، يؤكد الدكتور صلاح الحجار أستاذ الطاقة والبيئة بالجامعة الأميركية أن هناك تغيرا إيجابيا في تعاطي الدول والمجتمع الدولي مع قضية التغير المناخي ومشكلة الإنبعاثات الحرارية وأنه على الرغم من رفض الرئيس الأميركي السابق جورج بوش التوقيع على اتفاقية كيتو إلا أن الرئيس الأميركي الحالي وعد بالتوقيع عليها أو على النسخة الجديدة منها والتي سيتم إقرارها في قمة التغير المناخي المقبلة.

حيث من المقرر أن تنتهي اتفاقية كيوتو في 20 نوفمبر المقبل، هذا بالإضافة إلى وجود توجه لدى الشركات الأميركية لخفض الانبعاثات الحرارية المؤدية للتغير المناخي وتبذل في ذلك جهودا حثيثة.

وأشار إلى ضعف موقف الصين من مواجهة المشكلة، حيث تعتبر الصين نفسها أحد الدول النامية، وترى أنها تحتاج إلى برامج وفرصة لإعادة التأهيل ومساعدات مالية وفنية من الدول المتقدمة، الأمر الذي ترفضه كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي باعتبار الصين قوة اقتصادية عالمية، وكذلك الشرق الأوسط نظرا لغياب الوعي البيئي لدى متخذي القرار وعدم إدراك خطورة الموقف وتأثيراته السلبية على مناحي الحياة، وهذه الدول تفتقد إلى عنصرين أساسيين وهما التمويل والتكنولوجيا.

وحول حديث البعض عن أن ما يصدر عن هذه القمم هو مجرد حبر على ورق ومدى إمكانية وجود آليات ملزمة للدول والحكومات المختلفة لتنفيذ ما يخرج عنها لضمان التأثير الإيجابي على الانبعاثات الحرارية، قال: من الممكن أن تكون هناك قرارات مشجعة وليست حاسمة بمعنى إذا كانت هناك دولة غنية أو متقدمة ليس لديها انبعاثات حرارية فإنها تقوم بشراء انبعاثات دولة نامية أخرى، وهو أسلوب مثالي للتعامل مع المشكلة، وهو ما من شأنه أن يشجع الدول النامية على الالتزام بالشروط البيئية وتخفيض الانبعاثات».

وأوضح أن بروتوكول «كيوتو» واتفاقية «كوبنهاغن» عملت على تشجيع وتحفيز الدول المختلفة على تخفيض هذه الانبعاثات، مشددا على أنه لا يوجد قانون لتجريم أو تغريم الدول في حال عدم التزامها بالشروط البيئية ولكن تشجيعها على العمل على تخفيض هذه الانبعاثات، وخاصة ما يتعلق بثاني أكسيد الكربون المكافئ والغازات المنبثقة عنه والتي تساعد على الارتفاع المستمر في درجات الحرارة مما يتسبب في ارتفاع منسوب المياه في البحار والتأثير السلبي على الصحة والزراعة ويهدد الاقتصاديات المختلفة.

إضاءة

يهدف بروتوكول «كيوتو» واتفاقية «كوبنهاغن» إلى تشجيع وتحفيز الدول المختلفة على تخفيض الانبعاثات الحرارية، غير أنه لا يوجد قانون لتجريم أو تغريم الدول في حال عدم التزامها بالشروط البيئية ولكن تشجيعها على العمل على تخفيض هذه الانبعاثات، وخاصة ما يتعلق بثاني أكسيد الكربون المكافئ والغازات المنبثقة عنه والتي تساعد على الارتفاع المستمر في درجات الحرارة.