في الذكرى 16 لعقد اتفاق أوسلو (13 سبتمبر 1993) حاول عديد من القادة والمحللين السياسيين الإسرائيليين تقييم هذا الاتفاق من منظور التاريخ، ومن زاوية ما جلبه على إسرائيل، وعلى الفلسطينيين، سلبا أو إيجابا.

معلوم أن الجدل الإسرائيلي، حول هذا الاتفاق لم يتوقف البتة، منذ ستة عشر عاما، وظل مدار خلاف بين الإسرائيليين، بحكم تباين وجهات النظر بشأنه. وهذا أمر طبيعي لاتفاق أدى، فيما أدى إليه، إلى اعتراف إسرائيل بوجود الشعب الفلسطيني، وبحقه في إقامة كيان له (على رغم كل النواقص)؛ باعتبار ذلك يتناقض مع بعض الأفكار الصهيونية، التي تأسست عليها إسرائيل، وضمنها اعتبار فلسطين بمثابة «أرض الميعاد» لليهود، و«أرض بلا شعب لشعب بلا أرض».

أيضا، فقد ترتب على هذا الاتفاق دخول إسرائيل في صراع مباشر مع الفلسطينيين، على طاولة المفاوضات، وفي المجال الدبلوماسي، وأيضا في المجال الميداني، حيث اندلعت الانتفاضة الثانية منذ أواخر العام 2000، وانتقلت عمليات المقاومة، بشكل غير مسبوق، إلى الداخل الإسرائيلي؛ بمعنى إنها لم تقتصر على الأراضي المحتلة عام 1967 وإنما شملت الداخل الإسرائيلي، بالعمليات التفجيرية وبالقذائف الصاروخية.

وقد نتج عن كل ذلك قيام إسرائيل بمعاودة احتلال المناطق الفلسطينية، وتقويض مكانة السلطة فيها (2003 ـ 2005)، وبعدها انسحابها الأحادي من قطاع غزة (2005)، ومحاصرة القطاع، وشن حرب عليه (أواخر العام 2008).

عموما فإن هذه الأوضاع والتطورات شوشت على الصورة، وأدت إلى تكريس وجهات نظر متباينة، هكذا فبينما ثمة إسرائيليين يرون بأن عملية أوسلو تقادمت، أو ماتت، يرى آخرون إنها مازالت حية، ويجب البناء عليها.

وبينما يرى البعض ضرورة التخلص من أوسلو ومن التسوية نهائيا، وفرض الاملاءات الإسرائيلية، على الفلسطينيين يرى آخرون بأن هذه العملية أفادت إسرائيل داخليا وخارجيا، وعززت وضعها.

الاتفاق كمصيبة إسرائيلية

هكذا، ثمة من رأى في اتفاق أوسلو جانبه السلبي، وأنه خيب آمال الإسرائيليين منه. ومثلا، ففي تقييم أجراه بوعز هعتسني فإن هذا الاتفاق «أُدخل إلى البلاد عرفات ومؤسسة كاملة من المنظمات الإرهابية..

تبين أن هذه الخطوة تشبه محاولة لإعطاء تمساح ما قطعة لحم وتوقع بأن يحوله الامتنان إلى قطة صغيرة..الصحف كانت مليئة بالتقارير عن السلام..وسكك حديد بين إسرائيل وجيرانها، وأكل الحمّص في دمشق والسفر بالسيارة إلى الخارج عبر لبنان، سوريا وتركيا.

وزير الخارجية (آنذاك)، بيريز، حطم أرقاما قياسيا في الفانتازيا حين نشر كتابا عن «الشرق الأوسط الجديد»..إسرائيل سلمت أراضي، تكبدت خسائر، أدخلت نحو ربع مليون عربي إلى البلاد، دفعت أثمانا اقتصادية، أمنية واستخباراتية هائلة..

بعد سنوات..كشف عرفات وفيصل الحسيني النقاب عن كيفية استخدام اتفاقيات أوسلو، كحصان طروادة في محاولة للسيطرة العربية على كل البلاد. كل شيء تفجر عام .2000.نحو 1500 إسرائيلي دفعوا حياتهم ثمناً لقاء هذه المغامرة الهاذية..ثمن فادح ومخيف للدرس الذي تلقيناه..المشكلة تكمن في أنه من غير المؤكد أبدا أن نكون تعلمنا شيئا ما». («إسرائيل اليوم» 13/9/2009)

على نفس المنوال يؤكد رون برايمين (رئيس سابق لمنتدى البروفيسورات للمناعة السياسية والاقتصادية) بأن «مغامرة أوسلو التي تطرح تحت الاسم الكاذب «عملية السلام» خطيرة..بعد أوسلو بـ 16 عاما يجدر التحقق من وجود حقيقة فعلية في توقع حصول إسرائيل على حياة طبيعية بعد هذا الاتفاق.

تحدثوا عن وضع لا توجد فيه خشية على الأمن القومي والشخصي حيث يمكن للفرد أن يتفرغ لتحقيق ذاته من خلال الأخذ من الدولة بدلا من إعطائها من ماله وجهده ودمه ودموعه. هذا الوضع..ليس واقعيا في الشرق الأوسط الجديد ؟ القديم..على إسرائيل في عامها الـ 62 أن تحسم أمرها: إما دولة فلسطينية وإما السلام. الدولة الفلسطينية إلى جانب إسرائيل في البداية وعلى أنقاضها لاحقا، نقيض تام للسلام. («هآرتس» 13/9/2009)

الاتفاق كتعزيز لإسرائيل

وعلى عكس هذه الصور السوداوية لاتفاق أوسلو كتب ايتان هابر مقالا عنوانه:

«سيأتي يوما نتوق به لأوسلو». وفي هذا المقال يذكر هابر معارضي الاتفاق بتناقض مواقفهم، فاتفاق أوسلو (برأيه) لا يذكر كلمتا «دولة فلسطينية»..ولم يعد أحد بذلك..في حين أن «بنيامين نتانياهو..سافر بسرعة ـ طريقا طويلة أكثر بكثير من اسحق رابين، شمعون بيريز ويوسي بيلين.

بالقياس إلى نتانياهو، رابين وبيريز كانا سيعتبران زعيمي حركات اليمين». وبحسب هابر «منذ اتفاق أوسلو..كل العالم تحرك.. منذئذ، كل الحركات السياسية التي عارضت بشدة الاتفاق قبل 16 سنة تحركت يسارا، قبلت على نفسها الاتفاق وسارت ابعد منه..إلى أين وصل شارون وأولمرت؟

وماذا حصل لتسبي لفني، مئير شطريت ودان مريدور، زئيف بويم وكثيرين آخرين؟» وعن عوائد الاتفاق إسرائيليا يرى هابر بأن «الاتفاق المشهّر به والمنكّل به، أدى إلى اعتراف عشرات الدول بدولة إسرائيل؛ المجيء لإسرائيل لأكثر من 200 شركة دولية لم توافق من قبل على المجيء إلى هنا؛ فتح سبع ممثليات إسرائيلية في دول عربية (وبالعكس في تل أبيب)؛ إلى نمو اقتصادي لم يشهد له مثيل حتى ذلك الحين ومنذ الأزل (6 .7 في المئة)؛ انخفاض دراماتيكي في معدل البطالة من 11 في المائة إلى 6 .5 في المائة؛ إلى زيارات لرئيس وزراء إسرائيلي، لأول مرة منذ قيام الدولة، إلى بلدان لم تسمح بمثل هذه الزيارة على مدى عشرات السنين (اندونيسيا مثلا)؛ إلى مضاعفة ميزانية التعليم.

في أول مرة وآخر مرة في تاريخ دولة إسرائيل؛ إلى بناء عشر تحويلات في الطرقات، بناء مطار بن غوريون 2000، شق طريق 6. وكذا، إلى السلام مع الأردن أيضا. إذن ماذا يمكن لنا أن نحقق أكثر في ثلاث سنوات ونصف فقط؟». («يديعوت احرونوت»، 913)

رؤية عراب الإتفاق

وطبعا فإن هذه الذكرى لم تمر دون مساهمة من شمعون بيريز عراب الاتفاق من الناحية الإسرائيلية، فقد أجرى المحلل الإسرائيلي عكيفا الدار نقاشا مع عديد من أركان الاتفاق الإسرائيليين، وفي مقدمتهم بيريز.

وفي هذا النقاش التقييمي اعتبر بيريز أن اتفاق أوسلو مازال حيا، ولم يمت. وقيم بيريز الاتفاق بالعبارات التالية: «تنازل الفلسطينيون عن 47 في المئة من أراضي ارض إسرائيل (قرار التقسيم) وأعربوا عن استعداهم لإقامة دولة فلسطينية على 22 في المئة من الأرض..اتفاق أوسلو قسم الفلسطينيين إلى معسكرين ؟ فتح وحماس..

لولا اتفاق أوسلو لاضطرت إسرائيل إلى أن تحمل على كتفيها تمويل الخدمات للسكان الفلسطينيين في المناطق الأمر الذي كان سيكلف على مدى السنين مليارات عديدة من الدولارات..اتفاق أوسلو جلب السلام مع الأردن وغير تغييرا شاملا خريطة العلاقات الدولية لإسرائيل».

بدوره يقول يوسي بيلين: «أوسلو غيّر كل منظومة مفاهيم المجتمع الإسرائيلي. فقد فعل بها ما لم تفعله بها كل الحروب، بما في ذلك صدمة يوم الغفران». اوري سافير، الذي أدار المفاوضات الرسمية مع الفريق الفلسطيني، يصف الاتفاق بأنه «حسم استراتيجي للصهيونية لضمان أن تبقى إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية».

وهو يقول انه بدون الاتفاق ما كانت الجامعة العربية أن تقترح في 2002 مبادرتها للسلام. بدونه، كان من الصعب أكثر بكثير تجنيد الأسرة الدولية للكفاح ضد إيران».

سافير مقتنع بأن «أوسلو لم يمت.

أيضا قرب اتفاق أوسلو إسرائيل من تطبيع ما مع بضع دول عربية..دول عديدة وهامة، بينها تركيا واليونان، طورت في حينه العلاقات مع القدس وسلسلة كبيرة من الشركات الدولية الكبرى التي امتنعت على مدى السنين بسبب المقاطعة العربية، فتحت مكاتب لها في تل أبيب.» (عكيفا الدار، «هآرتس»، 911)

إضاءة

أيا كان الموقف فإن الواقع يشير إلى أن هذا الجدل الإسرائيلي لن ينتهي، فعملية أوسلو لم تمت، وإنما يجري تحويلها وإدخال تغييرات عليها، خصوصا أن هذه العملية غيّرت علاقات الإسرائيليين، وخطاباتهم.

وشوّشت طبيعة إدراكهم لذاتهم، ولدورهم في المنطقة، مثلما غيرت طبيعة علاقاتهم بالفلسطينيين وبمحيطهم العربي. على ذلك فإن الإسرائيليين سيواصلون خلافاتهم، بشأن هذا الاتفاق، وبشأن كيفية التعامل مع تبعاته، وتداعياته، الإسرائيلية والفلسطينية.

ماجد كيالي