الأزمة الحالية في لبنان ليست جديدة ولا طارئة. نظام البلد مؤسس على معادلة طائفية، جعلته منجم أزمات. توازناته سريعة العطب. أي خلل فيها، عند المنعطفات الداخلية أو الإقليمية؛ كان دائماً يؤدي إلى مأزق.

وفي معظم الأحيان، تطورت الخلافات إلى اشتباك أهلي. وما كان ولا يزال، يزيد هذه التركيبة التهاباً؛ إدمانها على الاستعانة بالخارج أو الانجذاب إلى عروضه؛ مع ما يترتب على ذلك من ارتهان له ولسياساته. عرف البلد هذه المتوالية، منذ مطلع استقلاله. ذروتها كانت في حرب السبعينات الأهلية. لكن في السنوات الخمس الأخيرة، أخذت أزمته منحى غير مسبوق، في وجهتها وعمقها وخطورتها. بلغت من الحدّة درجة، باتت تهدّد، ليس فقط السلم الأهلي وصيغة نظامه، بل أيضاً كيانه؛ كما عرفناه. شروخها المتفاقمة، غير معهودة. انسداداتها مستحكمة، على نحو ينذر بخلخلة مفاصل البلد ومرتكزاته. لأول مرة في تاريخه، يبدو الوضع اللبناني وكأنه يقترب من حالة انعدام الوزن. فهو واقع، أكثر من أي وقت مضى، في قبضة ثنائي قاتل يشدّ الخناق على عنقه بإحكام: شرخ طائفي - مذهبي وصل إلى العظم، من جهة؛ وقرار خارجي، متضارب المصادر والمصالح ومرتبط بصراعات وحسابات إقليمية ودولية أكبر من لبنان وأطرافه المتنازعة معاً، من جهة ثانية.

احتمالات متعددة

وضع أدّى، في الآونة الأخيرة، إلى وقوع البلد في حالة شلل، مفتوح على احتمالات؛ قد تكون مفجعة. مؤسساته معطّلة. موجودة بالاسم فقط. رئيس الجمهورية، مكبل بالدستور وبالأزمة الحكومية. فهو، حسب «الطائف»، لا يمارس صلاحياته إلاّ في إطار مجلس الوزراء.

وهذا مغيّب. كذلك هو الحال بالنسبة لدوره الدستوري في تشكيل الحكومة. فهو لا يستطيع توقيع مرسوم أي تشكيلة وزارية يقترحها رئيس الحكومة المكلّف؛ ما لم تكن قد حظيت بموافقة جميع الأطراف. بخلافه، يؤدّي توقيعه إلى استقالة المعترضين؛ بحيث تولد الحكومة ميتة وتتفاقم بالتالي الأزمة.

المجلس النيابي، هو الآخر عاطل عن العمل. يتعذّر اجتماعه لممارسة دوره في سنّ القوانين ومراقبة ومحاسبة الحكومة، طالما هذه الأخيرة غير موجودة؛ لتمثل أمامه ولتحيل إليه مشاريع القوانين لمناقشتها.

بابه مقفل ولغاية ولادة الحكومة العتيدة.

الوضع الحكومي، أيضاً، يعيش حالة فراغ، منذ الانتخابات. حكومة تصريف الأعمال المستقيلة، اسمها عليها. تمارس دورها في أضيق الحدود. فلا اجتماع لمجلس الوزراء، منذ الانتخابات قبل حوالي أربعة أشهر. ولا بإمكانها إحالة المشاريع إلى البرلمان لإقرارها ووضعها على طريق التنفيذ.

أما الحكومة الجديدة، فإن ولادتها الموعودة لم تحصل بعد. لا بصورة طبيعية ولا بعملية قيصرية. وضعها، في أحسن أحواله، معلّق. وبذلك تكون عجلات المؤسسات الثلاث «مكربجة» ومتوقفة، عملياً، عن الدوران.

العقدة الراهنة، تتمثل في تعذّر تأليف حكومة ما بعد الانتخابات. في ظاهرها، تبدو مسألة وزير وحقيبة وحصص. ثمة شيء من هذا القبيل. لكن ليس هذا لبّ الأزمة. هو فقط الوجه المرئي لأزمة مركّبة وشديدة التعقيد.

التجاذبات والشروط التي استعصت على الحلّ والتي أدّت إلى اعتذار الرئيس المكلف ومن ثم تكليفه ثانية؛ تخفي صراع كسر عظم بين خندقين ومشروعين، ذات أبعاد إقليمية ودولية. كلاهما له طرحه المرفوض من الآخر. كل منهما يغني على موّاله.

الطرف المعاند، من الأقلية النيابية؛ تشبث بشروطه ووضع العقدة في المنشار، بعد أن أدرك أن الأطراف الممانعة الإقليمية، ليست في وارد إعطاء الضوء الأخضر الآن؛ لولادة الحكومة. بقية حلفائه، تذرعوا بدعمه وبأحقية مطالبه،لينسفوا التأليف؛ من دون أن يظهروا وكأنهم كانوا السبب المباشر في تفشيل التكليف.

معزوفة الوحدة الوطنية

الأكثرية، من جهتها، طرحت التشكيلة وهي تدرك أنها لن تمرّ؛ لكن لتسليط الضوء على الأقلية كمخرّب لولادة الحكومة؛ وبالتالي تسجيل موقف وتحميل هذه الأخيرة مسؤولية الفشل، أمام الرأي العام اللبناني. مع ذلك يتواصل التكاذب. كل فريق يتشدّق بالوحدة الوطنية والمشاركة والتوافق و.. بقية المعزوفة.

يتحدث عن أهميتها وحرصه الشديد على حمايتها. لكن على الأرض، لا يجري غير نحرها يومياً. حتى يكاد يترآى أنه لن تقوم لها قائمة بعد اليوم. كل طرف يتلطّى خلفها، ليخفي حقيقة أجندته اللاغية للآخر. الثقة مفقودة والمكاشفة معدومة.

غالب ما يتردّد على اللسان، هو فقط للتمويه وتزويغ البصر والبصيرة. لكل مفهومه لشعاراته الوطنية، وبما يتلاءم مع مراده المستور والذي يحجب المشروع الذي ينتمي إليه. الإقليمي والدولي، له أجندته وأولوياته.

أما لبنان العروبي الديمقراطي، فهو يتيم. ليس هناك من يحمل مشروعه. هو مستتبع لهذا المحور أو ذاك. وفي كل الحالات ملوّث بالطائفية والمذهبية وما تختزنه من شرور الفتنة. وكذا مشروع دولته، الذي يتنافس المتصارعون على المطالبة بضرورة إقامتها على أسس قوية وسليمة. لكن على الأرض، لا يجري سوى استنزاف المتبقي من مؤسساتها.

ليس في الساحة من يحمل تصوراً قابلاً للتنفيذ. لا أصحاب شعار «الدولة»، لديهم صيغة، تحمي المقاومة وتحتويها في آن. ولا المقاومة تملك مشروع دولة، ينعقد حوله إجماع. كل طرف له برنامجه، الذي لا يلتقي مع الآخر. بل ينقضه.

فريق 14 آذار، ينادي بإقامة دولة مؤسسات، لكن هكذا قيامة لا تستقيم طالما بقيت ركائزها طائفية. همّه الأساسي محصور بالمحكمة الدولية و«احتواء» ؟ نزع - سلاح المقاومة. لا يتمسك بقوة ب«الطائف» كجسر عبور إلى الدولة المدنية؛ لأنه عاجز عن مغادرة العباءة الطائفية. ثم أن طرحه هزيل وجبهته مفككة.

حسابات فريق المعارضة

فريق 8 آذار، يعرف ماذا يريد، يطرح دولة تكون المقاومة فيها مستقلة ثنائية لا تصح هي الأخرى ولا يحتملها الوضع اللبناني. فضلاً عن أن دوره الداخلي مشاكس ومعرقل. التعطيل عنوان حركته ومناوراته الحكومية. ثم أن الطرف الوازن فيه، حزب الله، أولويته لسلاحه ولإنفراده بقراره.

وفي السنوات الأخيرة أقحم نفسه، إلى حدّ بعيد، في المعادلة الداخلية وتسوياتها وتوازناتها الطائفية؛ على حساب ما كان يملكه من استقطاب وطني واسع ومخترق للطوائف. خليط التطويف المتمادي والتوزّع على محاور إقليمية ؟ دولية، مشتبكة مع بعضها؛ دفع كل فريق إلى المضي في تباعده، باتجاه نقطة اللاعودة ونسف خطوط الرجعة.

كما أدّى هذا الخليط، إلى تبلور صيغة فيدرالية الطوائف أكثر فأكثر وبما يهدّد بتحوّلها إلى أمر واقع على الأرض.

ومن العلامات، في هذا الاتجاه، غياب نهج الحوار الجاد القائم على تنازلات متبادلة تهدف إلى بلوغ التسوية الممكنة؛ لتحل مكانه لغة المداهنة والخطاب المتراوح بين اللغو الأجوف وبين الشحن والتوتير الطائفي والفئوي.

السياسة غائبة. مكانها حلّت الكيدية ونصب الكمائن والتشاطر المحموم؛ لشطب الآخر. أو على الأقل تركيعه. الكل يتربص بالكل. ولعبة حافة الهاوية في أوجها. وهذا يفسّر، جانباً من المأزق المستحكم بعملية تأليف الحكومة.

الجانب الآخر والأهم، كان في ارتفاع درجة السخونة، مؤخراً، على خطوط التوتر العالي، بين عواصم القرار: طهران ودمشق من ناحية؛ وواشنطن من ناحية أخرى.

ومع استمرار هذه السخونة، المرشحة أن تمتد لفترة غير قريبة، لا يعود من المجازفة الحديث عن أن مصير التكليف الثاني، لن تكون حظوظه أفضل من الأول. فالمشهد المرجح: دوران التأليف الحكومي في الحلقة المفرغة إياها، مع الاكتفاء بإدارة الأزمة؛ وحتى إشعار آخر.

خيار مفروض، مليء بالألغام. فالبلد لا يحتمل مثل هذا الفراغ. خلفية الأزمة لا تحتمله. خاصة وأن خطاب الشحن جاهز للتصعيد. وهو لم يغادر الساحة، بكل حال.

انقسام حتى النخاع

اللبنانيون منقسمون حتى النخاع الشوكي ومختلفون حول ملفات جوهرية. إحياء الصيغة، المنخورة والبالية بكل حال، بات في ضوء المعطيات، أقرب إلى الوهم. فرض صيغة معدّلة، بحكم الأمر الواقع، للتوازنات الطائفية؛ لا يقل وهماً. الإصرار في هذين الاتجاهين، يقرب من السعي لهدم الهيكل على رؤوس الجميع.

لكن القوى الموجودة على الساحة عاجزة، بحكم غرقها في الطائفية وإدمانها على الاستقواء بالخارج الفارض شروطه وأجنداته، عن اجتراح المخرج الوطني السليم.

بنيتها لا تسمح لها اعتماد النهج الكفيل ببناء وطن على أنقاض ممالك الطوائف ولا إقامة المواطنة مكان الرعية.

وحدها القوى المدنية اللبنانية، على ندرتها وصعوبة اختراقها للجدار الطائفي ؟ المذهبي السميك؛ مطالبة بهذه المهمة. صحيح أن قسماً كبيراً منها ملتحق بالقوافل الطائفية ؟ المذهبية. لكن الخميرة موجودة، من بقايا تراث سياسي مدني غني في لبنان.

البلد الآن، نسيجه مهدّد بالتمزق. بل هو أشبه بلوح الصابون تحت حنفية الماء المفتوحة. ساعة مياهها خفيفة وساعة قوية. وفي الحالتين، الصابونة تتآكل. على القوى الحيّة هذه، أن تباشر التحرك على الأرض. مهمتها لن تكون أكثر من نحت الصخر بالإبرة.

لكن لا بديل عن هذه البداية المتواضعة؛ قبل أن يفيق اللبنانيون يوماً، على دولة فاشلة تضع الأمم المتحدة يدها عليها؛ أو على بلد تحوّل إلى دويلات مقفلة ومتناحرة حتى قيام الساعة. ضياع تتكرر معه حسرة عبدالله الصغير الأندلسي، الذي ندم على ما فات؛ بعد الأوان.

الدعوة إلى التهدئة، مطلوبة. لكن هذه لن تعمّر. هي تخدير وحاجة لالتقاط الأنفاس، بانتظار المستجدات الداخلية والإقليمية. التجربة، خاصة في لبنان، تؤكد ذلك. الخلاص من «لبنان الشواذ المستديم»، والتأسيس للبنان الوحدة الوطنية الحقيقية الصلبة؛ لا يتحقق إلاّ على يد قوى النخبة، العابرة لحدود ممالك الطوائف.

مهما كان حجمها في البداية صغيرا واقتحامها لجبال التحديات اللبنانية، شاقا وعسيرا. مسيرة الألف ميل، تبدأ بخطوة. البديل يكون في العودة إلى السؤال: متى تندلع الأزمة القادمة وحروبها؛ وليس متى يخرج لبنان من أزمته؟

ملاحظات

خمسة احتمالات للصيغة الحكومية وأفكار سليمان في الحسبان

في انتظار ما ستفصح عنه الأيام المقبلة تجدر الإشارة إلى وجود 5 احتمالات، بما يخصّ الصيغة التي ستشكَّل على أساسها ثاني الحكومات في عهد الرئيس سليمان:

الاحتمال الأول: أن يحافظ الرئيس المكلّف على صيغة 15-10-5 لتشكيل الحكومة، و«هذا يعني استئناف المشاورات من حيث توقفت عند اعتذاره، وبالتالي عودة كل طرف إلى إنتاج مطالبه ذاتها، أي الدوران مجدّداً في الحلقة المفرغة».

الاحتمال الثاني: أن «يتملّص» الحريري من صيغة 15-10-5، والتي يعتبر أنها لا تعكس أصلاً مقتضيات فوز الأكثرية في الانتخابات، ومن ثم يلجأ إلى تعويم معادلة 16+10+4، والتي كان عرضها منذ البداية على أساس أنها تتناسب مع نتائج الانتخابات وتراعي ما أفرزته من توازنات وأحجام.. وهذا سيقود المعارضة، حكماً، إلى إعادة التمسّك بالنسبية أو بالثلث الضامن بالحد الأدنى.

الاحتمال الثالث: أن يبادر الحريري إلى وضع تشكيلة من لون واحد تضمّ فقط قوى الأكثرية، وتكون مطعّمة بحصّة لرئيس الجمهورية، على أن تبقى الأقلية في صفوف المعارضة..

فإما أن يتمّ اعتماد هذا الخيار بالتوافق بين رئيس الجمهورية والأقليّة، وإلا فإنه من المتعذر أن تمرّ مثل هذه الحكومة إذا رفضتها المعارضة، لأن رئيس الجمهورية لن يوقّع في مثل هذه الحال على مرسوم تشكيلها، حرصاً منه على حماية موقعه التوافقي الذي جاء منه إلى رئاسة الجمهورية، ويضاف إلى ذلك أن جنبلاط لن يقبل، نهائياً، بالسير في حكومة أكثرية، انسجاما مع التعديلات الجوهرية التي طرأت على تموضعه السياسي منذ 2 أغسطس الفائت.

الاحتمال الرابع: أن يقترح الحريري تشكيل حكومة تكنوقراط، وهذا الطرح يتعارض مع فلسفة اتفاق الطائف الذي جعل السلطة تتمحور في مجلس الوزراء، وحوّل الوزير إلى وزير سياسي بامتياز يكون شريكاً في صناعة القرار، ما يفترض أن تكون الطوائف والقوى الوازنة ممثلة مباشرة وبهوياتها السياسية في السلطة التنفيذية.

الاحتمال الخامس: أن يشكّل الحريري حكومة أقطاب مصغّرة، وهذه تستوجب حواراً وتوافقاً بين الأكثرية والمعارضة.

وفي حال استمرار الأزمة الحكومية، فإن من ضمن الأفكار المطروحة أن يبادر رئيس الجمهورية إلى دعوة مؤتمر الحوار للانعقاد من أجل محاولة إيجاد قواسم مشتركة وترك قنوات الحوار مفتوحة..

كما طرحت أفكار أخرى، من وحي النصوص الدستورية ومن خارجها، ومنها أن يبادر رئيس الجمهورية إلى الاجتماع بأقطاب الحوار (وليس مؤتمر الحوار)، وقد أبقيت كل الاحتمالات مفتوحة بما فيها استخدام حق مخاطبة المجلس النيابي ودعوته للانعقاد في حال تعذّر التأليف الحكومي.

إضاءة

كما أدّى هذا الخليط، إلى تبلور صيغة فيدرالية الطوائف أكثر فأكثر وبما يهدّد بتحوّلها إلى أمر واقع على الأرض.

ومن العلامات، في هذا الاتجاه، غياب نهج الحوار الجاد القائم على تنازلات متبادلة تهدف إلى بلوغ التسوية الممكنة؛ لتحل مكانه لغة المداهنة والخطاب المتراوح بين اللغو الأجوف وبين الشحن والتوتير الطائفي والفئوي. السياسة غائبة. مكانها حلّت الكيدية ونصب الكمائن والتشاطر المحموم؛ لشطب الآخر. أو على الأقل تركيعه.

الكل يتربص بالكل. ولعبة حافة الهاوية في أوجها. وهذا يفسّر، جانباً من المأزق المستحكم بعملية تأليف الحكومة.

الجانب الآخر والأهم، كان في ارتفاع درجة السخونة، مؤخراً، على خطوط التوتر العالي، بين عواصم القرار: طهران ودمشق من ناحية؛ وواشنطن من ناحية أخرى. ومع استمرار هذه السخونة، المرشحة أن تمتد لفترة غير قريبة، لا يعود من المجازفة الحديث عن أن مصير التكليف الثاني، لن تكون حظوظه أفضل من الأول.

فيكتور شلهوب