بعد أيام معدودة، تطوي حكومة تصريف الأعمال في لبنان شهرها الرابع، من غير أن يتسنّى للرئيس المكلّف مرّتين، سعد الحريري، تأليف حكومة تخلف حكومة الرئيس فؤاد السنيورة.. أما الفراغ الحكومي، فقد جمّد في آن واحد صلاحيات رئيس الجمهورية ميشال سليمان ومجلس النواب، وساوى بين المؤسّسات الدستورية الثلاث.
وفيما لا يزال الرئيس المكلّف والمعارضة متشبّثان بشروطهما، فإن رئيس الجمهورية لا يستطيع الاضطلاع بأكثر من نصف دوره، مرجِّحاً كفّة السياسي على الدستوري، وهو أن يكون رئيساً توافقياً، ولكن من دون صلاحيات دستورية، وذلك بسبب تشابك جزء منها مع صلاحيات كل من رئيس مجلس الوزراء ومجلس الوزراء، وكلاهما غير موجود، وجزء آخر مع رئيس مجلس النواب الفاقد بدوره الحركة والمبادرة.. وتكاد صلاحيات سليمان أن تنحصر بالدائرة الصغيرة المقتصِرة على فقرات من مادتين دستوريتين (53 و64) متصلتين بآلية تكليف من يؤلّف الحكومة حتى تبصر الأخيرة النور.
التكليف الأول بدعم الجميع
والقصّة تعود إلى تاريخ 7 يونيو الفائت.. يومها، جرت الانتخابات النيابية في لبنان، وأسفرت عن فوز الأكثرية بـ 71 مقعداً مقابل 57 مقعداً للمعارضة.. وبناءً على هذه النتائج، سمّت الأكثرية رئيس تيار «المستقبل» النائب سعد الحريري رئيساً مكلّفاً تشكيل الحكومة الثانية في عهد الرئيس سليمان، والذي مازال ملتزماً بقوله «لن أوقّع إلا على حكومة ميثاقيّة.. وأنا ضمانة للجميع».
ويومها أيضاً، استند «التكليف الأول» للحريري بأصوات 86 نائباً إلى معادلة إقليميّة، مفادها: لا عودة إلى الوراء على خطّ ال«س س» (سوريا والسعودية)، إذ كان هناك تعهّد من السوريّين بتسهيل مهمة الحريري، كما تبلغوا من السعوديين وجود قرار استراتيجي بالمضيّ في قرار مصالحة دمشق استكمالاً لمبادرة الملك عبدالله في قمة الكويت في مارس الماضي، وأن تتمة ذلك سيكون تطبيع العلاقات بين سوريا والحريري.
وكانت مفاوضات التأليف شهدت، في مراحلها الأولى، سقوفاً مرتفعة مع سعي كل طرف إلى تحسين شروطه.. فرئيس الجمهورية والمعارضة رفضا معادلة 16-10-4 التي طرحها الحريري، وسط ميل من الأول إلى معادلة 13-10-7 التي تعزّز قدرته الترجيحيّة، فيما تمسّكت المعارضة بموقف تراوح بين حدَّي الثلث الضامن والتمثيل النسبي.
«عقدة العقَد»: التمثيل المسيحي
حينها، قيل إن موضوع التمثيل المسيحي هو «عقدة العقد»، ذلك أن «القوات اللبنانية» تمنّت أن تتمثل بوزيرين مسيحيين على الأقل، نسبة إلى تمثيلها الحالي، فيما طلب نواب «الكتائب» الأخذ بعين الاعتبار أن تكون لهم حصة محترمة «لأن الكتائب خاضت معارك انتخابية سياسية حساسة ودقيقة وتستحق في ضوئها أن تتمثل بأكثر من وزير»..
وعدا عن مطالبة باقي النواب المسيحيين في 14 آذار أن يتمثلوا حكومياً، طالب «اللقاء الديمقراطي» باحترام تنوّعه غير المحصور لا بالحزب التقدمي ولا بالطائفة الدرزية، وبالتالي ضرورة أن يتمثل بوزيرين درزيين وبوزير مسيحي، على الأقل، على صورة حكومة ما قبل الدوحة..
أما رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» النائب ميشال عون، فقد تمنى أن يتمثل تكتله الذي يضمّ 27 نائباً بسبعة وزراء، بينهم أربعة وزراء موارنة ووزير درزي ووزير أرمني، ووزير سابع يكون إما أرثوذكسياً أو كاثوليكياً.
وبعد حوالي الشهر، اجتازت مشاورات التأليف أكثر من نصف الطريق، وولدت الصيغة السياسية لتأليف الحكومة، أي 15-10-5، حيث شكّلت صيغة «الوزير الملك» مخرجاً للثلث الضامن المضمَر للمعارضة، وكذلك لحصول الأكثرية على 15+1 مضمَر، من ضمن الحصّة الخماسيّة لرئاسة الجمهورية.
وعند هذا الحدّ، لعب السعوديون والسوريون دوراً أساسياً دافعاً وضامناً للصيغة الحكومية، أي تثبيت معادلة 15-10-5 والتي لم يقتصر الأمر عليها، بل كان ثمّة تفاهم (على الأرجح تمّ وضعه على الورق) يطمئن المقاومة على سلاحها ويضمن لقوى 14 آذار بأن هذا السلاح لن يُقحم في الداخل تحت أي طائل..
كما كان هناك ثمّة تعهد مزدوج بأن يزور العاهل السعودي الملك عبدالله والرئيس سعد الحريري دمشق، بعد تأليف الحكومة.. وتُرك لشياطين التفاصيل أن تفعل فعلها عندما بدأ النقاش حول الأسماء والحقائب.
وفي بحر الأسبوع الثامن من التكليف، شهدت مشاورات ما بعد تثبيت الصيغة السياسية تقدّماً للشكليات على المضامين السياسية، واختلط حابل التأليف الحكومي بنابل الصلاحيات الرئاسية، وأصبح التمسك بمطلب من هنا ومطلب من هناك نوعاً من التحدّي الشخصي..
وصار التنازل أكبر من قدرة صاحبه و«جماعته» على القيام به.. فالرئيس المكلّف بقي متمسّكاً بقاعدتين لا مجال للمساومة عليهما، وهما: رفض توزير الراسبين (ما يعني استبعاد وزير الاتصالات في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل)، واعتماد المداورة في توزيع الحقائب (ما يعني الإصرار على عدم إعطاء التيار الوطني الحرّ حقيبة الاتصالات).
بدورها، بقيت المعارضة مصرّة على أن يكون لها الحق بتحديد عدد الحقائب ونوعيتها والتوزيع الطائفي وحق التسمية، ما يعني عملياً، توزير باسيل وإسقاط مبدأ عدم توزير الراسبين، وحصول «تكتل التغيير والإصلاح» على خمس حقائب، بينها الاتصالات والطاقة.
وبعد ذلك، قدّم الحريري تشكيلة خطيّة مطبوعة إلى رئيس الجمهورية، في سابقة سياسية ـ دستورية غير مسبوقة لا بعد الطائف ولا قبله، ورمى «كرة نار» أزمة تأليف الحكومة الأولى بعد الانتخابات النيابية بين يدي رئيس الجمهورية، ممسكاً بالسقف الزمني ـ السياسي الذي كان حدّده له رئيس الجمهورية لتقديم تشكيلة حكومية قبيل سفر الأخير إلى الأمم المتحدة..
ورفع المسؤولية عن نفسه، بعد 70 يوماً من المشاورات البطيئة والمناورات و«الفرص الضائعة»، بحيث جاءت التشكيلة المرفوعة لرئيس الجمهورية مفروضة من جانب واحد، على صعيد الحقائب والأسماء، ولو أنها احترمت الصيغة السياسية، أي 15+10+5.
في المقابل، أعلنت المعارضة رفضها مبدأ الاطلاع على التشكيلة، لأن «ما حصل يتناقض وطبيعة النظام الديمقراطي وصيغة الشراكة في حكومة الوحدة الوطنية المنوي تأليفها»، وحثّت رئيس الجمهورية على تحمل مسؤولياته الدستورية والوطنية، وبمعنى آخر ألا يبادر إلى توقيع «المسودّة الحريريّة»..
وذلك، لكونها رفضت أن تتحول «الشروط» إلى مضبطة اتهامية، وهو أمر، تنبّه إليه، حتى النائب وليد جنبلاط، الذي مارس وسطيته بامتياز، مع «حليفه الحقيقي» الرئيس نبيه بري، مطالباً الحريري بتدوير الزوايا إذا كان يريد الوصول إلى نتيجة واختبار ما إذا كان التعطيل داخلياً أو خارجياً، وهو قبِل بأن يتخلّى عن الأشغال ومن ثم طرح أن تؤخذ الاتصالات منه إلى حصة رئيس الجمهورية..
وعندما فشل الاقتراح، طرح على المعارضة مباشرة، بشرط موافقة الرئيس المكلف، تبادل الأشغال بالاتصالات، ولكن الرئيس المكلف رفض ذلك، وهو الأمر الذي زاد الطين بلّة.
وإذا كانت جعبة الحريري حوت لائحة طويلة بالأسباب الموجبة التي برّرت من وجهة نظره ما فعله، إلا أن تشكيلته اصطدمت بثلاثة حواجز سياسية: الأول، رئيس الجمهورية الذي لم يوقّع على مرسوم تشكيل حكومة لم تحظَ بموافقة المعارضة.. والثاني، هو حاجز الرئاسة الثانية.. أما الحاجز الثالث، فتمثل بموقف النائب وليد جنبلاط الذي لم يتحمّس لتغطية قرار الحريري بعد انعطافته الشهيرة في 2 أغسطس، يوم أعلن انفصاله عن 14 آذار.
وفي اليوم الخامس والسبعين على التكليف، وتحديداً في 11 سبتمبر، رمى الحريري باعتذاره عن عدم تأليف الحكومة بوجه الجميع، إلى أن استعاد لقب «الرئيس المكلّف» في 16 الفائت، بأصوات 73 نائباً، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ لبنان، إذ ان الأعراف تقضي بعدم تكليف المعتذِر مجدّداً.. وذلك، بعد أن علقت مشاورات التأليف في التجاذبات والمشاحنات والحسابات الصغيرة والنكايات والمكابرات والكيديات وفي تقاذف مسؤولية التعطيل.
كما دلّت لغة التخاطب ما بين «14 آذار» التي جرّدت حملة منظمة لتظهر أن التأليف يقف عند عقدة العماد ميشال عون وإعادة توزير الوزير جبران باسيل، وبين المعارضة التي رأت في الأمر محاولة واضحة للتغطية على مشكلة تمثيل مسيحيي «14 آذار» وكيفية إرضاء حلفاء الرئيس المكلّف.
5 متغيّرات بسجلّ «التكليفَين»
حتى الآن، لا يملك أحد من أهل السياسة في لبنان رواية مقنعة ودقيقة لتعثر التأليف الحكومي.. فما الذي تغيّر بين التكليف الأول والتكليف الثاني؟
المتغير الأول حصل في الخطاب السياسي الذي استبق التكليف الأول: النائب سعد الحريري الخارج منتصراً من الانتخابات النيابية أعلن تأييده تشكيل حكومة وحدة وطنية، وجاءت الأجوبة سريعاً من المعارضة ترحيباً ب«الكلام الطيب» الذي قاله الحريري.. وهذا ما فتح الباب أمام أجواء إيجابيّة ساهمت في بثّ تفاؤل بإمكانية الإسراع بتشكيل حكومة الوحدة.. أما الكلام الذي استبق التكليف الثاني، فقد أشار إلى انتهاء مفعول «الكلام الطيّب».
المتغير الثاني طرأ على الأطر السياسية التي حكمت التكليف الأول وتحكم حالياً التكليف الثاني: الأول جاء بروح التوافق النسبي على حكومة الوحدة الوطنية، أما الثاني فيأتي بوحي العجز عن تأليف الحكومة في ظلّ العقد القائمة.
المتغير الثالث (الأساسي) أصاب معادلة ال«س س»: الأول جاء بزخم الاندفاعة السعودية ـ السورية نحو التفاهم على الوضع اللبناني، في حين أن التكليف الثاني أتى في ظلّ تعليق ذلك التفاهم وبروز ملامح تأزّم جديد في العلاقة بين دمشق والرياض.
المتغير الرابع طرأ على موقف الحريري نفسه: كان قبل التكليف الأول منفتحاً على جميع الأطراف، بينما يأتي تكليفه الثاني على وقع توتّر في العلاقة مع «شعرة معاوية» الموجودة بينه وبين المعارضة بما يمثلها رئيس مجلس النواب نبيه برّي.
المتغير الخامس يتعلّق بما حصل من تحوّل في موقف رئيس «اللقاء الديمقراطي» النائب وليد جنبلاط، والذي بات أقرب إلى منطق الرئيس برّي منه إلى الحريري، خصوصاً بعد أن أعلن مؤخراً رفضه أيّ تغيير على صيغة 15-10-5، فضلاً عن الرسائل ـ النصائح التي بعثها للحريري «لا تستمع إلى ما يقوله السفراء عن استراتيجياتهم»، مع ما يعني ذلك من إعادة الحسابات الدقيقة للتوازنات.
كل هذه المتغيرات تصبّ في خانة تعزيز قناعة المتشائمين وتحبط المتفائلين بإمكانية حصول انفراج بعد التكليف الثاني.. لكن بات من المؤكّد أن الرئيس المكلّف يملك فعلاً أكثر من خيار وضعه في جيبه لتشكيل الحكومة، على اعتبار أن إصرار المعارضة على شروطها لا يعني أن يبقى البلد من دون حكومة.
وخصوصاً أن الاستشارات التي بدأها يوم الخميس الفائت، ويستكملها خلال الأيام المقبلة، تجري وسط تباين واضح في الطروحات، فالمعارضة تؤكد على حكومة الوحدة الوطنية وصيغة 15/10/5 والضمانات السياسية التي رافقت التكليف الأول، وترفع سقفاً سياسياً عنوانه «لا دخول إلى الوزارة الجديدة إلا يداً بيد مع العماد ميشال عون»، فيما تنأى 14 آذار بشكل عام، وفريق الرئيس المكلف، بشكل خاص، عن أية التزامات سياسية، أو الإشارة إلى حكومة وحدة وطنية.
بيروت ـ وفاء عواد