في زمن الأوبئة يكون توجس الناس من المرض مبالغا فيه إلى حد يخرج عن المنطق أحيانا، فغريزة الخوف تصعد لأعلى سلم الغرائز حتى في نفوس الشجعان، ولكي تختبر هذه الفرضية ما عليك إلا أن تعطس في وسيلة نقل عام أو تمثل أن أنفك سيال لترى الجميع يشيحون بوجوههم عنك، ويبحثون عن طريقة للفرار من جوارك خاصة إذا كنت في طائرة أو قاعة للسينما.
كما أن شائعة عن إصابتك بأنفلونزا الخنازير كفيلة بإبعاد أصدقائك المقربين، اللهم إلا صنف من الناس يؤمن بأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا سواء أخذنا حذرنا ـ وهو مطلوب ـ أو ألقينا بأنفسنا في أتون المهالك وخالطنا المرضى.
ذكرتني سلوكيات البعض بمشاهد رواية «الحب في زمن الكوليرا» لجابريل جارثيا ماركيز، فالكوليرا في الرواية حاضرة في منطقة الكاريبي تحصد البشر بشراسة لدرجة ترى فيها الجثث لا تجد من يجمعها من الشوارع ولا يسلم من الوباء حتى الأطباء.
في هذا الجو يدعو فلورينتو اريثا أحد الشخصيات المحورية في الرواية حبيبته لرحلة نهرية على متن سفينة، وهناك يقترب منها أكثر، فتدرك أنها تحبه رغم شيخوختها، وتخبره أن عمرها لم يعد يصلح للحب، لكن ذلك لم يقنع أريثا الذي خشي من فراق حبيبته مع انتهاء الرحلة، فتخطر له فكرة جهنمية هي الادعاء أن السفينة عليها وباء الكوليرا كي يتخلص من المسافرين الآخرين.
وكما كان استغلال أريثا لفوبيا الوباء لتحقيق ما يتمناه حيلة روائية، فإن هناك مستفيدين كثراً من تعظيم الخوف بأنفلونزا الخنازير، من أول شركات الأدوية إلى تلك التي تصنع الأقنعة الواقية والمطهرات، مرورا بأولئك الذين يحاولون تعظيم الخوف هنا أو هناك للاستفادة من هبوط بورصة ما أو صعود أخرى بفعل الذعر.
نعم الفيروس موجود في بقاع كثيرة من العالم وله ضحاياه، غير ان إثارة الرعب منه إلى هذا الحد عبر تغطيات إعلامية وإعلانية ودعائية غير رشيدة تهيئ لمن لا يعرف أن هناك ملايين قضوا جراء المرض وأنك عبرت شارعا عبره مريض باتش 1 إن 1 منذ يومين فسوف تنتقل العدوى اليك!!
علينا أن ندرك جميعا أن الحذر واجب لكنه لا يمنع القدر، ورحم الله خالد بن الوليد الذي أدرك الحقيقة وهو على فراش الموت فقال «لقد شهدت مئة زحف أو زهاءها، وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو رمية بسهم أو طعنة برمح، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء».