بين الوقف والاستمرار، وبين الرفض والقبول، تتباين المواقف من قضية الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة وخاصة في الضفة الغربية والقدس الشرقية سواء داخل إسرائيل أو في المنطقة العربية والمجتمع الدولي وبشكل خاص الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وهو ما يجعل قضية الاستيطان تفرض نفسها على مختلف الاجتماعات واللقاءات والأحاديث والصالونات حول موقف إسرائيل من هذه القضية ومدى امتثالها للضغوط المفروضة عليها وكذلك الموقف العربي وقدرته على تغيير الموقف الإسرائيلي المتعنت من الاستيطان.

والربط بين تجميد الاستيطان والتطبيع العربي ـ الإسرائيلي وقدرة العرب على التأثير على القرار الدولي لإجبار إسرائيل على وقف الاستيطان ووقف ابتلاع الأراضي الفلسطينية التي من المفترض أن تقام عليها الدولة الفلسطينية مستقبلاً.

التقصير العربي

في البداية، قال الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني عبد القادر ياسين أنه يمكن تلخيص الموقف العربي من قضية الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة من خلال مقارنة بسيطة تكشف حجم الاهتمام العربي بتلك القضية ويكفي القول ان يهودي أميركي يدعى «مسكوفيتش» يدفع سنويا 36 مليون دولار لشراء الأراضي والقامة المستوطنات خاصة التي تقع في القدس أو بالقرب منها، يأتي هذا في الوقت الذي يقدم العرب سنويا 4 ملايين دولار فقط لدعم القضية الفلسطينية.

وشدد ياسين على أن القضية الفلسطينية ضاعت بفضل الأيادي البيضاء لقادة العالم العربي والإسلامي وبفضل لجنة القدس التي شكلتها منظمة المؤتمر الإسلامي، لافتا إلى أن الهزائم والانتكاسات والخسائر التي لحقت بالقدس بعد تشكيل هذه اللجنة يفوق بمراحل الخسائر والانتكاسات التي سبق وأن لحقت بالقدس قبل إنشاء هذه اللجنة المشئومة.

وأكد على أن هناك تقصيرا عربيا متعمدا في التعامل مع هذه القضية، لافتا إلى أن التعامل العربي مع قضية الاستيطان وتهويد القدس والاحتلال الإسرائيلي يثير الكثير من علامات الاستفهام، مؤكدا أن ربط التطبيع بوقف الاستيطان أمر غير كاف كما أن رفض الاستيطان أيضا لا يكفي، ويري أن الحل الوحيد للقضية الفلسطينية هو تحرير الأرض وليس تقسيم المقسم وتفتيت المفتت واللهث للحصول على الفتات الذي لا يغني ولا يثمن من جوع.

الأخطر على القضية

وبدوره، يري مدير مركز «مقدس» للدراسات السياسية الدكتور سمير غطاس أن قضية الاستيطان هي الأخطر على القضية الفلسطينية وذلك لأن الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين هو صراع على الأرض ليس صراعا عقائديا أو سياسيا أو اقتصاديا أو أيدلوجيا، والطرف الإسرائيلي يدعي أن الأرض الفلسطينية هي أرضه ولذلك فهو حتى الآن لم يحدد حدود دولته.

ودلل على خطورة قضية الاستيطان بإقامة إسرائيل منذ 1967 وحتى الآن حوالي 147 مستوطنة في الضفة الغربية والقدس الشرقية يسكنها نصف مليون يهودي مقابل 2 مليون فلسطيني يقيمون في الضفة الغربية والقدس وهو ما ينذر بكارثة بشرية من استمرار ابتلاع إسرائيل للأراضي الفلسطينية.

وأضاف: أنه إذا ما استمر العمل في إقامة المستوطنات بنفس الوتيرة فإن هذا الرقم سيتضاعف في عدة سنوات قليلة، ولن يكون هناك أراضي يتم التفاوض عليها بين الإسرائيليين والفلسطينيين لاستعادتها.

وحول الموقف العربي من قضية الاستيطان الإسرائيلي ودلالاته وإلي أي حد يمكن أن يسهم الموقف العربي في تغيير السياسات الإسرائيلية الاستيطانية، أكد غطاس على أن العرب والأنظمة العربية شركاء للاحتلال الإسرائيلي وشركاء في الجريمة التي يرتكبها الاحتلال بابتلاع الأراضي الفلسطينية.

وإقامة المستوطنات على أشلاء الشعب الفلسطيني لأن العرب يشاهدون ما يحدث ولا يحركون ساكنا وكأنهم يباركون هذه الجريمة النكراء، الأكثر من ذلك فإن الفلسطينيين أنفسهم شركاء أيضا في هذه القضية باستمرارهم في عمليات التفاوض ومجالسة الإسرائيليين في الوقت الذي يستمر الإسرائيليون في ابتلاع الأرض وتهويد القدس وإقامة المستوطنات.

وتابع:هناك تواطؤ سياسي وتقصير عربي شديد بالسكوت على حركة الاستيطان، ولو أن العرب سلكوا مسلك بعض اليهود الذين يتبرعون بأموالهم لدعم الاستيطان ما كنا وصلنا غلي هذه النقطة، ولو أن العرب خصصوا 01 .0% من عائدات البترول خلال فقد الفترة التي ارتفعت فيها أسعار البترول لتمكن العرب من شراء القدس بكاملها ولكن يبدو أن هذا الأمر لا يشغل العرب من قريب أو بعيد وهناك لديهم أولويات ومصالح أخرى أكثر أهمية.

وقال: إنه لابد من وقف الاستيطان بأية طريقة وأية وسيلة لأنه الأخطر على القضية الفلسطينية وعلى الصراع العربي ـ الإسرائيلي، مشيراً إلى أنه لا يمكن الاستمرار في هذا التفاوض الهزلي الذي لا يحقق أي شئ منذ أوسلو في الوقت الذي يستمر فيه الاستيطان في ابتلاع الأراضي الفلسطينية وخلق وضع ديموغرافي جديد يستحيل معه إقامة الدولة الفلسطينية خاصة وأن هذا الاستيطان لا يتم عبثا وإنما بشكل مخطط لتمزيق وتفتيت الأراضي الفلسطينية وابتلاعها بما يستحيل معه إقامة الفلسطينيين لدولتهم في المستقبل.

عقبة كؤود

أما المستشار الثقافي بسفارة فلسطين بالقاهرة والمحلل السياسي الدكتور محمد الأزعر، فقد أكد على أن الموقف العربي من قضية الاستيطان واضح، وهو التركيز على أن استئناف التفاوض مع وجود الاستيطان أمر مرفوض ومستبعد وهو توجه مقبول سياسيا وقانونيا، وهو نفس الموقف الواضح والمحدد من القيادة الفلسطينية بعدم التفاوض مع الإسرائيليين في ظل استمرار الاستيطان.

مشيراً إلى أن الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي والمجتمع الدولي يتفهم جيدا موقف القيادة الفلسطينية في هذا الصدد، ويدرك جيدا أنه باستمرار الاستيطان فإننا ربما لا نجد مستقبلا ما يمكن التفاوض عليه وما يمثله ذلك من انتقاص للأراضي التي ستقام عليها الدولة الفلسطينية ويشكل عقبة كؤود أما التفاوض ويعرقل العملية السلمية في الشرق الأوسط.

وحذر الأزعر من أنه إذا ظل الموقف العربي موقفا كلاميا فإنه لن يحدث أي تغيير في السياسة الإسرائيلية تجاه الاستيطان، ولكن إذا ما اقترن الموقف العربي بفعل وممارسة ضغوط مكثفة وحشد الجهود والتأكيد على أن المصالح الأوربية والأميركية مع العرب ستتأثر إذا لم يتم حل قضية الاستيطان فعندها وعندها فقط يمكن أن تحدث انفراجة في مشكلة الاستيطان وتتحرك إسرائيل جديا نحو وقف الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية.

ونوه إلى أن قضية الاستيطان على الرغم من كونها قضية هامة وحاسمة في تحديد مصير القضية الفلسطينية على أساس إقامة الدولتين، إلا أنها ليست القضية الوحيدة على جدول أعمال المصير الفلسطيني فهناك قضية اللاجئين وحق العودة وقضية المياه والقدس باعتبارها عاصمة لدولة فلسطين والتي لها أيضا صلة بقضية الاستيطان والتي تنال من عاصمة الدولة الفلسطينية وهو ما من شأنه عرقلة إقامة الدولة الفلسطينية، ولابد أن يتم التعامل مع هذه القضايا حزمة واحدة وألا يتوقف الجهد التفاوضي خاصة الدولي على قضية المستوطنات فحسب.

وحول المطالبة بربط التطبيع بوقف الاستيطان، قال: مسألة التطبيع لابد وأن تكون تالية وليست سابقة وهي قضية يتم مناقشتها منذ أكثر من عشر سنوات وهي أيهما أولا التطبيع أم السلام؟

مشيرا إلى أنه ليس منطقيا أن يتم التطبيع قبل التصالح والسلام، وهو ما حدث من قبل في أوروبا حيث لم تتحدث أوروبا عن الوحدة والتعاون إلا بعد التخلص من الاحتلال والاستعمار والفاشية والنازية وغيرها من صور العنصرية المقيتة التي تبقي إسرائيل آخر معاقلها.

رفض عربي للاستيطان

ومن جانبه، شدد الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية لشؤون فلسطين والأراضي المحتلة السفير محمد صبيح على أن الموقف العربي واضح من قضية الاستيطان مشيرا إلى أن الزخم والاتصالات المكثفة التي شهدتها الدول العربية والساحات الدولية في الفترة الأخيرة يؤكد رفض الدول العربية التام والكامل لقضية الاستيطان باعتبارها خطوة غير قانونية تستهدف تغيير الواقع الديموغراقي والسياسي وهو الأمر الذي من شأنه عرقلة العملية السلمية في الشرق الأوسط باعتبار القضية الفلسطينية هي محور قضية السلام في الشرق الأوسط وبدونها لا يمكن التوصل إلى سلام في المنطقة.

ونوه صبيح إلى أن الدول العربية أكدت وجددت رفضها للاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المختلة خلال الدورة الـ 132 لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية والتي عقد مؤخرا بمقر جامعة الدول العربية، وحملت إسرائيل مسؤولية إفشال جهود السلام الجارية.

كما أعلنت الدول العربية رفضها لكافة الإجراءات الإسرائيلية أحادية الجانب الهادفة إلى تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي للأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية ورفض وضع واقع جديد على الأرض واستباق نتائج مفاوضات الوضع النهائي ومحاولات الالتفاف على أسس عملية السلام ومرجعياتها وتقويض الحل المتمثل في إقامة دولتين والقضاء على فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة.

وأشار إلى مطالبة وزراء الخارجية العرب الدول والمؤسسات التي تقدم دعما للاستيطان بالعمل على تجفيف موارد الاستيطان وخاصة في مدينة القدس باعتباره خرقا للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة والتي تقوض عملية السلام، ومطالبتهم للدول التي لديها استثمارات في الشركات التي تساهم في تمويل ودعم عمليات الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة بسحب استثماراتها.

موقف متكامل

وأشار صبيح إلى القيام بتشكيل لجنة قانونية في إطار جامعة الدول العربية لمتابعة وتوثيق عمليات التهويد والاستيلاء والمصادرة للممتلكات العربية ومنازل المواطنين الفلسطينيين في القدس المحتلة أو تلك التي يتم إزالتها أو هدمها، وتقديم المقترحات العملية لمتابعة هذا الموضوع بما في ذلك رفع قضايا أمام محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية.

وأكد على أن الدول العربية كافة أعلنت رفضها لكافة المحاولات الرامية إلى تفتيت وحدة الأراضي الفلسطينية وكافة الإجراءات الأحادية الجانب التي تتخذها إسرائيل وعلى رأسها ممارسات الاستيطان في الأراضي العربية المحتلة ومحاولات تهويد القدس.

وأن الدول العربية دعت كافة الدول وخاصة الولايات المتحدة الأميركية والمنظمات الدولية التي شاركت في الاجتماع الدولي للسلام في أنابوليس ومؤتمري باريس وبرلين لتحمل مسؤولياتها للدفع بجهود السلام وإلزام إسرائيل بوقف الاستيطان وضرورة التزامها بإظهار إرادة سياسية ورغبة أكيدة للتوصل إلى سلام عادل وشامل بدلا من الإمعان في سياسة الحرب الممنهجة وتكثيف الاستيطان والتي زادت وتيرته بعد مؤتمر أنابوليس.

إضاءة

شدد الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية لشؤون فلسطين والأراضي المحتلة السفير محمد صبيح على أن الموقف العربي واضح من قضية الاستيطان.

مشيرا إلى أن الزخم والاتصالات المكثفة التي شهدتها الدول العربية والساحات الدولية في الفترة الأخيرة يؤكد رفض الدول العربية التام والكامل لقضية الاستيطان باعتبارها خطوة غير قانونية تستهدف تغيير الواقع الديمغراقي والسياسي وهو الأمر الذي من شأنه عرقلة العملية السلمية في الشرق الأوسط باعتبار القضية الفلسطينية هي محور قضية السلام في الشرق الأوسط وبدونها لا يمكن التوصل إلى سلام في المنطقة.

ونوه صبيح إلى أن الدول العربية أكدت وجددت رفضها للاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المختلة خلال الدورة الـ 132 لمجلس الجامعة العربية.

القاهرة ـ «البيان»