صراع مرير في صعدة تستخدم فيه قوات الجيش اليمني بكامل عدتها وعتادها ضد يمنيين ويشرد فيه ما يربو على مئة ألف، وصراع مرير آخر بين دمشق وبغداد يتم تدويله، وصراع مرير ثالث بين فتح وحماس أوشك أن يصبح عبثيا مثل حرب البسوس في وقت يتم فيه وضع اللمسات الأخيرة على مخطط أميركي مريب يضع نهاية لصراع استغرق جيلين واستهلك من الموارد والطاقات ما كان يكفي لصنع نهضة علمية تضاهي ما تمتلكه أكثر أمم العالم تقدما.
وصراعات مريرة أخرى في السودان والصومال والصحراء الغربية جلبت لمنطقتنا مجلس الأمن بفصله السابع والمحكمة الدولية بانحيازات من يحركونها، والهيئات التبشيرية حاملة الطعام بيد والانجيل باليد بالأخرى.. كل ذلك وجامعة الدول العربية مغيبة، لم يعد لها من هم إلا التنسيق لاجتماع قمة سنوي باهت يعقد بعد مماحكات ويشهد ملاسنات وينتهي ببيانات تعيد سنة 2009 نفس العبارات الإنشائية المكرورة التي تضمنتها بيانات نفس القمم عام 1990، واجتماعات متفرقة لوزراء أغلبهم يستحق الشفقة لأنهم ليسوا سياسيين ولا شركاء في صنع سياسة، فلا شريك للقادة العرب فيما يرون أو يتخيلون، لكأن آراءهم وحي يوحى.
كنت أظن وبعض الظن إثم أن شخصية الأمين العام الحالي للجامعة لن تسمح باستمرار التردي الذي تشهده أحوالها منذ عام 1977، وتصورته مع كثيرين غيري رجل انقاذ إما أن يسد خروق السفينة التي يقودها أو يشهر استقالته في وجوه من يضعون (العصي في الدواليب) على الأقل مثلما فعل الشاذلي القليبي حين لم تجد جهوده لحل أزمة احتلال العراق للكويت أذنا صاغية، ولم يجد في القوم رجلا رشيدا يعينه على حل عربي، غير أن عمرو موسى خيب كل ظنون من جعلوا له مكانة مختلفة عن غيره من الساسة.
وسمح بأن تتحول الجامعة إلى مجرد مكتب علاقات عامة (بي آر). لكن إعلان حقيقة الوضع الذي آلت إليه الجامعة المتوفاة إلى رحمة الله منذ زمن ـ كمثل كل ما هو عربي ـ يحتاج إلى شجاعة، وليس هناك سياسي شجاع يريد أن يتحمل مسؤولية إذاعة نبأ الوفاة، تاركين الأمر لدابة الأرض إن شاءت كشفت الواقع المر الذي تعيشه ونعيشه معها، وإن شاءت أبقت عليها سنوات وربما عقودا أخرى لمحاولة إقناعنا أن كل شيء على ما يرام، وأن الأمة بخير وسؤدد.