تصاعدت حدة الأزمة السورية العراقية الأسبوعين الأخيرين بشكل متواتر وسريع حيث لم يعد بالإمكان وصف الأزمة بالغيمة السوداء التي ستنجلى قريباً عن سماء العلاقات بين البلدين، بل بدأت الأزمة منذ أيام تأخذ شكل التصعيد الكبير والخطير وخصوصاً من قبل الجانب العراقي الذي توعد الدول المجاورة بدفع الثمن بعد اتهامه لها بإيواء ما وصفه بالإرهابيين الذين يتسللون إلى العراق عبر الحدود المشتركة لينفذوا عملياتهم الإرهابية.

وبعد أيام قليلة على زيارتي وزيري الخارجية الإيراني منوشهر متقي والتركي أحمد داود أوغلو كل على حدة لبغداد ودمشق وفيما يشبه الرد السريع على هاتين الوساطتين، صعدت الحكومة العراقية من الأزمة بتقديمها طلباً إلى مجلس الأمن لتشكيل محكمة دولية للتحقيق في هجمات الأربعاء الدامي في بغداد التي راح ضحيتها أكثر من 100 شخص الشهر الماضي.

وترافق الإعلان عن تقديم العراق لطلب تشكيل المحكمة الدولية مع إعلان الحكومة العراقية نشر قوات شرطة إضافية على حدودها مع سوريا لمنع ما وصفته تدفق المقاتلين من الأراضي السورية، فيما توعد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي من يحتضن المجرمين بانه سيدفع الثمن حتماً، في إشارة منه لسوريا، واعتبر المالكي أن «المتمردين على القيم والإنسانية لن يقفوا على حدود العراق، والذين يحتضنون المجرمين سيدفعون الثمن حتماً، فلا يتصور أحد مهما كان لديه من قوة واستخبارات أنه سيكون بمنأى عن التداعيات التي تتواصل وتتصاعد، والعالم مطالب أن يقف وقفة واحدة في وجه الشر والإرهاب والجريمة».

قطيعة أم تواصل؟

ونتيجة لمجمل هذه المواقف الحادة والهجومية للحكومة العراقية تجاه سوريا خلال الأيام الماضية برزت التساؤلات حول مصير وآفاق ومستقبل العلاقات بين البلدين، فهل تتجه الأزمة نحو الحل بمساعدة بعض الأطراف العربية والإقليمية، أم ان القطيعة بين البلدين هي الاحتمال الأغلب الذي بدأ يسيطر على الأجواء؟.

ومن هنا جاء الموقف السوري الذي تحلى خلال الأيام الماضية بالهدوء وضبط النفس تجاه الأزمة مع العراق، حيث وصف الرئيس بشار الأسد «الاتهامات العراقية باللاأخلاقية وغير المسؤولية»، مؤكداً حرص سوريا على «حياة وأمن العراقيين كحرصها على حياة وأمن السوريين، وان أمن واستقرار العراق هو مصلحة لسوريا»، مطالباً «الحكومة العراقية بتقديم الأدلة على تورط بعض بعثيي النظام السابق المقيمين في دمشق في تفجيرات الأربعاء الدامي»، موضحاً ان «دمشق حتى الآن لم تتلق أي أدلة»، فيما شدد بيان لوزارة الخارجية السورية قبل أيام على ان «التركيز الآن يجب ان ينصب على حادثة تفجيرات الأربعاء الدامي ومن يقف خلفها لان هناك توظيفا واستخداما لها من قبل الحكومة العراقية بهدف ربطها بالمطالبة بتسليم معارضين عراقيين لاجئين في سوريا ترفض حكومة رئيس الوزراء المالكي إشراكهم في العملية السياسية».

وفي خضم هذه الأزمة أجمعت الأوساط السياسية السورية على وجود قوى داخلية في العراق لا تريد لدمشق وبغداد ان يلتقيا، متهمة إياها بتفجير الأزمة وجعل سوريا كبش فداء لمصالحهم الخاصة المتمثلة في الانتخابات العراقية القادمة.

تعاون استراتيجي!

ففي الثامن عشر من شهر أغسطس الماضي زار المالكي دمشق ووقع مع رئيس الوزراء السوري محمد ناجي عطري على تأسيس مجلس تعاون استراتيجي عالي المستوى بين البلدين في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، وبعد الزيارة بيوم واحد وقعت تفجيرات الأربعاء الدامي التي قال عنها المالكي في تصريح متلفز بعد ساعات من حدوثها ان هذه التفجيرات جاءت نتيجة الصراعات السياسية العراقية، لكن المالكي تراجع عن تصريحاته واتهم سوريا فيما بعد بإيواء بعثيين متهمين بالمسؤولية عن التفجيرات، وطالبها بتسليمهم، وذلك على الرغم من إعلان تنظيم القاعدة مسؤوليته عن أحداث الأربعاء الدامي. وقال أستاذ القانوني الدولي في جامعة دمشق إبراهيم دراجي في تصريح لـ «البيان» إن «لدى سوريا مبدأ قانوني ينص على عدم تسليم اللاجئين وعدم تسليم المعارضين السياسيين»، موضحا ان «هذا الموضوع ليس جديداً، فحكام العراق الآن كانوا لاجئين في سوريا وقدمت لسوريا عشرات الطلبات من النظام السابق لتسليمهم ولكن كان هناك موقف لسوريا بعدم التسليم»، مشددا على «ضرورة التمييز ما بين المعارض وما بين الشخص الذي يتورط بأنشطة إجرامية»، وقال إنه «طالما لم يقدم لسوريا أي دليل يثبت تورط هؤلاء فسوريا تقول ان هذا الموضوع سابق لأوانه».

حكاية الأدلة

وردا على سؤال فيما لو قدمت أدلة تثبت تورط المتهمين من قبل بغداد فهل تقوم سوريا بتسليمهم أوضح دراجي انه «إذا لم تتوفر ضمانات قانونية واضحة بتوفير محاكمة عادلة لهؤلاء فأنت لا تستطيع تسليمهم»، متسائلاً «هل هذه الضمانات متحققة في العراق الآن»، مشيراً إلى ان «تسليم سوريا للمتهمين سيقيم عليها قيامة منظمات حقوق الإنسان التي ستتهمها بانها سلمتهم لأسباب سياسية وأنهم لن يتمتعوا بالضمانات القانونية». فيما اتهم المفكر العراقي المقيم في دمشق فاضل الربيعي في تصريح لـ «البيان» «بغداد بافتعال الأزمة مع دمشق»، مشيراً إلى ان «التدهور في العلاقات سيؤدي إلى قطيعة تاريخية جديدة قد تستمر ثلاثين عاماً». واسترجع الربيعي حادثة قديمة لدى انقطاع العلاقات بين البلدين إبان حكم النظام العراقي السابق وقال «بعد زيارة قام بها الرئيس الراحل حافظ الأسد إلى بغداد في صيف 1979 للتوقيع على الميثاق القومي الذي كان يبشر بتطور نوعي للعلاقات بين بغداد ودمشق لم يمض أقل من ثمان وأربعين ساعة على عودة الرئيس الراحل إلى دمشق حتى فاجأت بغداد العالم كله بمزاعم عن اكتشاف مؤامرة سورية للإطاحة بنظام العراق وكانت هذه في الحقيقة ذريعة وكذبة حيث لم تقدم بغداد أي دليل واحد على صحتها. وأضاف: واليوم وبعد عودة المالكي إلى بغداد من زيارته لدمشق والتوقيع على وثائق تتعلق باتفاق استراتيجي وبعد أقل من ثماني وأربعين ساعة على عودته إلى بغداد وقعت تفجيرات الأربعاء الدامي ثم خرجت الحكومة العراقية باتهامات عن تورط سوريا»، مضيفاً هذه «ليست مجرد مصادفة تاريخية ان هذا الانهيار الجديد يأتي بالضبط بعد ثلاثين عاماً».

وعلى الرغم من دخول الوساطة الإيرانية والتركية على خط الأزمة السورية العراقية مبكراً في سبيل تحقيق اختراق في جدار الأزمة الحادة التي طرأت بين البلدين، إلا ان الوساطة الإيرانية والتركية فشلت حتى الآن في إيجاد بعض القواسم المشتركة التي يمكن البناء عليها.

لا للبحث عن ذرائع

وقال الدكتور دراجي إن «هذا الموضوع منوط ببغداد فإذا أبدت التزاماً جدياً ورغبة جدية بالتعاون مع سوريا وتقديم ما لديها من أدلة وإثباتات عندئذ يمكن إعادة إحياء العلاقات ولكن إذا كان الغرض في بغداد وضع مبدأ القطيعة أولا وبعد ذلك يبدأ البحث عن ذرائع ومبررات لإيقاف هذه القطيعة فلن تنجح أي وساطة».

فيما أوضح الربيعي أن «المخرج المحتمل من هذه الأزمة إذا ما نجحت الوساطة التركية الإيرانية يتمثل بخروج نحو مئتين من البعثيين خارج سوريا لأن سوريا لن تسلم المالكي أي لاجئ عراقي»، مضيفاً «إذا ما تم التوصل لمخرج فقد يكون بمغادرة نحو مئتين من هذه الشخصيات إلى قطر أو تركيا».

ورد دراجي على إمكانية مغادرة بعض بعثيي العراق لسوريا كحل وسط للأزمة بالقول «إذا كان هذا الحل مطروحاً بالفعل فهذا يقودنا إلى نتيجة أن القضية مفتعلة لأن من غير المنطقي أن يكون مئتي بعثي متورط بجريمة بهذه الصورة، وبالتالي يكون الموضوع بكل بساطة ان الحكومة العراقية تريد إبعاد فئة سياسية معارضة لها ولا تريد إشراكها في الحوار الوطني، وقامت بافتعال هذه الأحداث من أجل المقايضة السياسية ونوع من الابتزاز السياسي».

وحول لجوء العراق لمجلس الأمن لإنشاء محكمة دولية تحقق في تفجيرات الأربعاء الدامي قال الدكتور دراجي «أنا أتمنى إنشاء محكمة دولية للنظر بكل الانتهاكات منذ العام 2003 وليس حصرها في إطار حادث معين، وإذا قرر مجلس الأمن ان ينشئ هكذا محكمة فان من يطلبها الآن في بغداد سوف يتراجع عن طلبها»، بينما قال الربيعي ان «العراقيين يتصرفون بجحود ونكران للجميل ويقدمون خدمة مجانية للقوى المهيمنة على العالم وخصوصاً الولايات المتحدة الأميركية، فسوريا الآن نجحت بذكاء في الخروج من دائرة الاتهام فيما يتعلق بمحكمة رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري والآن يقول المالكي أنا أعطي للأميركان إمكانية لإدخال سوريا في دوامة جديدة وبالتالي قد يحصل منهم على دعم لولاية ثانية»، موضحاً ان «هذه مكاسب رخيصة يبحث عنها المالكي وهو أمر مؤسف ويدل في الحقيقة على رعونة الساسة العراقيين».

تصعيد محكوم

ورداً على سؤال حول مصير الأزمة بين البلدين قال دراجي إن «هذه القضية سوف تتوقف عند حد معين من التصعيد ثم لا تلبث ان تعود العلاقات إلى التحسن لأن هناك حتمية تفرض على سوريا والعراق الانفتاح المتبادل وهذه الحتمية هي حتمية عراقية بالدرجة الأولى فسوريا لسنوات طويلة كانت على قطيعة مع بغداد ولم تضار من شي لكن الآن لبغداد مصلحة بالانفتاح السوري عليها لأسباب متعددة»، مضيفاً ان «الموقف السوري يقوم على ركيزتين أولاً الحرص على عدم التصعيد والحرص على قبول أي وساطة، وثانياً الحرص على احترام السيادة الوطنية السورية وعدم السماح باستخدام سوريا كمطية لتوجيه اتهامات وبالتالي سوريا لن تصعد لكنها لن تهدر كرامتها وسيادتها».

وقال المحلل السياسي السوري فايز الصايغ في تصريح ل«البيان» انه «تاريخياً عملت قوى المشروع الأميركي الصهيوني ما قبل صدام حسين وخلال زمن صدام حسين وما بعد صدام حسين على عدم التقاء سوريا والعراق إلا اننا نأمل ان تكون هناك قواسم مشتركة لأن العراق يشكل عمقاً استراتيجياً لسوريا وسوريا تشكل عمقاً استراتيجياً للعراق فضلا عن التكامل المجتمعي والتكامل الثقافي والحياتي السوري العراقي»، موضحا ان «هناك قوى تعمل على زرع اسافين دائماً بين البلدين». وأعرب عن أمله في ان «يعي العراق هذه المسألة وان يعود إلى القواعد التي تم الاتفاق عليها خلال زيارة المالكي لدمشق لتستمر العملية السياسية بدعم سوري وتصل إلى نهاياتها الطبيعية».

إضاءة

قال أستاذ القانوني الدولي في جامعة دمشق ابراهيم دراجي في تصريح ل«البيان» إن «لدى سوريا مبدأ قانوني ينص على عدم تسليم اللاجئين وعدم تسليم المعارضين السياسيين»، موضحا ان «هذا الموضوع ليس جديداً، فحكام العراق الآن كانوا لاجئين في سوريا وقدمت لسوريا عشرات الطلبات من النظام السابق لتسليمهم ولكن كان هناك موقف لسوريا بعدم التسليم»، مشددا على «ضرورة التمييز ما بين المعارض وما بين الشخص الذي يتورط بأنشطة إجرامية»، وقال إنه «طالما لم يقدم لسوريا أي دليل يثبت تورط هؤلاء فسوريا تقول ان هذا الموضوع سابق لأوانه».

الرئاسة العراقية تحتوي الأزمة

في تطور أكد صحة التوقعات التي أشارت إليها التقارير المنشورة على هذه الصفحات بشأن استبعاد تفاقم أزمة العلاقات العراقية السورية خرجت علينا الرئاسة العراقية بموقف يتجه بالأمور إلى التهدئة حيث اعترضت على موقف رئيس الوزراء نوري المالكي المتعلق باتهام سوريا بإيواء المسؤولين عن التفجيرات التي وقعت في بغداد فيما عرف بالأربعاء الدامي.

ودعت الرئاسة في بيان لها يوم الثلاثاء الماضي إلى تطويق الأزمة والتعاون بين البلدين لحل المشاكل العالقة عن طريق الحوار والقنوات الدبلوماسية. وبذلك يكاد أن يمثل البيان بهذا الشكل خطوة على طريق طي الأزمة التي هددت بتعكير أجواء العلاقات العربية

دمشق ـ أحمد كيلاني