ازداد توظيف النصوص الإسرائيلية في الخطابات والكتابات السياسية العربية بدفع من عاملين: انطلاق عملية التسوية (مطلع التسعينات)، مع ما صاحبه من اهتمام رسمي وشعبي بالشأن الإسرائيلي؛ وانتشار وتطور وسائل الإعلام.

ومن مترتبات ذلك أن الصحف العربية باتت تحتوي زوايا خاصة بترجمات من الصحافة الإسرائيلية (البيان ـ المستقبل ـ السفير ـ النهار ـ الشرق الأوسط، مثلا). كما أن معظم قادة المقاومة (في لبنان وفلسطين) والمحللين السياسيين، باتوا يعتمدون في خطاباتهم وتحليلاتهم على نصوص إسرائيلية.

لكن توظيف هذه النصوص لم يكن على الدوام صائبا، أو يخدم الحقيقة، بحكم النواقص التالية:

1. الانتقائية والجزئية: فثمة خطابات أو كتابات ينتزع أصحابها الاستشهادات من سياقها، للتعامل معها كحالة بذاتها، وتقديمها كحقيقة مطلقة، لملاءمتها لوجهات نظرهم؛ ما يصادر الهدف المعرفي، ويفاقم الجهل بإسرائيل.

2. السطحية: فثمة استسهال في التعامل مع النصوص الإسرائيلية دون التعمق بفهم إسرائيل، وبخلفية النصوص وكتّابها، ما يتسبب بإشاعة نوع من وعي سطحي بإسرائيل، على حساب الموضوعية.

3. النظرة الأيدلوجية المسبقة: وهي تعتبر إسرائيل كتلة صماء متجانسة غير خاضعة للتغير وللتبدل، لذا يجري التركيز على الحطّ من قدرها، والاستخفاف بقوتها؛ كونها كيانا عدوا، ما يخدم، بشكل غير مباشر، الصهاينة الذين يضفون أسطورية على مشروعهم (إسرائيل) بادعاء إقامة دولتهم برغم التاريخ والجغرافيا والبشر.

والمعنى أن هذه التوظيفات لا تعزّز المعرفة بإسرائيل، بنظامها السياسي، وعلاقاتها وتناقضاتها الداخلية والخارجية، وعوامل قوتها وضعفها، بقدر ما تشوّش على هكذا معرفة.

مثلا، يمكن ملاحظة أن ثمة كتابا وسياسيين ومسؤولين أمنيين في إسرائيل يتحدثون عن نهاية المشروع الصهيوني، وعن عيوب إسرائيل، وإخفاقاتها. لكن تفحص هذه الأقوال يبيّن أنها تأتي في سياق الانحياز لتيار سياسي معين، بمواجهة اخر، أو لكشف ما يعتري إسرائيل من تناقضات وثغرات، وتلافيها. وثمة أحاديث عن التدهور السياسي في إسرائيل لدى أدنى خلخلة في أي حزب أو حكومة، دون الانتباه إلى أن هذا وذاك يظل محكوما بطبيعة النظام السياسي، ولأصول اللعبة البرلمانية الديمقراطية، ولأولويات الحفاظ على الذات. علما أن الإسرائيليين يرون في الحراك السياسي عندهم دليل حيوية وعافية، ودليلا على حسن إدارتهم لخلافاتهم وتناقضاتهم.

أيضا، في إسرائيل يمكن أن تسمع الرأي ونقيضه، باعتبارها دولة ديمقراطية، وبرلمانية، وفيها تعددية حزبية، ومراكز دراسات وصحافة متعددة الأهواء، وتتيح حرية الرأي، وتداول السلطة، ولكن ذلك لا يعني بأية حال أن وجهة النظر هذه هي السائدة أو أنها بمثابة قرار. هكذا يمكن أن تسمع من يقول بأن قيام الدولة الفلسطينية هو مصلحة إسرائيلية وأن الاستيطان عبء على إسرائيل وشرك ينبغي التخلص منه وأن التسوية ستمكن إسرائيل من تجديد شرعيتها وحيويتها وصدقيتها في المنطقة والعالم، وبالمقابل ثمة من يقول العكس، أي أن ذلك يعني بداية نهاية إسرائيل وأن الاستيطان هو قلب الشعب اليهودي، وأن التسوية ستقوض المشروع الصهيوني برمته وتنزع الشرعية عن إسرائيل.

على ذلك فإن المشكلة بالنسبة لنا ليست في ما يقوله الإسرائيليون وإنما في فهم ما يقولونه ووضعه في سياقه الصحيح وفي إطاره التاريخي، وفي كيفية التعاطي مع الخلافات والتناقضات الداخلية وتوظيفها توظيفها صحيحا