ما فعله يوكيو هاتوياما وحزبه في اليابان.. يراه الكثيرون في الغرب أشبه بالزلزال السياسي الذي اسقط سور برلين قبل عشرين عاما، فقد سقط الحزب الليبرالي الديمقراطي (اليميني) بعد احتكار السلطة لمدة تزيد على خمس عقود بالضربة الجماهيرية القاضية. ومثلما حطم الأوروبيون الشرقيون الحائط الخرساني الذي عزلهم عن الغرب ليس حبا في الرأسمالية التي جلبت أمراضها في الشرق..بل سخطا على الشيوعية ومثالبها، فعل اليابانيون ما هو شبيه بذلك. أخرجوا الحزب الديمقراطي الليبرالي وادارته البيروقراطية التي حكمت 54 عاما لم يواجه خلالها معارضة تقريبا. أسقطوه لفشله في مواجهة خطايا حكمه التي جلبت البطالة والشقاء للمواطن الياباني الذي يعرفه العالم ك«مدمن عمل». يقول الكاتب الياباني «تشي ماتسيموتو» أن الحزب الليبرالي كان يستمد قوته ليس من برنامج سياسي وإنما من الإعانات السخية من مجموعاته الفئوية مثل المزارعين وعمال البناء. فظل عمودا محوريا للنظام السياسي الياباني المحتضر الذي دعمته بيروقراطية قوية خططت ونفذت سياساته. واستطاع نظام الأصدقاء والصلات القوية بين النخبة السياسية للحزب الليبرالي والشركات أن يخدم الاقتصاد الياباني بشكل جيد في اللحاق بالغرب، لكنه صار مستحيلا عليه التمويل بعد أن انفجرت الفقاعة الاقتصادية في وقت مبكر من التسعينات من القرن الماضي.
والناخبون خشوا على معاشاتهم ورعايتهم الصحية، فوجهوا جام غضبهم إلى الحزب الذي فقد الصلة في التعامل مع واقع الحياة اليومي لناخبيه وفشل في أخذ فكرة عن التغييرات الخاضع لها المجتمع الياباني العجوز. قد يعني ذلك أن الناخبين لم يتجهوا إلى هاتوياما وحزبه حباً وتأييدا مطلقا له، بقدر ما هو سخط وغضب من الحزب الليبرالي. الكل سيترقب ما سيفعله. فهو ليس من فصيلة من يرتمون في أحضان الولايات المتحدة ويسبحون بحمدها. إنه سياسي له رؤية استقلالية. يريد ياباناً مستقلا دون أن يعادي واشنطن. يريد تكتلا آسيويا تجمعه عملة موحدة ومتخذا من الاتحاد الأوروبي النموذج.
المقال الذي كتبه هاتوياما في صحيفة النيويورك تايمز قبيل الانتخابات، كشف الكثير من أفكاره ورؤاه. هاجم فيه الرأسمالية الأميركية. قال «عصر العولمة تحت القيادة الأميركية يوشك ان ينتهي ونحن نتجه إلى عصر متعدد القطب بعد فشل حرب العراق والأزمة المالية». ويرى أن منطقة شرق آسيا التي تظهر حيوية متصاعدة ينبغي الاعتراف بها بوصفها منطقة الوجود الطبيعي لليابان. هاتوياما الذي يوصف ب«الغريب» بسبب ميله للتعبير عن وجهات نظر شخصية بعيدا عن القيود وأيضا ببساطة بسبب قسمات وجهه.. في مهمة صعبة للغاية فعليه أن يثبت أن فوزه لم يكن نتيجة حالة غضب واستياء من حكم الليبراليين. عليه إنعاش المارد الياباني اقتصاديا ومواجهة البطالة وضعف سوق العمل.
يضاف إلى ذلك انخفاض النسل وشيخوخة اليابان. يتراجع السكان من 128 مليون نسمة إلى مئة مليون بحلول 2050. وسيواجه هاتوياما هذه المشكلات كما وعد، بتعزيز المساعدات الاجتماعية والعائلية والمعاشات، وسيتطلب منه تمويل هذه النفقات بشن حرب على الإسراف والهدر الحكومي. وخارجيا، سيسعى إلى استقلالية اكبر تجاه واشنطن مع استمرار التحالف الأمني معها وان كان يميل إلى خفض القواعد والجنود الأميركيين البالغ 47 ألف جندي. ويريد أيضا تعزيز العلاقات مع الصين وكوريا الجنوبية. ويقال إنه لن يزور ضريح ياسوكوني في طوكيو الذي يمجد ذكرى 5,2 مليون شخص قتلوا في الحرب بينهم مجرمو حرب من الحرب الثانية.
وكان رؤساء الوزراء السابقين يزورون الضريح مما يثير إحتجاجات كوريا والصين اللتين عانتا من الإستعماري الياباني الوحشي. ويريد أيضا تسوية الخلاف مع روسيا بخصوص جزر الكوريل التي تحتلها موسكو منذ 1945. وفلح إن صدق خاصة فيما يتعلق بالعلاقات مع واشنطن وانعاش اقتصاد بلاده الراكد. ليس هذا تهكما بل لأنه في موقف لا يحسد عليه. فهو مطالب بأن يثبت أنه أفضل أداء وحيوية من الليبراليين الذين حكموا لأكثر من خمس عقود.
إضاءة
منصب رئيس الحكومة الذي سيشغله هاتوياما، شغله جده من قبل. ولكن هناك تناقض. فبينما ساعد جده إتشيرو في تأسيس الحزب الليبرالي الديمقراطي، وضع إنتصار حزب هاتوياما نهاية لما يقرب من نصف قرن من السيطرة المستمرة للحزب على الحياة السياسية. والد هاتوياما أيضا خدم في الحزب الليبرالي وشغل منصب وزير الخارجية.
كما أن لهاتوياما شقيق أصغر يشغل منصب وزير في هذا الحزب.هاتوياما درس الهندسة وليس العلوم السياسية في جامعة طوكيو وجامعة ستانفورد في كاليفورنيا حيث ألتقى بزوجته يوكي. وهو أغنى نائب في مجلس النواب فوالدته من الأسرة المؤسسة لشركة (بريدجستون) أكبر شركة لصناعة الاطارات في العالم. ويقال إنه يقدم مساعدات مالية للأعضاء في الحزب الديمقراطي في حملاتهم الإنتخابية
حسن صابر