بعد عام على الحرب الماضية في القوقاز وهجوم الجيش الجورجي على مدينة تسخينفالي عاصمة أوسيتيا الجنوبية والذي أسفر عن قتل أكثر من ألف شخص من بينهم بعض جنود وضباط قوات حفظ السلام الروسية، وبعد الرد الحاسم من روسيا وردع الجيش الروسي لقوات الجيش الجورجي ومطاردتها لها داخل الأراضي الجورجية، وبعد أن اقتنع الأوروبيون بجريمة نظام الرئيس الجورجي ساكاشفيلي ومغامرته الطائشة التي كادت تشعل حربا واسعة النطاق في المنطقة، يعود النظام الحاكم في جورجيا وبدعم علني من واشنطن ليعد لمغامرة أخرى طائشة في القوقاز.
وقد صرح نائب رئيس أركان حرب الجيش الروسي أناتولي ناجوفيتسين في مؤتمر صحفي منذ أيام أن مستوى الإعداد العسكري في الجيش الجورجي وصل إلى الحد الأقصى وزاد كثيرا عما كان عليه في العام الماضي، وقال ناجوفيتسين إن «جميع قوات الجيش الجورجي متواجدة على الحدود مع أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وأنه رغم ظروف الأزمة والاقتصاد الجورجي المنهار فإن ساكاشفيلي قرر زيادة الميزانية العسكرية وشراء أسلحة حديثة من جهات مختلفة لم يحددها».
دعم غربي للحرب
على ما يبدو أن القضية ليست فقط «ساكاشفيلي» ومغامراته الطائشة، بل إن هناك من يدعمه ويحمسه ويدفعه لخوض هذه المغامرات، هناك في حلف شمال الأطلسي مجموعة من القادة من أنصار أيديولوجية الحرب الباردة الذين يرون في روسيا عدوا دائما، وهؤلاء القادة يبحثون دائما عن ثغرة يستغلونها لجر روسيا لنزاعات وحروب تستنفد قواتها وتشغلها عن عجلة التنمية والتطور التي أطلقتها مع بداية الألفية الثالثة.
وعلى مدى العام الماضي بعد الحرب في أغسطس لم يتوقف دعم الناتو للجيش الجورجي، الأمر الذي يكشف السر وراء الاتفاق الإستراتيجي الذي وقعته وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندليزا رايس مع الرئيس الجورجي ساكاشفيلي قبل مغادرة إدارة بوش للبيت الأبيض بأيام قليلة، هذا الاتفاق الذي أثار العديد من التساؤلات حول مغزاه وجدواه، خاصة وأن الحديث آنذاك لم يدر حول إعداد قوات جورجية لإرسالها لأفغانستان، وهي الحجة التي يطلقها البعض الآن في واشنطن كمبرر لدعم نظام ساكاشفيلي وجيشه وتسليحه بأحدث الأسلحة.
إيران جيت جديدة
المعلومات التي وصلت لموسكو تفيد أن قادة حلف الناتو قاموا على مدى العام الماضي بإمداد جورجيا بتقنيات عسكرية حديثة، منها مائة مدرعة حربية، وثلاثين منظومة صواريخ، وبعض الطائرات المقاتلة، وعشرة سفن حربية، ومعظم هذه الأسلحة والعتاد العسكري تصل إلى جورجيا عبر أوكرانيا، كما يدور الحديث الآن عن إمداد جورجيا بدبابات تـ 72، ومحطة تجسس، وطائرات سوخوي 17 ومنظومة صواريخ زينيت إس ـ 300، وجميع هذه الأسلحة موجودة لدى أوكرانيا، وبالطبع فإن أوكرانيا لن تعطي هذا السلاح بدون مقابل، خاصة في ظروف الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة في كل من أوكرانيا وجورجيا. لهذا فمن المؤكد أن واشنطن ستكون الممول الرئيسي لشراء هذه الأسلحة، ولكن هناك عقبات ومشاكل وراء إتمام هذه الصفقات، ومنها أنه باستثناء الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو فإن أحدا في أوكرانيا لا يقبل على الإطلاق دعم جورجيا بالسلاح، خاصة وأن هناك تحذيرات وتهديدات واضحة من موسكو لأي جهة تدعم جورجيا بالسلاح، فما بالنا بأوكرانيا التي هي الآن في أمس الحاجة للمساعدات المالية والاقتصادية من روسيا، كما أن واشنطن وإدارة أوباما بالتحديد لن تقدم على هذه المغامرة الطائشة التي من الممكن أن تعيد علاقاتها مع موسكو إلى نقطة الصفر، ولكن ليس من المستبعد أن تتم صفقات السلاح هذه بشكل سري تماما، الأمر الذي ينبئ بفضيحة «إيران جيت» جديدة في واشنطن.
البندقية على الحائط
الآن السلاح يتكدس على الحدود الجورجية مع أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، والمبدأ الذي وضعه من قبل الكاتب المسرحي العالمي تشيخوف يقول «البندقية المعلقة على الحائط في بداية المسرحية حتما لابد أن تستخدم أثناء العرض»، وعلى مدى الشهور الإثني عشرة الماضية وقع أكثر من مائة احتكاك وصدام وقصف عسكري على الحدود الشمالية الجورجية في اتجاه الشمال، وبعضها أسفر عن قتلى وجرحى، ورغم هذا لا نرى أي تحرك من واشنطن ولا من الاتحاد الأوروبي لوضع حد لهذه الصدامات وتفادي اندلاع حرب جديدة في القوقاز. ومن الواضح أن الأوروبيين والأميركان يتعاملون مع هذه القضية بشكل خاطئ يعكس عدم فهمهم للأسباب الحقيقية وراء النزاع في القوقاز، وينعكس هذا بوضوح في ردود الأفعال الحادة التي بدرت من الغرب على مدى الشهرين الماضيين بعد الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف في يونيو الماضي لمدينة «تسخينفالي» عاصمة أوسيتيا الجنوبية، حيث صرح المتحدث باسم البيت الأبيض «إيان كيلي» في 14 يوليو الماضي بأن زيارة ميدفيديف لتسخينفالي لا تساعد على تحقيق الاستقرار في المنطقة وتؤثر كثيرا على تعامل واشنطن مع هذه القضية. وقال كيلي «إن إدارة الرئيس أوباما ستطالب روسيا باحترام وحدة أراضي جورجيا وسيادتها، وستدعو الدول الأخرى لتبني نفس الموقف».
سحب الاعتراف
الأوروبيون المؤيدون لموقف واشنطن يطالبون موسكو بسحب اعترافها باستقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، والمدهش أنهم يعلمون جيدا في واشنطن وأوروبا أن موسكو لن تسحب اعترافها أبدا، إذا فالهدف من هذا الطلب هو تصعيد ألأزمة وليس تهدئتها، وهذا يرجع لاختلاف جوهري في وجهات نظر كل من موسكو وواشنطن نحو القضية، حيث ترى واشنطن أن من حق جورجيا استخدام القوة لضم هاتين الجمهوريتين لأراضيها، بينما ترى موسكو أن شعبي الجمهوريتين من حقهما أن يقررا مصيرهما وعلى الآخرين احترام إرادات الشعوب وخيارها. ويعتبر هذا مبدأ أساسيا في القانون الدولي، والواقع على الأرض يقول إن روسيا الجارة الكبرى لهذه الجمهوريات المحيطة بها ليس فقط من حقها حماية أمنها القومي على حدودها، بل من واجبها الذي يفرضه عليها حجمها ووزنها الدولي والإقليمي أن تحمي شعوب المنطقة وتساعدهم على التنمية وبناء بلادهم، وهذا ما فعلته روسيا وماتفعله على مدى العام الماضي، حيث ساهمت بفاعلية في إزالة أثار العدوان الجورجي على أوسيتيا الجنوبية وأعادت بناء المدارس والمستشفيات والمؤسسات التي هدمها العدوان، كما فرضت قواتها على الحدود بين جورجيا والجمهوريتين لضمان أمن الشعبين، وساهمت في إعادة الحياة الطبيعية هناك، حيث أجريت في أوسيتيا الجنوبية في مايو الماضي ولأول مرة انتخابات برلمانية شارك فيها 82% من الشعب وأربعة أحزاب، وراقبها مراقبون دوليون من ألمانيا وإيطاليا وبولندا وأوكرانيا واعترفوا جميعا بنزاهة الانتخابات ومطابقتها للمواصفات الدولية. كل هذا بينما على الطرف الآخر تعد واشنطن الجيش الجورجي للحرب والهجوم على هاتين الجمهوريتين الصغيرتين وهي تعلم جيدا أن روسيا لن تقف صامتة أمام أي عدوان عليهما وأنها ستتصدى للعدوان بقوة وشراسة أكثر مما وقع في العام الماضي كما صرح بذلك الرئيس الروسي ميدفيديف ورئيس الوزراء بوتين.
الزيارة المستفزة
لا يختلف اثنان على أن روسيا هي الضامن للسلام والاستقرار في هذه المنطقة، وهذا ما أقرته الأمم المتحدة نفسها في عام 1995 عندما أمرت بتشكيل قوة حفظ سلام روسية ووضعها على الحدود بين جورجيا والجمهوريتين، كما أقرت رابطة الدول المستقلة التي تضم اثني عشرة دولة من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق بإلزام روسيا وحدها بالحفاظ على السلام والأمن في هذه المنطقة، وهذا في حد ذاته اعتراف دولي وإقليمي بأن روسيا هي الضامن للسلام والاستقرار وهي أيضا المسؤولة عن هذا السلام والاستقرار في هذه المنطقة بالتحديد، وهذا في حد ذاته هو الدافع الرئيسي لتدخل روسيا بقواتها في العام الماضي، ولو كانت روسيا دولة عدوانية كما يدعي البعض لما خرجت قواتها من الأراضي الجورجية بعد أيام قليلة من دخولها. وقد جاء اعتراف موسكو باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا كرد على هذا العدوان، خاصة بعد أن ثبت وجود قوى أجنبية وراء هذا العدوان، ومن يطالب روسيا الآن بسحب اعترافها باستقلال هاتين الجمهوريتين هو بالضبط من يريد إشعال الحرب من جديد. إذا كانت زيارة الرئيس الروسي ميدفيديف لمدينة تسخينفالي المنكوبة في حرب العام الماضي يعتبرها البعض في واشنطن وأوروبا زيارة استفزازية ولا تساعد على السلام والاستقرار في المنطقة، فكيف يعتبرون زيارة نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن لجورجيا في يوليو الماضي وتصريحه العلني بدعم نظام ساكشفيلي «الديمقراطي» على حد قوله، وتصريحاته المستفزة تجاه روسيا. عن أية ديمقراطية يتحدث بايدن وهو يعلم جيدا أن لا أحد في جورجيا يقبل ببقاء ساكاشفيلي في الحكم لا من الشعب ولا حتى من أنصار ساكاشفيلي السابقين الذين اتفقوا جميعا على عزله من الحكم، لماذا تتمسك واشنطن برئيس يرفضه شعبه؟
وجهان لإدارة أوباما
لقد وصل إلى جورجيا في العشرين من أغسطس الماضي الفوج الأول من المدربين العسكريين الأميركيين من قوات المارينز ليشرفوا على تدريب قوات جورجية بحجة إعدادها للمشاركة في العمليات في أفغانستان، وذلك حسب تصريح «جيف مويل» الناطق باسم البنتاجون، ولكن معلومات الاستخبارات الروسية تفيد أن أكثر من نصف المدربين الأميركيين خبراء في «عمليات التخريب» وأن برنامج التدريب يتضمن تدريبات للجنود الجورجيين على عمليات التخريب في المدن والقرى المحيطة وفي مدن كبيرة أيضا، من المؤكد أن المقصود هنا مدن روسية، وهذا يعني أنهم لا يتدربون على الحرب في أفغانستان كما يدعون. من الواضح أن السياسة الأميركية في عهد الرئيس أوباما ستكون بوجهين، وجه يسعى لتحسين سمعة الولايات المتحدة وإظهارها كدولة مسالمة لا تسعى للحروب، بل تسعى لكسب ود واحترام الدول الأخرى، ووجه آخر خفي يسير على نهج محافظي الإدارة السابقة وتجار الحروب في الغرب الذين يسعون لإشعال الحروب والاضطرابات في أماكن مختلفة من العالم، وما التصميم على إرسال القوات الأميركية إلى أفغانستان ومنطقة القوقاز إلا تعبير واضح عن وجود هذا الاتجاه المتخفي في الإدارة الأميركية وفي أوساط صنع القرار هناك، ولهذا لا تستبعد موسكو اندلاع حرب جديدة في القوقاز وتعد لها من الآن الرد المناسب، ليس فقط على نظام ساكاشفيلي، بل أيضا على كل من يدعمه ويقف وراءه، وهذا ما ورد في تصريحات القادة الروس مرارا وتكرارا.
إضاءة
وصل إلى جورجيا في العشرين من أغسطس الماضي الفوج الأول من المدربين العسكريين الأميركيين من قوات المارينز ليشرفوا على تدريب قوات جورجية بحجة إعدادها للمشاركة في العمليات في أفغانستان، وذلك حسب تصريح «جيف مويل» الناطق باسم البنتاجون، ولكن معلومات الاستخبارات الروسية تفيد بأن أكثر من نصف المدربين الأميركيين هم خبراء في «عمليات التخريب» والبرنامج يتضمن تدريبات للجنود الجورجيين على عمليات التخريب في المدن والقرى.
د. مغازي البدراوي