في النصف الثاني من شهر سبتمبر.. تبدأ الجمعية العامة للأمم المتحدة اجتماعات دورتها الرابعة والستين التي تستغرق ـ كما يقضي بذلك ميثاق المنظمة الدولية ونظمها (لوائحها) الداخلية ـ فترة مطولة تبدأ من تاريخ الافتتاح في سبتمبر وحتى بداية الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر ـ قبيل إجازة عيد الميلاد الكريسماس بمقر المنظمة الدولية في نيويورك.

ويجدر القول بأن الأمم المتحدة تعقد دورتها الجديدة في غمار ظروف غير مسبوقة من الناحية الإجرائية ـ اللوجستية كما قد نسميها ـ وتتمثل أساسا فيما تم منذ صيف هذا العام ـ منتصف يوليو بالتحديد ـ من نقل إدارات ودوائر كاملة بالمنظمة الدولية من المقر التاريخي العتيد إلى حيث تم توزيع موظفيها وأجهزتها ومكاتبها على عدة مبان متناثرة هنا وهناك وسط ضاحية مانهاتن في قلب نيويورك. ورغم أن الأمم المتحدة قررت ـ فيما نعلم ـ أن تُبقي على مرافق اجتماعات الجمعية العامة في مبنى المقر المطل على نهر الإيست ـ إلا أن شروع المنظمة العالمية في إصلاح وترميم وتطوير المبنى التاريخي، وقد ظلت تشغله على مدار السنين الستين الماضية أي منذ منتصف الأربعينات، سوف ينطوي بداهة على عدة مشاكل واختناقات إجرائية وتنظيمية يواجهها مسير ومصير الدورة الرابعة والستين المرتقبة، التي لن يقل عدد رؤساء الدول المقرر أن يحضروها عن 50 رئيس دولة في المتوسط فضلا عن رؤساء الحكومات ووزراء الخارجية الذين يمثلون الدول أعضاء الأمم المتحدة وقد وصل عددها ـ حسب آخر إحصاء ـ إلى 192 دولة بالتمام والكمال.

فوق منبر الأمم المتحدة

المعروف أيضا أن الأعراف المرعية بين الأمم المتحدة وأميركا، تقضي أن يفتتح كل دورة للجمعية العامة رئيس الولايات المتحدة بوصفها البلد المضيف.. وهو ما يضفي على وقائع وفعاليات هذه الدورة بالذات رونقا مستجدا وأهمية مخصوصة باعتبار أن هذه هي المرة الأولى التي سوف يتوجه فيها رئيس أميركي جديد.. وهو مثقف ملّون شاب اسمه باراك حسين أوباما إلى نيويورك ـ عاصمة المال والأعمال والتفاعلات الدولية في أميركا، ثم يتخذ محل إقامته مع أكبر معاونيه ومستشاريه بين فندق والدورف استوريا الشهير في جادة لكسنغتون ـ مانهاتن وبين مقر البعثة الدائمة للولايات المتحدة القريبة من هذا المكان.. وهو ما يسبب بالطبع صداعا أمنيا لقوة الشرطة في نيويورك فضلا عن مهمة حراسة وتأمين ذلك العدد الضخم ـ كما أسلفنا ـ من رؤساء الدول والحكومات القادمين من مختلف أنحاء العالم.

في كل حال، يكاد محللو الشؤون الدولية يجمعون على أن ما سوف تشهده الفترة القريبة المقبلة من أيام سبتمبر إنما يهيئ الفرصة السانحة بحق أمام الرئيس أوباما كي يقدم نفسه وقد يطرح رؤيته إلى العالم كله ومن خلال سطور وعبارات خطابه المرتقب من فوق منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة.

صحيح أنه سبق للرئيس الأميركي أن خاطب أوروبا ـ الاتحاد الأوروبي الحليف لواشنطن من ألمانيا وانجلترا. وصحيح أن أوباما خاطب العالميْن الإسلامي والعربي من البرلمان التركي ثم من منصة جامعة القاهرة في الرابع من يونيو/ حزيران الماضي.. لكن الفرصة السانحة لمخاطبة العالم كله.. شعوبه.. أجياله.. همومه.. قضاياه فرصة فريدة وخاصة لسياسي يمسك بمقاليد بلد لا يزال يمثل موضوعيا القطب الأهم ـ الأوحد في العالم.. فيما لا يزال هذا القطب المحوري يواجه تحديات غاربة في ساحة العراق وتحديات متربصة وبالغة الشراسة في ساحة أفغانستان.

توقعات الخطاب المرتقب

من زاويتنا العربية القومية، لاتزال شعوب أمتنا تتوقع أن يتضمن خطاب أوباما في الأمم المتحدة طرح رؤية متكاملة، وحازمة أيضا إزاء منطقة الشرق الأوسط بشكل عام.. وقضية الصراع الفلسطيني ـ الصهيوني (الإسرائيلي) بشكل خاص.

صحيح أن الخطاب السياسي العام للرئيس أوباما سبق وألمح في سياقات شتى إلى الاعتراف بمعاناة الشعب الفلسطيني، لكن الصحيح أيضا أن هذه المعاناة مازالت مستمرة من ناحية بل إنها تتفاقم من ناحية أخرى بحكم استشراء ظاهرة أو آفة الاستيطان الاستعماري الصهيوني على حساب الأرض الفلسطينية (ولاسيما في القدس الشرقية بكل ما تحتويه من مقدسات ومعالم تاريخية يجلّها المسلمون والمسيحيون العرب على حد سواء).

وصحيح أيضا أن الرئيس أوباما كان قد صّرح خلال زيارة الرئيس المصري مبارك الأخيرة إلى واشنطون بأنه يلمَح «حركة في الاتجاه الصحيح» بالنسبة لقضية المستوطنات الإسرائيلية.. إلا أن تصريحات رئيس الوزراء الصهيوني نتانياهو في سياق زياراته الأخيرة لدول أوروبا الغربية تراوحت بين عوامل الغموض الباعث عمدا على الالتباس وبين طروحات استيطان استعماري يجمع بين توطيد وتثبيت سور العزل العنصري الذي يشق الأرض الفلسطينية المحتلة من جهة وبين الإمعان من جهة أخرى إلى حد الاستفزاز في توسيع إنشاء المستوطنات ـ المستعمرات التي من المفترض أو من المقرر أن يشغلها في مراحل شتى أشرس فئات من المستوطنين المتعصبين عرقيا وعقائديا: وبعضهم من النبت الشيطاني في تربة الكيان الصهيوني وبعضهم عناصر من شذاذ الآفاق المغامرين المجلوبين من وراء البحار.

ورغم أن تصريحات الرئيس الأميركي تحدثت عما سماه بخطوات إيجابية نحو التوصل إلى حلول لمشكلة المشاكل في الشرق الأوسط، إلا أن دوائر البيت الأبيض الأميركي تطرح بين الحين والحين مقولات تحض بها ما تصفه بأنه «الدول العربية المعتدلة» على اتخاذ خطوات توصف أحيانا بأنها إيجابية.. وأحيانا بأنها من خطوات بناء الثقة.. وأحيانا ـ وبصراحة مباشرة هذه المرة ـ بأنها تتمثل في زيادة وتوسيع آفاق التعاون الثقافي والتجاري ـ الاقتصادي.. بين إسرائيل وأطراف عربية رسمية شتى.

مشروع مارشال شرق أوسطي

والحاصل أيضا أنه رغم موجات التفاؤل الشديدة الحذر والتحفظ التي صاحبت زيارة الرئيس المصري الأخيرة إلى واشنطن.. ورغم التوقعات المرتقبة تفاؤلا بدورها لما سيرد ضمن خطاب أوباما أمام الدورة الجديدة للجمعية العامة للأمم المتحدة.. وهو تفاؤل قد نراه من باب التعلل بالأمنيات التي إن تسنح تكن أفضل المنى كما يقول الشاعر العربي القديم، فإن هناك دوائر وأوساطا يُعتد بها لم تعد ترى في الأمر، لا بوادر مشجعة ولا خطوات إيجابية ولا وعودا كفيلة بأن تضع الأطراف ذات الصلة على طريق الحل العادل لقضية ـ مأساة الاحتلال الإسرائيلي لوطن الشعب العربي الفلسطيني.

على سبيل المثال: فقد تابعت وسائل الإعلام البريطاني ملابسات ونتائج زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى العاصمة لندن ـ ومن ثم جولته التي شهدتها الأيام الأخيرة من شهر أغسطس في أنحاء القارة الأوروبية. وفي هذا الإطار أكدت جريدة «الاندبندنت» مثلا على أن تصرفات إسرائيل تعوق مسير الاقتصاد الفلسطيني مما يزيد بالطبع من معاناة الشعب الواقع تحت الاحتلال.

وبمناسبة هذه المعاناة الاقتصادية تنشر مجلة «وورلد بوليسي» المهتمة بالشؤون السياسية الدولية دراسة مهمة بقلم البروفيسور «نيكولاس ميلز» أستاذ العلوم السياسية بجامعات أميركا تدعو إلى ما تسميه بإطلاق «مشروع مارشال لصالح منطقة الشرق الأوسط» على غرار المشروع الشهير الذي حمل ـ كما هو معروف ـ اسم وزير خارجية أميركا جورج مارشال (1880 ـ 1959) وكان يقصد إلى تقديم الدعم المادي إلى أوروبا لإعادة إعمار ما كانت قد دمرته صراعات الحرب العالمية الثانية.. وكان من ثماره بالفعل أن نهضت أوروبا على أقدامها من جديد مع سنوات عقد الخمسينات، وتواصلت خطاها من الإعمار إلى الإنماء ومن التطوير إلى الممارسة الديمقراطية ومن هذا كله إلى السوق المشتركة.. ثم الجماعة الأوروبية ومن ثم إلى الكيان المتكامل والشديد الفعالية الذي يحمل حاليا اسم الاتحاد الأوروبي.

والدراسة التي نشير إليها تصدر عن منطلق إيجابي في التعامل مع الوضع في الشرق الأوسط، إذ يربط كاتبها بين المشاكل السياسية والأوضاع الاقتصادية في المنطقة..

ورغم أن الواقعية السياسية تدفع البروفيسور «ميلز» إلى الاعتراف بتواصل تأييد أميركا لإسرائيل بوصفه للأسف (أسفنا نحن أبناء المنطقة) من أولويات السياسة الأميركية لأسباب لا محل هنا للإسهاب بشأنها ـ إلا أن الدراسة الأميركية تقول بالحرف الواحد:

ليس من سبيل أن تستمر أميركا في إنفاق مبالغ لا أول لها ولا آخر من بنود المعونة الأجنبية على إسرائيل، ثم تتوقع أميركا أن تكسب ثقة (شعوب) الشرق الأوسط.

وتمضي الدراسة موضحة، أو محذّرة ـ من أن نجاح أي مشروع مستقبلي من هذا القبيل في منطقة الشرق الأوسط إنما يتوقف على إتباع واشنطون ذلك النموذج الذي سبقت إليه في التعامل مع أوروبا في إطار «مشروع مارشال» وليس الأسلوب الذي اتبعه «بول بريمر» في العراق (بعد الغزو الأميركي لها).

وتقصد الدراسة إلى أن الأسلوب الأول كان يقوم على أساس المساعدة وليس المنّ أو الأذى.. أساس التمويل وليس الوصاية.. حيث أمدت واشنطن حلفاءها الأوروبيين بالإمكانات المادية، وربما بالمشورة التقنية لإعادة الاعمار وإنعاش الاقتصاد وإعادة تدوير عجلة التنمية في أوروبا دون تدخل في شؤونها الداخلية، وعلى أساس أن أهل القارة الأوروبية أدرى بمصالحهم ومصالحها.. وهذا على عكس ما ينتقده المؤلف من إتباع بريمر ـ ممثل الاحتلال الأميركي عقب الغزو من أساليب الوصاية والهيمنة على مقاليد الأمور في بلاد الرافدين.

مطلوب احترام الإسلام

وبديهي أن الفرق كبير، بل شاسع بين مقاربة المشكلات في منطقة تعتز بتراثها الروحي والحضاري مثل المشرق والمغرب العربي من منطلق الاستعلاء، دع عنك التهجم على عقائد شعوبها وأساليب الحياة وأعراف السلوك التي ارتضوها لأنفسهم، وبين منطق الاحترام الواجب واللائق لهذه الشعوب ولعوائدها ورموزها والقيم الروحية والسلوكية التي اختارت إتباعها.

ويبدو أن ثمة تيارا إيجابيا بدأ يظهر في هذا السياق بالذات، وربما يرجع الفضل في ذلك إلى الرئيس أوباما شخصيا حين أعلن على الملأ احترامه لعقيدة الإسلام وكيان العروبة وهما قطبا الحياة في منطقة الشرق الأوسط.

في هذا الإطار أيضا نتابع المقالة المهمة التي نشرها مؤخرا «مايك موللن» رئيس أركان القوات المسلحة الأميركية (وهو حسب تقاليدهم العسكرية قائد الجيش) وقد نشرتها فصلية هيئة الأركان وفي سطورها يورد كاتبها ما وصفته الصحافة الأميركية انتقادا حادا لأسلوب تعامل دوائر الحكومة في أميركا مع العالم الإسلامي حيث يرى القائد العسكري الأميركي أنه أسلوب يشوبه الاستعلاء وعدم اللياقة والاستهانة بالطرف الآخر.. وهو ما يرى رئيس الأركان الأميركي أنه لن يفلح على الإطلاق في إقرار أي مصداقية للولايات المتحدة فيما وراء البحار مهما بذل القوم في مضمار العلاقات العامة أو الدعاية.

على جانب آخر .. نقرأ أيضا تصريحات «أندريه فوج راسموسين»، السكرتير العام الجديد لحلف شمال الأطلسي (ناتو) التي أصدرها مؤخرا في تركيا خلال حفل إفطار رمضاني حضره وقال فيه: أرجو أن تعتبروا وجودي اليوم في هذه المناسبة تعبيرا صادقا عن احترامي للإسلام بوصفه واحدا من أعظم الأديان في العالم.

إضاءة

رغم أن تصريحات الرئيس الأميركي تحدثت عما سماه بخطوات إيجابية نحو التوصل إلى حلول لمشكلة المشاكل في الشرق الأوسط، إلا أن دوائر البيت الأبيض الأميركي تطرح بين الحين والحين مقولات تحض بها ما تصفه بأنه «الدول العربية المعتدلة» على اتخاذ خطوات توصف أحيانا بأنها إيجابية.. وأحيانا بأنها من خطوات بناء الثقة.. وأحيانا ـ وبصراحة مباشرة هذه المرة ـ بأنها تتمثل في زيادة وتوسيع آفاق التعاون الثقافي والتجاري ـ الاقتصادي.. بين إسرائيل وأطراف عربية رسمية شتى

محمد الخولي