لسنوات طويلة تواصل الخلاف بين شطري حزب البعث في العراق وسوريا مما انعكس سلبا علي العلاقات بين البلدين العربيين الشقيقين المتجاورين أصحاب النهج السياسي الواحد، وظلت حالة من التربص والريبة تسيطر علي توجهات عاصمتي البلدين كل تجاه الأخرى.
وبسقوط النظام العراقي السابق برئاسة الرئيس الراحل صدام حسين اعتقد البعض أن تقاربا ما سيحدث بين دمشق وبغداد وأن جبل الجليد سيذوب شيئا فشيئا، إلا هذا لم يحدث واستمرت حالة الخصومة بين الطرفين لم تنته واستمرت اتهامات بغداد لدمشق بدعم الإرهابيين وعناصر القاعدة وإيواء المعارضين وإقامة معسكرات تدريب للمخربين والانتحاريين العرب والعراقيين حتى أضطرت الطائرات الأميركية لقصف ما يسمي قواعد تدريب الإرهابيين بالأراضي السورية.
ولكن أخيرا وبعد التقارب الملموس في العلاقات السورية الأميركية وفتح قنوات اتصال بين الجانبين، حدث تقارب مماثل في المسار السوري العراقي وبدأ جبل الجليد بين الطرفين يذوب وفتحت قنوات الاتصال الدبلوماسي والاقتصادي والأمني وتم تكليل ذلك بتبادل السفراء بينهما، ثم كانت رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لدمشق مهدت الأجواء لما أعلن عنه من تعاون استراتيجي بين البلدين، الأمر الذي لم يصمد 48 ساعة عندما ضربت بغداد عددا من التفجيرات الإرهابية وبادرت الحكومة العراقية باتهام دمشق بالوقوف ورائها وإيواء المخططين لها لتعود العلاقات من جديد إلى حالة شديدة التأزم.
أهداف عراقية
يري الدكتور جمال عبد الجواد مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن الحكومة العراقية تحاول استغلال المرحلة الحالية في تحقيق أكثر من هدف في وقت واحد، أما الهدف الأول فيتمثل في تحقيق الضغط على سوريا لتقليل دعمها واستقبالها لجماعات المعارضة العراقية الموجودة في سوريا وتنطلق منها في مواجهة النظام العراقي، وقد نجحت الحكومة العراقية في الاستفادة من واستغلال أحداث الأربعاء الدامي في تحقيق هدفها على المستوى البعيد. وتابع: «أما بالنسبة للهدف الثاني فهو يتمثل في أن هناك بعض الجماعات المناوئة للنظام العراقي في سوريا فإذا ما نجحت الضغوط العراقية في استعادة جزء من هذه الجماعات فإنه يعد نجاحا يحسب لحكومة نوري المالكي». وأضاف عبد الجواد: أن إقدام العراق على الانتخابات ونشأة تحالفات وحل تحالفات أخرى ووجود دعوات بدخول البعثيين والقوميين في تحالفات لخوض الانتخابات كل ذلك يجعل مما يحدث ورقة تتحرك بها الحكومة العراقية والتحالفات العراقية المختلفة خاصة وأن هذه التحالفات جزء منها مرتبط بالخارج وما يحدث بين العراق وسوريا الآن هو جزء لا يتجزأ من الاستعدادات والحسابات الانتخابية في العراق.
وأوضح أن العلاقة بين سوريا والعراق تسير طوال الوقت في مسارات متعرجة ويكفي الإشارة إلى أنه قبل يومين من أحداث الأربعاء الدامي في العراق كان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في زيارة لسوريا وتم خلال الزيارة التوقيع علي اتفاق للتعاون الاستراتيجي بين البلدين ثم حدث ما حدث يوم الأربعاء الدامي وتبعه السيناريو الدامي من تأزم العلاقات بين البلدين والعودة من جديد إلى نقطة «الصفر».
وأعرب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية عن اعتقاده بأن الوضع بين بغداد ودمشق لا يمكن أن يتجه للمزيد من التصعيد خاصة في ظل وجود وساطة تركية إيرانية، كما أنه مستبعدا في ظل حرص دمشق على التقارب مع واشنطن وعدم تشويه هذا التقارب أو التأثير عليه بالتصعيد مع العراق، كما أن العراق وهو دولة مخترقة حاليا أمنيا وعسكريا وسياسيا لا يمكن أن تتجه هي الأخرى نحو التصعيد مع سوريا.
الوساطات والمصالحة
وحول إمكانية نجاح الوساطات المختلفة في تحقيق المصالحة ما بين سوريا والعراق، قال:أنا لا أقول مصالحة وإنما يمكن تحقيق تهدئة بين الجانبين بعد تحقيق بعض الأهداف السياسية للأطراف المختلفة وخاصة العراق الذي أعطته أحداث الأربعاء الدامي قوة ودفعة للحصول علي مكاسب من سوريا خاصة فيما يتعلق بالجماعات العراقية المعارضة هناك والدعم السوري للمعارضة العراقية. وحول غياب الدور العربي في تخفيف حدة التوتر بين البلدين لصالح تركيا وإيران قال الدكتور جمال عبد الجواد هناك اهتمام من جامعة الدول العربية، ولكن تركيا وإيران لديهما ميزة قربهما من الدولتين ولديهما علاقات قوية وطيبة مع كل من سوريا والعراق على حد سواء، أما في العالم العربي فهناك أصدقاء للعراق وخصوم، وهناك أصدقاء لسوريا وخصوم، ولذلك فلا يوجد من يمتلك علاقات قوية مع الطرفين بما يمكنه من التدخل الفاعل، وهذا يفسر عدم تحمس أي من الدول العربية للتدخل لحل الوضع المتأزم بين البلدين الجارين الشقيقين العربيين.
سوريا وتفجيرات العراق
أما السفير محمود شكري سفير مصر السابق في سوريا فيؤكد على استبعاده تماما لفكرة قيام سوريا بالوقوف وراء تفجيرات الأربعاء الدامي أو الضلوع فيها، مشيرا إلى أنه من خلال معرفته بنظام الحكم في سوريا وطبيعة العلاقات التي تحكم مؤسساته فإن قرارا بمثل هذه التفجيرات لابد وأن تتم بقرار على أعلى مستوى ولا يمكن تنفيذها إلا بقرار رئاسي ولا يمكن تصور أن تكون هذه لعبة من المخابرات السورية مثلا بتصرف فردي دون الرجوع لرئيس الجمهورية.
وأضاف: أن المناخ الذي سبق تنفيذ التفجيرات الدامية في بغداد والأجواء الحميمية التي أحاطت بزيارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في يوم 18 أغسطس الماضي والتي تم خلالها التوقيع على اتفاقية للتعاون الاستراتيجي بين البلدين قبل يوم واحد من يوم الأربعاء الدامي، بالإضافة إلى الزخم الذي يشهده الحوار السوري الأميركي والتقارب بينهما بعد سنوات جفاء يجعل من الصعب تصور إقدام النظام السوري على التورط في مثل هذه الأحداث.
وتابع: أن حساب الأرباح والخسائر يجعل من الغباء السياسي قيام سوريا بمثل هذه الأعمال وهو أمر مستبعد من القائمين على النظام السوري سواء كان الحالي أو حتى السابق، خاصة في ظل التقارب السوري الأميركي ووجود رسائل إيجابية من جانب الرئيس الأميركي باراك أوباما للتقارب مع سوريا وسعيه لتحريك المسار السوري في العملية السلمية باعتباره أقل تعقيدا عن المسار الفلسطيني الإسرائيلي في حال ما إذا استمر تعقد الوضع الفلسطيني على أمل تحقيق نجاح ما في العملية السلمية، الأمر الذي سينعكس سلبا بلا شك على القضية الفلسطينية، ولكن المهم أن دمشق لا يمكن أن تغامر بالتقدم الذي حدث على مسار علاقاتها بالولايات المتحدة وما يمكن أن يترتب على ذلك من تقدم في استعادتها لأراضيها المحتلة من أجل عملية بلا أية نتائج وغير محسوبة العواقب.
الدور العربي الغائب
وفيما يتعلق بغياب الدور العربي الفاعل في تحقيق المصالحة السورية العراقية، أكد شكري أن غياب الدور العربي هو أمر سيئ للغاية، بعد أن أصبحت مشاكلنا تحل من خارج منطقتنا العربية وأصبحت تركيا هي اللاعب الأساسي والرئيس في حل جميع القضايا والأزمات. ولفت إلى أنه بعد التصعيد السوري والعراقي أصبح غير مقتنع بأن اجتماع وزراء الخارجية العرب يمكن أن يسفر عن شيء خاصة وأن العراق لجأ للتهديد وسوريا اختارت التصعيد.
وحول دعوة العراق لتدويل المسألة وتشكيل لجنة تحقيق دولية للتحقيق في الأحداث، قال شكري: هذا الأمر سيعرض على مجلس الأمن ويأخذ مساره الرسمي حيث يشترط موافقة 9 دول من أعضاء المجلس لعرضه على المجلس ومناقشته والتصويت عليه واتخاذ ما يلزم في هذا الشأن، معربا عن اعتقاده بأنه ليس من السهل المضي في هذا الطريق خاصة وأن المناخ في الداخل العراقي يسمح بمناوشات عراقية ـ عراقية. وقال: ما حدث يوم الأربعاء الدامي هو موجه بالأساس إلى شخص نوري المالكي حتى لا يستغل ورقة الأمن في التلويح بها كورقة انتخابية خلال الانتخابات المقبلة باعتباره نجح في تحقيق الأمن للمواطن بعد الانسحاب الأميركي من العراق وقتا للاتفاقية الأمنية».
في المقابل أكد السفير أحمد بن حلي نائب الأمين العام لجامعة الدول العربية حرص الجامعة على استمرار العلاقات الأخوية بين العراق وسوريا بإعتبارهما من الدول العربية الكبرى والمؤثرة واللتان تمثلان إضافة للمجموع العربي، مشيرا إلى أن الأمين العام للجامعة السيد عمرو موسى أجرى اتصالات حثيثة مع الأطراف المختلفة للوقوف على حقيقة الأحداث ومواقف الطرفين العراقي والسوري، كما التقى بوزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو للتعرف على نتائج الاتصالات التي أجراها مع الطرفين.
وأَضاف: أن العلاقات السورية العراقية ستكون في مقدمة جدول أعمال وزراء الخارجية العرب المقرر عقده بالقاهرة يومي الأربعاء والخميس القادمين وستكون هناك فرصة للتعرف عن وجهات نظر الطرفين مباشرة ومحاولة التقريب بينهما.
إضاءة
أعرب الدكتور جمال عبد الجواد مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية عن اعتقاده بأن الوضع بين بغداد ودمشق لا يمكن أن يتجه للمزيد من التصعيد خاصة في ظل وجود وساطة تركية إيرانية، كما أنه مستبعدا في ظل حرص دمشق على التقارب مع واشنطن وعدم تشويه هذا التقارب أو التأثير عليه بالتصعيد مع العراق، كما أن العراق وهو دولة مخترقة حاليا أمنيا وعسكريا وسياسيا لا يمكن أن تتجه هي الأخرى نحو التصعيد مع سوريا
القاهرة - «البيان»