ثلاثتهم أكلتهم الغربة داخل الوطن وخارجه، فرحلوا في صمت دون جلبة، لم يحضر جنازتهم مسؤول رسمي ولم يجبر رحيلهم الفضائيات على العصف بخريطة برامجها تملقا وتزلفا، ولم تلف نعوشهم بالعلم الوطني، فقد كانوا يطاولون السحاب.. لكنهم كأصداف البحر التي تحمل الدر، دوما ما تفضل الأعماق.

حسني أبو اليزيد، وسيد زهران، ومحمود عوض.. كل منهم مثل جزءا مهما من الضمير المصري العام وثلاثتهم ظل ملازما لصخرة سيزيف.. لا يهمه كثيرا إن كان عمله هذا يضعه تحت الأضواء أو في أعماق الظلمات.. يجلب له الرضا أم الغضب، يعود عليه بالمنفعة أم يحرق الأرض تحت قدميه، فالكلمة لديهم تحمل قدسية رسالة، لذلك قالوا كلمتهم ومشوا.

أبو اليزيد.. هرب ذات يوم تحت جنح الظلام من بلده التي عشقها أكثر من نور عينيه، بعد أيام على صدور كتابه «من قتل السادات»، فقد شاء له قدره أن يجد نفسه في قلب الأحداث يوم 6 أكتوبر 1981 إذ أن خالد الاسلامبولي قاتل الرئيس المصري لم يكن يومها غير ابن خالته وصديقه المقرب، ومن ثم فقد وجد تحت يده كنزا معلوماتيا يحل كل ألغاز الاغتيال، وحين وجد نفسه مطلوبا لعدة جهات بتهمة قول الحقيقة خرج ولم يعد إلا بعد 7 سنوات حيث كانت أشياء كثيرة تغيرت، لكن ذلك لم يمنع من محاربته صحافيا وناشرا، حتى قرر ذات يوم أن يهجر كل ذلك فافتتح مزرعة وعاد لمهنة أجداده الأولى.. ففي الزراعة وعمارة الأرض لا مكان للأكاذيب.

أما زهران فكان زهرة في زمن لا يعترف بغير الأشواك، في أحاسيسه وتعاملاته ومشاعره وكتاباته وهمومه كان محبا وحنونا وصامتا، يطأ الأرض هونا ويحب أن يكون جنديا مجهولا لا يدري أحد بما فعل ولا لماذا فعل؟ خرج من تيار سياسي تطهري كان يريد أن يعود بمصر لزمن أمجادها فأكلته مثل قطة تأكل أبناءها.. في مرضه الأخير كنا نجزع من هول ما يعانيه جسده النحيف، فيخرج لنا من جرابه الصبر كي نتزود ونتقوى.

ورحل محمود عوض هو الآخر.. ومصر تعطيه ظهرها.. ذلك أنها لم تحتمل حرارة صدق كلماته، وبدل الألوف المؤلفة التي تخرج في جنازات عمر مكرم وراء موتى لا سابق معرفة بهم، لم يكن في جنازة محمود عوض، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس يوما، غير أناس يعدون على أصابع اليدين. سلام عليهم يوم ماتوا.

magdishendi@hotmail.com