بلد مسلم آخر هو العراق.. كأنه مكتوب عليه وهو ذو أصل وتاريخ وحضارة وثروة.. أن يعيش تعيسا منكوبا مبتلى بشرور الآخرين التي تستنزف قواه وتخرب بنيانه وتستبيح أرضه وتحرمه من متع الحياة الكريمة وتلقي به في مستنقع التخلف. العراق..
مهد الحضارات الإنسانية على امتداد ثمانية آلاف عام.. المتخم بثروة تقدر بـ 115 مليار برميل من النفط.. يعيش مكبلا بقيود الأميركيين الذين وطأت أقدامهم أرضه زاعمين أنهم أتوا فاتحين حاملين ألوية الحرية والديمقراطية والرخاء.. فانتظر العراقيون شهورا وسنوات عسى أن يتحقق ما جاء من أجله الغزاة.. ولكن لم يحصد أبناء الرافدين سوى المرارة والمعاناة والحرمان من الأمن والاستقرار.
ما أن يستبشر العراقيون وحكومتهم خيرا بانقطاع العنف لأيام، حتى تسيل من جديد دماء أبرياء بفعل المتفجرات والمفخخات. مليون قتيل سقطوا في العراق. ولم يبالغ الصحفي البريطاني المرموق روبرت فيسك، حيث قال إنه صار من السهل صُنع أيتام في العراق ومن الصعب احتضانهم والتخفيف عنهم. فقد يكون المرء انتحاريا يفجر نفسه وسط سوق مكتظ، أو أن يكون ربان طائرة حربية أميركية يقصف البيت الخطأ في القرية الخطأ. وقد يكون مرتزقا غربيا، يطلق أكثر من أربعين رصاصة على أم لثلاث فتيات وهو ما حدث لأم عراقية..
أطلق عليها النار، مستخدمو شركة أمن خاصة استرالية بعد أن اقتربت بسيارتها من دورية عسكرية في بغداد.
حصاد الغزو لا حصر له.. بدءا من طوفان النزوح من الديار حتى صار خارج البلاد أربعة ملايين لاجئ، ومرورا بتجريد الوطن من جيشه تحت ذريعة أنه كان درعا وذراعا يبطش به نظام ما قبل العدوان.. ثم جرائم أبو غريب البشعة، ومسلسل نهب الثروة في ظل الفوضى الأمنية التي لا يمكن لأحد أن ينكر أنها قد تلاشت بغير رجعة. هل ينكر أحد ما قاله ذات مرة رئيس هيئة الادعاء العام العراقي القاضي غضنفر الجاسم عن التحقيق في 1066 قضية فساد مالي مشيرا إلى أن مبالغ عمليات الفساد في العراق وصلت إلى 80 مليار دولار؟
هذا بعض مما حصده شعب الرافدين العريق من براثن غزو يتوارى الآن عن الأنظار خارج مدن العراق، ولكن أقدامه راسخة داخل قواعد محصنة. وخادع من يزعم أنه سيحمل عصاه ويرحل. لقد أتى ليكون على مقربة من ثروات العراق إن لم يكن قد وضع يداه عليها.