تشهد العلاقات الإسرائيلية ـ السويدية أزمة سياسية كبيرة هذه الأيام، بسبب احتجاج إسرائيل على مقالة نشرها دونالد بوستروم (صحافي سويدي)، في صحيفة «افتونبلدت» السويدية (17/8)، والتي وجه فيها اتهامات مبطنة إلى إسرائيل بشأن قيامها باقتطاع اعضاء حيوية لفلسطينيين، اختطفتهم وقتلتهم، للمتاجرة بها؛ مستندا في ذلك إلى شهادات عائلات ضحايا من الفلسطينيين؛ وذكرت هذه المقالة بفضيحة اكتشاف شبكة يهودية في مدينة نيوجرسي الأميركية اتهمت بالمتاجرة بالأعضاء البشرية (يوليو الماضي).
ورغم أن إسرائيل تصادر وتتاجر بالشعب الفلسطيني كله، بأرضه وحياته ومستقبله، إلا أنها لم تتحمل مجرد مقالة صحفية، وتحدثت عن وقاحة السويدي الذي تجرأ عليها.
وفي ذلك تجاهلت إسرائيل وقاحتها وغطرستها وطغيانها أمام العالم، منذ عقود من الزمن، والمتضمنة عمليات تقتيل وتدمير وإلغاء للفلسطينيين، واستمرار احتلالها وسيطرتها على شعب أخر بوسائل القوة، ورفضها الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، وممارسة التمييز العنصري ضده، مع كل أفانين الحصار (وضمن ذلك الحصار المشدد على قطاع غزة)، واستخدام الأسلحة المحرمة دوليا لإرهابه وتطويعه.
المهم هنا دلالة قيامة إسرائيل قامت على الصحافي والصحيفة وعلى السويد وحكومتها وشعبها، فإسرائيل تعتبر نفسها قيمة عليا فوق كل القيم، وفوق كل محاسبة، وهي ترى نفسها فوق النقد، وأي نقد يوجه إليها إنما هو نقد مشبوه، ولا سامي!
المطالبة بالشجب!
في هذا الإطار طالبت إسرائيل من كارل بلديت وزير الخارجية السويدي بأن تقوم حكومته بشجب المقالة المذكورة بشكل علني وقاطع. وبديهي أن يرفض بلدا مثل السويد يحترم سيادته، ويحترم حق مواطنيه في الرأي والتعبير، هذا المطلب الشاذ. وهكذا اكتفى وزير خارجية السويد بشجب اللا سامية، مع تأكيد تعزيز العلاقات بين السويد وإسرائيل؛ وهي نتيجة لم تعجب إسرائيل المتغطرسة بطبيعة الحال. ويبدو أن هذا الرد أغضب افيغدور ليبرمان وزير الخارجية (الذي كان دعي إلى قصف السد العالي في مصر سابقا)، معتبر أن السويديين «الوقحين» يستخدمون حرية التعبير كورقة تين. (يديعوت أحرونوت 23/8) على أية حال، ورغم الإجماع بين الإسرائيليين على رفض هذه التهمة والتنديد بها، فقد أدت هذه الحادثة إلى مجادلات حادة بينهم. فمنهم من رأى بأن «رد فعل ليبرمان الحماسي والديماغوجي ألحق ضررا بإسرائيل. وجعل التقرير حادثة دولية..ودفع السويد الرئيس الدوري للاتحاد الأوروبي إلى مواجهة زائدة مع إسرائيل..» (افتتاحية هآرتس 23/8) واعتبر بن درور يميني طلب الاعتذار طلبا «غبيا زائدا، يتناسب والأئمة وليس من لديه فهم في السلوك الديمقراطي». (معاريف 23/8) ووصف ناحوم برنيع حملة الحكومة الإسرائيلية ضد السويد بأنها حملة هابطة وسخيفة تبرهن مرة أخرى على أن وزير الخارجية في حكومة نتانياهو يفكر فقط بمصالحه الداخلية واحتياجاتها.
إن أغلبية وزراء الحكومة، ومن بينهم رئيس الوزراء والأشد من ذلك بلاء أغلبية وسائل الإعلام الإسرائيلية، انجروا وراء هذه الحملة. (يديعوت أحرونوت ـ 824). واجمع كثيرون على أن ليبرمان يظن نفسه مازال في دولة شمولية تصادر حرية الصحافة (الإشارة إلى أصله كمهاجر روسي).
تغذية الإنتقادات
لكن ناحوم برنيع رأى، أيضا، بأن وجهات النظر المناوئة لإسرائيل، في الغرب، إنما تتغذى من الانتقادات الموجهة لها إزاء سياساتها في الأراضي المحتلة ومن التأثير المتزايد للمسلمين في غرب أوروبا. عموما تلك ليست هي المرة الأولى التي تواجه فيها إسرائيل عاصفة نقدية في وجهها، بسبب سياساتها الاستعمارية والعنصرية ضد الفلسطينيين، فهذه الدولة التي تعتبر نفسها جزءا من الغرب، باتت أكثر دولة يحرص الغرب على انتقادها واعتبارها عبئا أخلاقيا وسياسيا وأمنيا عليه.
ففي أوروبا عموماً لم تعد النظرة إلى إسرائيل تتأسّس على كونها واحة للديمقراطية والحداثة في «صحراء» الشرق الأوسط، ولم تعد تظهر باعتبارها ضحية، إذ أن هذه الدعايات استهلكت وبدلاً منها ظهرت إسرائيل على حقيقتها باعتبارها دولة استعمارية وعنصرية خارجة عن القانون وتستخدم القوة للسيطرة على شعب أخر، وباعتبارها عاملا من عوامل التحريض على ما يسمى «صراع الحضارات»، وسببا من أسباب تأجّج المشاعر العدائية ضد الغرب، وإثارة القلاقل والاضطرابات، في هذه المنطقة الإستراتيجية من العالم.
وبرغم أن إسرائيل تعتبر نفسها مدينة لأوروبا في نشوئها واستقرارها إلا أن ردة فعلها، على هذه التوجهات الأوروبية، اتسمت بالتوتر والعجرفة ونكران الجميل، فهي أولاً، رفضت أي دور سياسي لأوروبا في عملية التسوية وفي مجمل الترتيبات الإقليمية الشرق أوسطية؛ وثانيا، عملت على تسعير الخلافات الأوروبية ـ
الأميركية لاسيما المتعلقة بشؤون المنطقة العربية؛ وثالثا، تعمدت اتهام الأوساط الأوروبية المعارضة لها باللا سامية، لمجرد أن هذه الأوساط عارضت السياسات التي تنتهجها ضد الفلسطينيين، والقائمة على الاحتلال والعنصرية والإرهاب.
إضاءة
ما زالت تداعيات هذه القضية تتوالي فصولا، في المجالين السياسي والقانوني أيضا. وربما أن هذه الضجة بشأن المقالة الغرض منها صدّ الضغوطات الأوروبية على إسرائيل بشأن وقف الاستيطان وإنهاء السيطرة على الفلسطينيين، وإظهار إسرائيل بمكانة الضحية، والتلويح بشبح «اللا سامية» الأثير في الدعاية الصهيونية.