أعاد تجدد المواجهات بين المتمردين الحوثيين في شمال البلاد وبين القوات الحكومية بعد مضي سنة على توقفها طرح هذه المشكلة مجددا بكل تعقيداتها وتحدياتها التي ما انفكت تبرز على أكثر من مستوى.
سياسيا رغم مضي أكثر من خمس سنوات على اندلاع المواجهات مع المتمردين لايزال الغموض يكتنف هذه القضية من جهة ويلقي بظلاله على مواقف الفاعلين السياسيين منها من جهة أخرى لاسيما المعارضة الممثلة بأحزاب اللقاء المشترك. ورغم كل المحاولات الرامية إلى تحليل الظاهرة واستجلاء أهدافها السياسية غير أن ذلك يبدو عصيا على المراقبين وحتى السياسيين. فالسلطة تتهم المعارضة بأنها منحازة للمتمردين. وعبر رئيس الدائرة الإعلامية في المؤتمر الشعبي العام «الحزب الحاكم» طارق الشامي عن أسفه لموقف أحزاب اللقاء المشترك التي قال إنها لم تتبن أي موقف وطني مسؤول من أعمال التخريب والتمرد في صعدة، مشيراً إلى أن تلك الأحزاب تطلق تبريرات للتغطية على أعمال التخريب لا يمكن أن يطلقها حزب يمكن وصفه بأنه حزب وطني.
ودرجت أحزاب المعارضة ممثلة بأحزاب اللقاء المشترك مع كل تجدد للمعارك منذ اندلاع المواجهات عام 2004 على الدعوة إلى وقف القتال والاحتكام للدستور والقانون مما عد محاباة وتعاطفا مع المتمردين.
وفي رده على وصف موقف المعارضة بالمحابي قال السياسي المعروف وعضو المجلس الأعلى للقاء المشترك لـ «البيان» هذا كلام غير صحيح لأن الحوثي تحابيه السلطة والذين يدعمونه هم في السلطة، وهم من ذهبوا به إلى إيران وهي التي زودته بالسلاح، ونحن ضد الحروب الأهلية ولا يوجد أحزاب في الدنيا تدعو إلى الحروب لأن العمل السلمي الديمقراطي من مهام عملها واللجوء للأساليب الديمقراطية هو جوهر نشاطها».
وخلص الصبري إلى تجديد دعوته لوقف القتال بقوله «نحن في المشترك ندعو الطرفين المتقاتلين إلى أن يكفوا عن القتال وان يحتكموا للدستور والقانون ويحلوا المشكلة في الإطار الداخلي بشكل سريع قبل أن يدخل فيها أطراف إقليمية ويخرج الحل من أيدي اليمنيين».
تناقضات موقف المعارضة
وعلى ما يبدو فإن هذا الموقف لأحزاب المعارضة التقليدية كان مدعاة إلى نعته بأنه موقف ملتبس يكتنفه الغموض في نظر العديد من المراقبين وفي قراءته لموقف المعارضة من تمرد الحوثيين قال المحلل السياسي نجيب غلاب لـ «البيان»: المشكلة أن مواقف المعارضة المنضوية في إطار اللقاء المشترك من الظاهرة الحوثية تأتي غير متوافقة مع مصالح ومنطلقات تلك الأحزاب على الأمدين المتوسط والبعيد بسبب تناقضت مكوناته.
والملاحظ أن المواقف المتواترة للتكتل تجاه هذه المسألة منذ الحرب الأولى عام 2004 تميل إلى ترجيح الحسابات الآنية القائمة على إرضاء بعض مكوناته خشية انفراط عقد التحالف والرهان على إضعاف الدولة ويوضح غلاب ذلك بقوله: الإصلاح على مستوى قواعده هو مع القضاء على الحوثيين نتيجة لتضاد مشروعاتهم الأيديولوجية والسياسية، لكنهم لا يصرحون بذلك علانية لأن قيادتهم لها حساباتها الخاصة وهي إضعاف الدولة ولديها ثأر سياسي معها، وهم يسعون إلى إضعاف الدولة على أمل أن تسقط ثمرة السلطة في أيديهم باعتبار حزبهم هو الأقوى داخل المعارضة.
في المقابل هناك حزب الحق واتحاد القوى الشعبية المنضويان في إطار اللقاء المشترك أيضا تجمعهم بالحوثيين قواسم مشتركة ولذلك فهم لا يخفون تأييدهم للحوثيين ضد الدولة فيما الحزب الاشتراكي همه الأساسي إنهاك الدولة كنوع من تصفية الحسابات السياسية، ولذلك فمكونات المشترك المتناقضة فيما بينها أيديولوجيا توحدها حساباتها الآنية القائمة على إرضاء مكوناته مما يؤثر على طبيعة المواقف التي تكاد تلتقي على عدائها للدولة الأمر الذي لا يترك لهم مجالا للالتفات إلى مخاطر إضعاف الدولة وإنهاكها وما يترتب على ذلك من انعكاسات مستقبلية خطيرة لاسيما على الأمدين المتوسط والبعيد جراء إضعاف سلطات الدولة التي لها وحدها مشروعية استخدام العنف ضد الخارجين عن سلطاتها وعن النظام والقانون.
من جهته يرى المحلل والكاتب السياسي في وكالة سبأ للأنباء سقاف السقاف «أن موقف المعارضة من الحرب في صعدة ظل غامضاً وملتبساً منذ اندلاع الحرب الأولى العام 2004، ولم يكن هناك موقف صريح وواضح طوال السنوات الماضية من هذه الحرب، وقد عزت المعارضة في أكثر من تصريح هذا الموقف الملتبس إلى قلة المعلومات فيما يتعلق بالحرب في صعدة، وأنها تجهل أسباب الحرب وتفاصيلها، وأن الحكومة تتعمد حجب المعلومات عن المعارضة.
ويستطرد سقاف قائلا: لكن الأمر اللافت للنظر بهذا الخصوص هو أن هناك أطرافا وقيادات سياسية داخل اللقاء المشترك نفسه تطالب هي الأخرى بضرورة وجود موقف واضح وصريح للمعارضة من حرب صعدة، حيث طالب عضو اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني علي الصراري قيادة اللقاء المشترك بضرورة تحديد موقف من أحداث صعدة لا يحتمل الالتباس، لأن الساحة بحاجة ماسة إلى دعوة واضحة لإيقاف الحرب. وقال لا نريد أن يكون الحديث عن أحداث صعدة مفتعلاً.
وضع شديد التعقيد
يحيى الشامي عضو اللجنة المركزية في الحزب الاشتراكي اليمني أنتقد بدوره المعارضة وقال أنها باستمرار تتحدث بلغة المحاذير والمخاوف عن حرب صعدة. ودعا أحزاب تكتل المعارضة إلى القيام برصد ما حصل من تداعيات للحرب مثل تداعيات المذهبية والطائفية. وانتقد في ذات الوقت عدم تصدّر وسائل إعلام أحزاب اللقاء المشترك المعارض لمثل تلك التداعيات، ووصف الوضع الدائر في صعدة بأنه شديد التعقيد.
لا يبدو أن الأمر يقتصر فقط على الغموض السياسي بل إن هذه الحرب منذ اندلاعها محاطة بغموض اجتماعي فالقبيلة التي ظل لها القول الفصل في تقرير المسائل المحلية في المنطقة ليس لها أي تأثير يذكر على مجريات الأمور والسؤال الذي بات يفرض نفسه بقوة بحثا عن إجابة شافية هو: لماذا تراجع القول الفصل للقبيلة اليمنية في صعدة المعروفة بتماسكها القوي مقابل تزايد قوة ونفوذ الحوثيين؟
وتشير كافة الدلائل إلى أن الحوثيين باتوا وكأنهم يحتكرون ليس فقط المشهد الديني والثقافي وإنما أيضا يسيطرون على المشهد الاجتماعي والسياسي، ومنذ اندلاع أولى المواجهات مع القوات الحكومية منتصف العام 2004 والحوثيون يتصدرون ويحتكرون مجمل مكونات المشهد الاجتماعي والديني والسياسي ولهم القول الفصل في القضايا المحلية إلى الحد الذي أقصى المجتمع المحلي عن أي حضور سواء من أجل فرض تصوره لما يحكي مصالحه أو في أن يلعب دور الوسيط بين طرفي الصراع.
استقطاب القبائل
ويرجع المراقبون غياب الدور القبلي إلى عدة عوامل أهمها ما يقدمه الحوثيون من أموال سخية لرجال القبائل النافذين إما على شكل رواتب لهم أو للمنخرطين معهم في مشروعهم الجهادي وإما بتقديم العتاد والسلاح لهم وهناك من يفسر الصمت القبلي بتماسك دعوتهم المذهبية والثقافية والأيديولوجية وقدرتها الإقناعية على شحذ الهمم خاصة في مجتمع تغلب عليه الأمية وتهيمن فيه العادات والتقاليد الاجتماعية شديدة المحافظة التي تلتقي مع أي دعوة للمثل الدينية التي تبشر بها مثل تلك الدعوات، إلا أن هناك من يرى غير ذلك ويعزو غياب المكون القبلي إلى الخوف من سطوة الحوثيين وترويعهم للسكان مستدلين بذلك على القسوة التي ينتهجونها ضد خصومهم.
فالطائفة اليهودية التي تعيش في المنطقة من آلاف السنين لم تتعرض لأي أذي لكنهم تعرضوا لأول مرة على يد الحوثيين للتهديد بالقتل والطرد من موطنهم التاريخي «آل سالم» في منطقة صعدة من قبل المتمردين وانتهى الأمر بترحيلهم إلى العاصمة صنعاء وإيوائهم في المدينة السياحية.
غير أن مثل تلك الأهداف تواجه تحديات جمة منها أن المجاميع القبلية في منطقة الصراع ترى في حضور الدولة لاسيما بمؤسستها العسكرية إقصاء لنفوذها المحلي وتحد لسلطاتهم في الحاضر وكسرا لشوكتهم في المستقبل نتيجة للصورة التي تكرست في أذهانهم عن الدولة وأجهزتها وهي صورة بالغة القتامة كرسها الغياب شبه الكلي لعملية الضبط والمراقبة من ناحية وتواضع الحضور التنموي من جهة أخرى مما يطرح على الحكومة تحديات اقتصادية وسياسية واجتماعية لا تقل أهمية عن التحديات العسكرية التي تواجههم.
إضاءة
ويرجع المراقبون غياب الدور القبلي إلى عدة عوامل أهمها ما يقدمه الحوثيون من أموال سخية لرجال القبائل النافذين إما على شكل رواتب لهم أو للمنخرطين معهم في مشروعهم الجهادي وإما بتقديم العتاد والسلاح لهم وهناك من يفسر الصمت القبلي بتماسك دعوتهم المذهبية والثقافية والأيديولوجية وقدرتها الإقناعية على شحذ الهمم خاصة في مجتمع تغلب عليه الأمية وتهيمن فيه العادات والتقاليد الاجتماعية شديدة المحافظة التي تلتقي مع أي دعوة للمثل الدينية التي تبشر بها مثل تلك الدعوات، إلا أن هناك من يرى غير ذلك ويعزو غياب المكون القبلي إلى الخوف من سطوة الحوثيين وترويعهم للسكان.
صنعاء ـ عبد الكريم سلام