ماذا يجري في صعدة؟ من الصعوبة بمكان الإجابة على مثل هذا السؤال عطفاً على معطيات اللحظة الراهنة وما تحمله من أبعاد مستقبلية، ذلك أن ما يجري في صعدة ترجمة أخرى لمقدمات تتموضع في التاريخ اليمني المعاصر، وتنطلق من منصة سابقة على الحدث، الأمر الذي يستدعي منهجياً استعادة وامضة لبعض تلك المقدمات حتى يكون القارئ في صورة الحقيقة الموضوعية وما يمكنها ان تُسفر عنه من نتائج، ولهذا سنعود قليلاً إلى الوراء لنكتشّف على بعض أوجه التاريخ السياسي المعاصر لليمن، بالترابط مع ما يجري في صعدة.
الزيدية والحاكمية
من المعروف أن اليمن المعاصر كان مكوناً من شطرين.. الشطر الشمالي الذي أُدير بحاكمية تاريخية تستدعي الفكر الإمامي الزيدي، وآخر محطاتها التاريخية حكم الإمام أحمد بن يحي حميد الدين الذي ورث الإمامة والمُلك عن أبيه الإمام يحي حميد الدين الذي مات في حادث اغتيال شهير، ومثّل ذلك الحادث ترميزاً مكثفاً للصراع على الإمامة بين بيوتات ادّعت دوماُ أنها الأحق بهذه الإمامة، ولهذا السبب كان تاريخ الاغتيال السياسي والدماء النازفة أصلاً اصيلا في معادلة الحكم الإمامي الزيدي، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذه الحالة ما كان لها أن تكون لو أن الإمامة الزيدية أخذت بمنهجية الفكر الزيدي فيما يتعلق بتنصيب الإمام، فالفكر الزيدي ينص على أن يكون الإمام أحد أفراد الطائفة ومن سلالة تنحدر من «البطنين» الحسن والحسين، وأن تتوفر فيه جُملة من الشروط الأساسية كالعلم والفروسية والرزانة والذكاء وحسن السيرة والسلوك، وغيرها من أحكام كانت تدلل على رُشد في كيفية اختيار الحاكم، غير أن صراع الزيدية التاريخي حول الإمامة دلل بما لا يدع مجالاً للشك على أن المفهوم الأساسي لفكرة الحاكمية كانت قد انتُهكت من قبل الطائفة، وتم استلاب جوهرها الحقيقي، ولم يكن هذا الأمر حكراً على الزيدية التاريخية، بل كان له حضوراً موازياً في الفكر الإمامي الإباضي العماني.. اليماني تاريخياً، وكذلك الفقه الشيعي الجعفري الذي استبدل مفهوم الحاكمية التاريخية المصانة نصحاً وإرشادا من قبل المرجع الديني «الإمام» إلى أن يصبح في نهاية المطاف حاكمية دنيوية ناجزة للإمام الشيعي الجعفري، وصولاً إلى كبح جماح الحاكم الدنيوي الرائي للفعل السياسي وتضاريسه المترجرجة، وتُمثل إيران في هذا الباب خير دليل على مدى الانتهاك التاريخي لمفهوم الإمامة في الفقه الشيعي الجعفري، فالإمام علي خامنئي لم يعد مساعداً للحاكم الدنيوي.. ناصحاً له، كما تنص أدبيات العقيدة الشيعية الجعفرية، بل أصبح الحاكم الفعلي من وراء الكواليس وأمامها.
اختلاف النظر للإمامة
من هذه الزاوية تختلف الإمامة في الرؤيتين الزيدية والإباضية عن الشيعة الجعفرية، فالإمام عند الزيدية والإباضية يجمع بين الحاكميتين الدينية والدنيوية، ويعتبر المرجع الأعلى لشؤون الدين والحكم معاً، لكنه ينتخب انتخاباً من قبل الطائفة وفق شروط محددة تتعلق بخصاله وسجاياه العلمية والصحية والأخلاقية.
أوردت هذه المقدمة العابرة للإشارة إلى التفارق الجوهري بين مفهوم الحاكمية عند الزيدية اليمانية والشيعة الجعفرية الإيرانية مما يلتبس على الكثيرين، والأهم من هذا وذاك أن فقه الزيدية يختلف أيضاً وجوهرياً عن فقه الشيعة الجعفرية، ولقد بيّن العلامة الشوكاني، وهو أحد كبار المؤصلين لفقه الزيدية.. بيّن لنا معنى الوسطية التاريخية اليمانية، ومدى التقارب بل التماهي بين المذهبين السائدين في اليمن.. الشافعية السنية الأشعرية، وزيدية الاعتزال العقلانية القائلة بفكرة «المنزلة بين المنزلتين»، حتى انه لا تكاد توجد فروق واضحة بين المذهبين في الأًصول والفروع، ولهذا السبب كانت نقطة اللقاء التاريخي بين المذهبين اليمانيين الإسلاميين الوسطية الناجزة مما نراه ماثلاً في كل أوجه الحياة، فالمساجد واحدة والطقوس واحدة، والتواشج الاجتماعي الحياتي شامل. عدم التناقض بين المذهبين السائدين في اليمن يفسر لنا معنى الخلافات التاريخية التي سادت اليمن، فالصراعات التي كانت قائمة في شمال اليمن لم تكن في جوهرها صراعات مذهبية، بل كانت صراعات على الحاكمية، وقد تساوى في أمر انتهاك المرجعية الزيدية حول الحاكمية كل الأئمة الذين تعاقبوا على السلطة خلال سنوات وعقود ما قبل قيام الجمهورية العربية اليمنية في السادس والعشرين من سبتمبر لعام 1962م، والذي تدثروا شكلاً بالفكر الإمامي الزيدي تعاركوا عطفاً على الإمامة الدنيوية لا الدينية، ولهذا السبب ترسخ في أذهان اليمانيين أن الدعوة للإمامة نوع من المخاتلة بحق فقه الإمامة ذاتها، وأنها ليست سوى إعادة إنتاج المنتج التاريخي الذي كان سبباً أساسيا في تخلف اليمن الشمالي لما قبل الوحدة والجمهورية.
هل جاهر الحوثيون بمشروع استعادة الإمامة التاريخية وولاية البطنين ؟.. حسب علمي إن الوحيد الذي جاهر بذلك ضمناً هو والد الراحل حسين بدر الدين الحوثي.. الشيخ الكهل المسن بدر الدين الحوثي الذي قال مرة: إن كل ما تلا الإمامة في اليمن هو انتهاك للشرعية التاريخية الإمامية، وان جمهوريات ما بعد سبتمبر ليست إلا ولايات عابرة وبهذه المناسبة لا أتصور ان الشرعية التعددية القائمة في اليمن ترفض من حيث المبدأ تشكيل أحزاب سياسية ولو كانت تحمل مشروعاً سياسياً دينياً، والشاهد إن مشروع حزب الإصلاح السياسي هو أيضاً مشروع ديني، ولا يختلف اثنان في مقولة أن الإسلام دين ودنيا، ومن هذه الزاوية يجد دعاة الدين السياسي «الزيدي» الحجة الكافية لتبرير إقامة أحزابهم الدينية السياسية، فالدين السياسي ليس حكراً على مذهب دون آخر، ومن الحكمة أن تتفهّم الدولة هذه الحقيقة الموضوعية التي نرى شواهدها الماثلة على الأرض في الحاكميات الشرعية بتركيا والسودان والصومال، وفي كل معارضات الزمن السياسي العربي من الماء إلى الماء.
صراعات نماذج أم قبائل
صراعات النموذجين لما قبل الوحدة اليمنية كانت صراعات نماذج ورؤى سياسية، والشاهد أن الحركات السياسية في الشطرين السابقين للوحدة ذات نشأة موحدة من حيث النسيج المجتمعي.. يطال هذا الأمر اليسار والقوميين والإسلاميين سواء بسواء، وحتى «حركة الأحرار اليمنيين» التي لجأت إلى عدن أيام الإمامة وكانت تطالب بإمامة دستورية لم تكن شطروية كما يتوهم من يجيرونها على مطلبها الأول، بل كانت تعتبر إزالة الإمامة بشكلها الذي فرضه احمد بن يحي حميد الدين عتبة أولى باتجاه الوحدة اليمنية، تماماً كما فعلت الجبهة القومية بعد استقلال جنوب اليمن.
مما سبق نصل إلى قناعة راسخة بأن النماذج السياسة التي تبلورت في اليمن خلال العقود الأربعة التي سبقت الوحدة اليمنية كانت نماذج وطنية شاملة، ولم تكن هذه النماذج تتحول إلى حالة من التشظي الداخلي والتناحر العدمي الذي يستدعي القبائلية البائدة إلا عندما تصل إلى السلطة.. حدث هذا الأمر في شمال اليمن وجنوبه على السواء وبأشكال فولكلورية متشابهة، وعليه يمكننا القول إن السلطة بوصفها مًلْكا (بضم الميم ) هي السبب الجوهري في الاستقطابات الضيقة، وأن الرؤى الطوباوية الحالمة بألفية فاضلة والسابقة على الحكم، والمأخوذة من نماذج الفكر الإنساني لم تقو على الصمود أمام مفسدة السلطة المتلاحقة مع أسوأ تجليات القبيلة والعسكرتاريا المتخلفة.
إضاءة
إن قبول الدولة بالتعددية المفتوحة للتنظيمات السياسية ذات البرامج الواضحة والمتناغمة مع الدستور والقانون والنظام يعبر عن ثقة مطلقة بخيارات الجماهير وحكمتها، والدولة الرشيدة هي القادرة على ترجمة هذه الحقيقة مرة واحد وحتى النهاية غير المأسوف عليها لفقه الولاء والبراء الدنيوي لا الديني، كما حدث في تركيا واندونيسيا الكبيرتين حقاً، وكما لا يحصل في إيران ومصر الكبيرتين المُحتقنتين !، فالملعب السياسي المفتوح ضرورة للشفافية والانكشاف على النقد، وبالتالي سيكون هذا الأمر سبباً حاسماً للتطور والارتقاء، بدلا من العماء والاحتقانات.
د. عمر عبد العزيز