في مثل هذا اليوم من عام 2005، ترقب الأميركيون أبشع كارثة طبيعية في تاريخهم الحديث. كان إعصار «كاترينا» القاتل المدمر، قد عبر مياه الجنوب الأميركي ليفترس مدينة نيو أورليانز بولاية لويزيانا. تحول الى طوفان يقتلع الأخضر واليابس في المدينة. ويكفي أن العديد من المسؤولين الأميركيين في المناطق المنكوبة بالإعصار، وصفوا ما فعله « كاترينا» بأنه يشبه ما حدث لمدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين اللتين دمرتهما قنبلتان ذريتان أميركيتان في نهاية الحرب العالمية الثانية.
ولا ننسى تعليق عمدة نيو أورليانز راي ناجن على الإعصار الذي فاجأ الشعب الأميركي الغاضب من سياسات الرئيس السابق جورج دبليو بوش قائلا إن إعصار كاترينا عقاب إلهي لأميركا بسبب غزوها للعراق. الإعصار قتل 1300 شخص، وشرد أكثر من مليون أميركي وخسائره تجاوزت 150 مليار دولار ولم تغط شركات التأمين إلا ما قيمته 40 مليار دولار فقط.
ضرب إعصار كاترينا في التاسع والعشرين من أغسطس 2005 برياحه العاصفة وأمطاره الغزيرة الشواطئ الجنوبية للولايات المتحدة الشواطئ الجنوبية لولاية لوزيانا، ثم اتجه مركزه نحو مدينة نيورأورليانز بعد أن أوقع خسائر ضخمة بولايتي مسيسيبي وألاباما.
أبعاد كارثة كاترينا ظهرت بعد يومين. كان جدار الأمواج العاتية بلغ ارتفاعها تسعة أمتار غمرت مناطق شاسعة من السواحل وحاصرت السكان الذين لجأوا إلى أسطح المنازل.
ووصف مراسل شبكة بي بي سي مياه الامطار في نيو أورليانز بأنها تشبه جدارا من الماء يغطي واجهات ناطحات السحاب مثل الشلالات فقطعت التيار الكهربائي وأسقطت النخيل في الشوارع ودُمرت المتاجر والسيارات.
واجتاحت مياه الفيضان مئات المنازل التي تقع في مناطق منخفضة. كانت سرعة الرياح تصل إلى 225 كيلو مترا في الساعة. ما يزيد عن 80% من سكان نيو أورليانز هجروا منازلهم بحثا عن مأوى في مناطق أخرى. خبراء البيئة وقتها حذروا من ان نيو أورليانز تواجه خطر السموم لفترة طويلة. السموم ملأت المياه كما انه حدث تسرب للغاز.
معظم الإمدادات الطعام والمياه اوشكت على النفاد. والمشكلة الأكبر التي واجهت المحاصرين هي انقطاع التيار الكهربي وتوقف كافة المرافق عن العمل، فقد تعطلت المضخات التي تسير شبكة المجاري العمومية، مما جعل الشوارع تمتلئ بمياه ملوثة، إضافة إلى الجثث الملقاة في الشوارع. وقد أعلنت السلطات الصحية حالة الطوارئ وسط مخاوف من تفشي الأوبئة والأمراض الخطيرة.
وعمت حالة من الفوضى العارمة في المناطق المنكوبة وطلب حكام الولايات المتضررة 10 آلاف فرد إضافي من الحرس الوطني ليرتفع بذلك العدد الإجمالي إلى 21 الفا لم تقتصر مهامهم على جهود الإنقاذ بل امتدت إلى احتواء عمليات السلب والنهب.
فقد خرج مواطنون مسلحون إلى الشوارع في بعض المناطق في محاولة لإقرار النظام في مدينة نيو اورليانز. وفي المناطق التي لم تغمرها المياه جلس أصحاب المتاجر أمام متاجرهم يحرسونها بأسلحتهم الخاصة. وتعرض العديد من المتاجر التي تبيع الطعام والسلع المنزلية لعمليات سلب ونهب وحطمت أبوابها ونوافذها.
وشوهد بعض من شاركوا في هذه العمليات وهم يخرجون في هدوء من المتاجر المنهوبة وهم يحملون ما سطوا عليه. الرئيس الاميركي جورج بوش.. وصلت شعبيته وقت الكارثة الى الحضيض . ومن جانبه قال «إنها واحدة من أسوأ الكوارث الطبيعية في تاريخ أمتنا». ووعد بوش بتقييم الكيفية التي استجابت بها الحكومة على مستوياتها المختلفة لكارثة الإعصار، لكنه رفض «مزاولة لعبة إلقاء اللوم».
وقال إنه يريد التركيز على مئات آلاف الأشخاص الذين شردهم الإعصار.. وأنه يتعين على أميركا التأكد أنه بمقدورها الاستجابة بشكل مناسب لكارثة أخرى، سواء كانت كارثة طبيعية أو هجوما بأسلحة دمار شامل.
ولكن الديمقراطيين شنوا وقتها هجوما عنيفا على ادارة بوش . قالوا ان الإدارة الأميركية انصرفت عن الاهتمام بالمشاكل الداخلية وحصر تركيزها على الحرب في العراق، وانتقد السيناتور فرانك لاوتينبرغ إهمال ترميم السدود التي تحيط بمدينة نيو أورليانز وإصلاحها لمصلحة التكاليف المرتفعة للحرب في العراق. وكان الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون وزوجته هيلاري عضو مجلس الشيوخ وقتها من بين من دعوا إلى إجراء تحقيق في كيفية تعامل السلطات مع كارثة إعصار كاترينا.
وقد تسابق العالم لمساعدة أميركا في محنتها. بل إن إيران أعربت وقتها عن رغبتها في تزويد الولايات المتحدة بنحو عشرين مليون برميل من النفط الخام لسد النقص الناجم عن اضطراب إنتاج النفط في خليج المكسيك بعد إعصار كاترينا.
وقال مندوب إيران لدى منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وقتها إن العقوبات الأميركية هي وحدها التي تعوق التوصيل الفوري للنفط الإيراني.
ويبقى الإشارة الى أن المشاهد المفجعة التي بثتها شاشات التلفزيون عن الدمار الذي احدثه إعصار كاترينا أثارت جدلا حول التمييز العنصري في أميركا. مسألة اللون في الولايات المتحدة كانت جلية خلال الكارثة بعد ان اتضح ان معظم الضحايا من الاميركيين السود. سكان مدينة نيو أورليانز البالغ عددهم مليون ونصف المليون شخص، تبلغ نسبة السود بينهم أكثر من الثلثين.. وبينهم 3 .67 % يعيش 30 % منهم تحت خط الفقر.
إضاءة
إعصار كاترينا المخيف.. كان رابع إعصار في المحيط الاطلسي عام 2005. تم تصنيفه وقتها كإعصار من الدرجة الخامسة وهي أعلى درجة في تعريف قوة الكارثة.. وكان سادس أكبر إعصار في تاريخ المنطقة. وكل الأعاصير تنشأ في البحر ثم تضمحل قوتها بعد وصولها إلى اليابسة.
والى جانب كاترينا هناك إعصار هي آيسيس، آيك، أندرو، بيتا، جونو، دوريان، ريتا، غوستاف، كلوديت، نرجس. وفي البداية وصل كاترينا ولاية فلوريدا كاعصار من الدرجة الأولى.
وبعد عبوره فلوريدا ازدادت قوته إلى 5 درجات بريح سرعتها 175 ميلاً بالساعة(280 كيلو متراً / ساعة). لكن شدة الإعصار هبطت إلى 125 ميلاً في الساعة عند وصوله إلى ولاية لويزيانا.