إذا كانت الولايات المتحدة هي المحرك الفعلي للموقف في أفغانستان في ضوء سيطرتها على مقدرات الأمور على صعيد النظام القائم هناك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه مع إجراء الانتخابات هناك الخميس قبل الماضي يدور حول موقع ودلالة هذه الانتخابات في السياسة الأميركية بشأن الأوضاع هناك؟
وتأتي أهمية هذا السؤال من أنه يمثل نوعا من المسائلة للنهج الجديد الذي أعلنت إدارة الرئيس باراك أوباما عن سلوكه تجاه أفغانستان في محاولة لطي صفحة عدم الاستقرار هناك الذي قارب على العقد منذ التدخل العسكري الأميركي إثر تداعيات هجمات 11 سبتمبر. وعلى هذا يمكن استيعاب إشارة الكثير من المحللين إلى أن الانتخابات تعد بمثابة اختبار للإستراتيجية الأميركية هناك في ضوء ما قد تسفر عنه من نتائج إيجابية كانت أم سلبية. يمكن الإشارة بشكل أولي إلى أن الهدف الأميركي من الانتخابات يمثل خطوة على طريق محاولة استتباب الأوضاع هناك من خلال عمل سلمي يمثل دعما للسياسات العسكرية التي تقوم بها القوات الأميركية وقوات الناتو. حيث تعمل واشنطن في إطار رسمها لمستقبل الأوضاع في أفغانستان على إقامة حكومة أفغانية ذات كفاءة ـ من وجهة نظرها ـ تعتبر شرعية في نظر مواطنيها.
ويفسر ذلك المساعي الأميركية لتكريس الحشد الشعبي والدولي لدعم الانتخابات، الأمر الذي تراه قد يمكنها في النهاية من التأكيد على نجاحها في تقديم نموذج جيد للديمقراطية في دولة من العالم الثالث تفتقد لهذه الممارسة، وعلى النحو الذي قد يحد من تأثيرات إخفاقها في العراق.
ويعني ذلك أن الانتخابات تمثل مجرد خطوة ضمن مجموعة خطوات وسياسات أخرى تهدف إلى السيطرة على الأوضاع في البلاد في ضوء ما تشير إليه التقارير وصولها مرحلة الانفلات، وهو ما أشار إليه الرئيس أوباما نفسه في معرض التعليق على الانتخابات حيث حذر من احتمال تفاقم العنف في أفغانستان.
ثانوية دور المرشحين
وعلى ذلك فإن قراءة مسار الانتخابات الأفغانية من خلال التركيز على طبيعة شخصية الرئيس المقبل قد لا تمثل المدخل الصحيح تماماً، في ضوء أن ذلك يعتبر متغيرا ثانويا وفي ضوء حقيقة أن أغلب المرشحين البارزين الذين كانوا ينافسون بجدية على المنصب لم يخرجوا من العباءة الأميركية، فضلاً عما أشارت إليه بعض المصادر من فتور حماس واشنطن لانتخاب قرضاي وأنها تنظر بالحذر لفوزه بفترة رئاسة ثانية، ما يؤكد في التحليل الأخير أن الهدف هو صياغة الأوضاع في البلاد وفق ما تراه واشنطن في الاتجاه الذي يحقق قدراً من «الاستقرار الوظيفي» للأوضاع هناك.
هنا فإن التساؤل الذي يفرض نفسه يدور حول أبعاد التمسك الأميركي بالانتخابات وتعظيم وضعها من بين العديد من البدائل الأخرى التي تمثل مداخل للتعاطي مع الأزمة الأفغانية؟
إخفاق عسكري وسياسي
في معرض الإجابة عن هذا التساؤل يمكن الإشارة إلى حقيقة إخفاق الإدارة الأميركية السابقة والحالية في حسم الموقف مع حركة طالبان إن عسكريا أم سلميا.
فعلى الصعيد العسكري وبشهادة الكثير من المراقبين الأميركيين عسكريين وسياسيين فإن الموقف غير موات بأي شكل للولايات المتحدة ولا يصب بأي حال لجهة حسم الموقف خلال المستقبل المنظور. هذا إن لم يكن يسير في وجهة معاكسة، لجهة إحكام طالبان سيطرتها على المزيد من الأراضي في البلاد. وبتعبير البعض فإن الكلمة العليا لا تزال لطالبان في الحرب الدائرة رحاها هناك، في ضوء فشل قوات الناتو في فرض سيطرتها بشكل دائم على العديد من المناطق هناك.
ومن التصريحات ذات الدلالة في هذا الخصوص تصريح الجنرال ستانلي كريستال قائد القوات الأميركية في أفغانستان والذي ذهب فيه إلى التأكيد على أن القوات الأميركية والناتو تواجه عدواً شرساً للغاية وأنه يجب وضع حد لزخمه ووقف جهوده لامتلاك زمام المبادرة، معتبرا ذلك مهمة شاقة.
وقد دفعت هذه الرؤية بالجنرال ديفيد بتريوس قائد القيادة المركزية الأميركية إلى التأكيد على أنه أمام القوات الأجنبية في أفغانستان مهلة لا تقل عن سنة لإثبات الحكم على إستراتيجيتها، ما يعني أن النصر ليس في اليد وأنه قد يبدو بعيد المنال. ومما يؤكد هذه الرؤية حقيقة أن الحكومة الأفغانية لا تسيطر سوى على حوالي 30% من الأراضي.
حقائق مزعجة
أما على الصعيد الأميركي فإن هناك العديد من الحقائق التي لا بد لها أن تشغل بال أي قائم على أمور الحكم هناك وعلى رأسها حقيقة أن العمليات العسكرية الأميركية في أفغانستان تكلف واشنطن شهريا أكثر من أربعة مليارات دولارات، هذا فضلاً عن الخسائر في الأرواح والتي رغم أنها لا تقارن بما كان يجري في العراق فإنها في أي الأحوال تمثل ضغطا على الدوائر الرسمية الأميركية لجهة التساؤل عن أسباب خسارة أرواح جنود أميركيين في مثل هذه الحرب التي لا تبدو لها نهاية في الأفق.
ويكفي في هذا الخصوص الإشارة إلى أن القوات الأميركية فقدت خلال شهر يوليو الماضي حسب بعض التقديرات 44 جنديا وهو ما يؤدي إلى تراجع التأييد الشعبي الأميركي للحرب.
ويلخص مجمل هذا الجانب، والذي يكشف عن أن المهمة في أفغانستان قد تكون أعقد من تلك التي واجهة القوات الأميركية في العراق، التصريح الذي أعلنه الرئيس أوباما وأشار فيه إلى أنه لا يجب لأحد أن يتوقع تحقيق نصر سريع في أفغانستان.
ومن هنا كان من ركائز سياسة الإدارة الجديدة إرسال المزيد من القوات إلى هناك في ظل غياب الأمل في تحقيق نصر عسكري دون مثل هذه الإمدادات. ومن المقترح في هذا الصدد إرسال 45 ألف جندي، وهو توجه مشكوك في نجاحه في ظل تعقد أبعاد الأزمة الأفغانية وتشابكها وعدم اقتصار سبل الحل على الجانب العسكري وحده كما سنشير في سطور لاحقة.
تحفظ طالبان على الحوار
أما على الصعيد السلمي في التعامل مع طالبان فمن الواضح ان خيار الحوار الذي طرحته إدارة الرئيس بوش وسايرتها فيه إدارة أوباما في أيامها الأولى لم يحقق النجاح المرجو في ظل تعارض رؤى الطرفين بشأن أسس الحوار والنتائج التي يمكن أن يتمخض عنها من ناحية ، وفي ظل حقيقة هيمنة طالبان على أرض الواقع من ناحية أخرى، الأمر الذي يجعلها ترى في الشروط الأميركية للحوار انتقاصا من موقفها.
يفسر ذلك منحى محاولة الدخول لحل الأزمة الأفغانية من خلال الانتخابات باعتبارها يمكن أن تحقق ما فشلت فيه الآلة العسكرية وتجاوز ما يبدو من رفض طالبان للحوار. والسؤال في ظل ما جرى هل حقق هذا الخيار أهدافه؟
من واقع متابعة ما جرى منذ الخميس قبل الماضي حتى الآن يبدو أن الأمور لا تبشر بنجاح ذي قيمة، الأمر الذي يجد سنده في العديد من المؤشرات على رأسها تراجع نسبة الإقبال على التصويت في الانتخابات إلى الحد الذي يشير إلى عدم السيطرة الفعلية على كافة أنحاء البلاد من قبل النظام القائم في كابول.
فالنسبة مثلا لم تزد حسب تقارير عن خمسة في المائة في بعض المناطق مثل هلمند في الجنوب. وحتى إذا جرى الأخذ بالنسبة التي تشير إليها بعض التقارير التي يمكن اعتبارها معتدلة وهي ما يتراوح بين 40 و50 في المائة فإنها نسبة تقل عن نسبة 70 في المائة التي سجلت في أول انتخابات رئاسية عام 2004 ما يشير إلى التراجع في رقعة انتشار السيطرة الحكومية.
محدودية عمليات التصويت
يعزز هذا الجانب تعذر فتح مراكز اقتراع في تسع مناطق لا تخضع لسيطرة الحكومة. ورغم أن تهديدات طالبان بإفشال الانتخابات لم تجد طريقها إلى التحقق ما يطرح تساؤلات حول مدى سيطرتها، إلا أن ذلك لا ينفي أن الانتخابات شابها قدر من العنف ومن ذلك مقتل شرطيين في هجوم انتحاري على مركز شرطة في مدينة جلال آباد.
وفيما يشير كذلك إلى حرج وضع النظام القائم ما أشارت إليه مجموعة مراقبة من أن بعض المخالفات التي شابت العملية الانتخابية والتلاعب والترويع لم يكن مصدره فقط حركة طالبان وحدها، ما يعني أن النظام حاول تسيير الأوضاع في صالحه عن غير الطريق الشرعي الانتخابي.
ورغم كل ما سبق وفي محاولة لمصادرة هذه الرؤية خرجت علينا العديد من التقارير الأميركية لتحاول الإشادة بالانتخابات رغم ما شابها على غرار تجربة الانتخابات الإيرانية من تشابكات وتشكيك في النتائج .
وفيما نالت الثانية اهتماما غير مسبوق لجهة تسليط الضوء على الأبعاد السلبية فيها، جرى العكس في الأولى حيث راح الرئيس أوباما يعلن أنها تمثل خطوة مهمة إلى الأمام مشيدا بمشاركة ملايين الناخبين في الانتخابات رغم تهديدا حركة طالبان فيما راح آخرون يشيرون إلى أنه مهما شابها من سلبيات فمن المهم أنها تمت.
ولعل النتيجة الأساسية التي تؤكدها الانتخابات تتمثل في ضرورة انتهاج مداخل أخرى لمحاولة إعادة الاستقرار لأفغانستان، يعتمد على أن التأسيس لنظام شعبي لن يتم إلا بالنجاح في اكتساب تأييد كل الأفغان، الأمر الذي لم يصادف نجاحا حتى الآن في ضوء ما أشارت إليه إحصائية من أن نسبة من يحاربون ما يوصف بتمرد طالبان بين السكان هي واحد إلى 44، وهى نسبة تشير إلى افتقاد محاربة طالبان الأساس الشعبي.
وإذا كان اعتماد نهج أساليب عسكرية مغايرة يبقى مطلوبا ـ من وجهة النظر الأميركية ـ والحوار مع طالبان متطلب لا غنى عنه، فإن الاقتراب من القبائل والتركيز على تنمية المناطق الأخرى البعيدة عن العاصمة كابول قد يمثل مدخلا آخر، وهو أمر يعتبر بالغ الحيوية في ضوء حقيقة أن مستقبل الحكم على إدارة أوباما مرهون بما يمكن أن تحققه في أفغانستان.
إضاءة
من واقع متابعة ما جرى منذ الخميس قبل الماضي حتى الآن يبدو أن الأمور لا تبشر بنجاح ذي قيمة، الأمر الذي يجد سنده في العديد من المؤشرات على رأسها تراجع نسبة الإقبال على التصويت في الانتخابات إلى الحد الذي يشير إلى عدم السيطرة الفعلية على كافة أنحاء البلاد من قبل النظام القائم في كابول.
فالنسبة مثلا لم تزد حسب تقارير عن خمسة في المائة في بعض المناطق مثل هلمند في الجنوب. وحتى إذا جرى الأخذ بالنسبة التي تشير إليها بعض التقارير التي يمكن اعتبارها معتدلة وهي ما يتراوح بين 40 و50 في المائة فإنها نسبة تقل عن نسبة 70 في المائة التي سجلت في أول انتخابات رئاسية عام 2004 ما يشير إلى التراجع في رقعة انتشار السيطرة الحكومية.
مصطفى عبد الرازق