هذه هي النتيجة التي يتوصل إليها أي قارئ للخبر الذي أشار إلى اعتزام المجلس الثقافي البريطاني في مصر إغلاق مكتبته بسبب ما أعلنه عن «ضعف ارتباط المصريين بالكتب». وهي نتيجة أشبه بتلك التي توصل إليها المستشرق الفرنسي إرنست رينان إثر لقائه صياد سوري بسيط ـ على ما تذكر إحدى الروايات ـ وهى أن العرب متخلفون. ورغم ما في الحالتين من تسرع في إطلاق الأحكام وبناء على حالة واحدة لا يمكن القياس عليها، إلا أن مثل هذه الأحكام عادة ما تعبر عن مشكلة أصيلة بغض النظر عن كبرها أم صغرها.
في الحالة الأولى يبدو من المثير للدهشة أن ما بين ثلاثة إلى أربعة فقط من أرباب المعاشات والمغتربين يستخدمون المكتبة، في مدينة القاهرة التي يتجاوز عدد سكانها 20 مليون نسمة. وإذا كانت المقولة الجاهزة بشأن تراجع مستوى القراءة على المستوى العربي عامة والمصري خاصة هو ارتفاع ثمن الكتاب، فإن قضية مكتبة المجلس الثقافي البريطاني تدحض هذه المقولة، حيث لا يتطلب الأمر سوى الذهاب إلى مكان فخم على النيل والاستمتاع بالقراءة!
وإذا كان الجري وراء الرزق يشغل الكثيرين عن القراءة، وهو سبب في الحالة المصرية قد يكون مقبولا، فبماذا نفسر أن عدد أعضاء المكتبة من طلبة جامعة مثل القاهرة وهم يقدرون بعشرات الآلاف لا يتجاوز مائتي عضو فقط؟. هل هو موقف من المكتبة البريطانية باعتبارها كذلك؟ ولو.. فذلك لا يبرر بأي حال هذا العزوف عن القراءة.. فالحكمة ضالة المؤمن. هل هذا يعبر عن تراجع الكتاب لصالح ثقافة الإنترنت؟ كلها احتمالات لكنها لا تقدم تفسيرا متماسكا لتراجع القراءة في مصر من خلال نموذج مكتبة المجلس البريطاني.
من الغريب كذلك أن التقرير الذي تضمنه الخبر المشار إليه أوضح أن ذلك ليس هو الحال مثلا بالنسبة لمكتبة المجلس البريطاني في دمشق مثلا نظرا لـ «دورها المؤثر لدى الجمهور»، كما انه ليس هو الحال في الهند «حيث الناس لديهم توجه نحو الكتب». يجعلنا ذلك نعيد طرح التساؤل الذي قدمه جلال أمين وعنون به أحد كتبه وهو: ماذا حدث للمصريين؟ ونطور التساؤل لنضيف هل الأمر جزء مما يتحدث البعض عن أنه حالة تدهور عامة تمر بها مصر على كافة الأصعدة؟ أيا كانت الإجابة فإن الحقيقة أنه بحلول الخميس الماضي أغلق صرح ثقافي في القاهرة أبوابه بعد خدمة تواصلت أكثر من سبعة عقود!