يطيب لبعض المحللين، الذين تستهويهم الأيديولوجيات والشعارات، تفسير تميّز إسرائيل على الواقع العربي، بتفوقها في المجالات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، وتمتعها بعلاقات إستراتيجية استثنائية مع الولايات المتحدة الأميركية. لكن هؤلاء يغفلون في تحليلهم هذه العوامل الذاتية، التي تضفي على إسرائيل قوة مضافة، تجعلها قادرة على تجيير عناصر تفوقها، وتحويلها إلى عوامل قوة.

واقع الحال أن إسرائيل مجرد دولة محدودة بكل المقاييس، فهي صغيرة بمساحتها وقليلة السكان وتفتقر للموارد الطبيعية، كما أنها دولة معزولة عن محيطها، بل وتواجه بعداء منه. وفوق كل ذلك فهذه الدولة تعج بشتى التناقضات، بين العلمانيين والمتدينين، والشرقيين والغربيين، واليساريين واليمينيين، والعرب واليهود، ثم إنها دولة تسيطر على شعب آخر بالقوة، في حين أن هذا الشعب يواجهها بالمقاومة.

السيطرة على الأزمات

لكن مع كل ذلك من المهم الانتباه جيدا إلى أن إسرائيل هذه تتمتع بميزة السيطرة على أزماتها ومشكلاتها (بحكم طريقة إدارتها لأوضاعها)، بل إنها تستطيع أن توجهها نحو الخارج، وبما يخدم مصالحها. وعلى الرغم من كل ما تقدم، أي بالرغم من تحدياتها الداخلية والخارجية، وضمن ذلك تداعيات الصراع العربي ـ الإسرائيلي، فان ما يلفت الانتباه أن هذه الدولة، التي نشأت، فقط، منذ ستة عقود، فقط، ومع بداية تشكل الكيانات العربية، تبدو أكبر من حجمها، وأكثر قوة من إمكاناتها، وأفضل استقرارا من غيرها، خصوصا بالقياس لحال الكيانات العربية السائدة!

وما ينبغي الاعتراف به هنا هو أن إسرائيل على الأغلب، مدينة بهذا التميز وبالقدرة على الاستقرار والتطور، إلى طريقة إدارتها لأوضاعها ولمجتمعها، وخصوصا لنظامها السياسي الديمقراطي (بالنسبة لمواطنيها اليهود)، الذي يضفي عليها قوة مضافة، يجعلها قادرة على تحويل عناصر ضعفها إلى قوة؛ على عكس الواقع العربي الذي يعيد إنتاج علاقات الضعف والتهميش والتآكل.

وللمفارقة فان التميز الإسرائيلي في هذا المجال هو ما تفتقده الكيانات العربية، ونقطة ضعفها، بالقياس للإمكانيات الكبيرة التي تمتلكها: المساحة ـ الكثرة العددية ـ الثروة النفطية، عوامل تكوين الأمة؛ وهذا ما يفسر أن السياسة العربية تقصر عن مواجهة التحديات التي تمثلها إسرائيل، سواء كانت في حال أزمة أم دونها.

دولة تعج بالتناقضات

طبعا لا ينبغي أن يفهم من هذا الكلام أن الأوضاع في إسرائيل على ما يرام، فمثلما أنه ثمة شطط وضرر في المبالغة بما تمثّله، فانه لا يجوز الاستهانة به، بمعنى أن المطلوب التعامل مع إسرائيل بشكل موضوعي (بغض النظر عن رأينا بها) بوصفها ظاهرة عادية، تعج بالتناقضات والتحولات؛ بسبب من طبيعة تكوينها، والتناقضات الكامنة فيها: وضمن ذلك التناقض بين كونها دولة علمانية أو يهودية، وبين كونها دولة ديمقراطية وعنصرية (إزاء العرب)، وأيضاً بسبب طابعها الاستعماري، وسيطرتها بالقوة على شعب آخر. أما العوامل التي تمكن إسرائيل من تجاوز أزماتها، بل وتجييرها لمصلحتها، فيمكن تبين أهمها في الجوانب التالية:

أولا، نظامها الديمقراطي القائم على الانتخابات، وفق نظام النسبية والدائرة الواحدة، والتعددية والتنوع، والاحتكام لصناديق الاقتراع لحل القضايا الخلافية، وتداول السلطة. ولا شك أن هذا الشكل من الديمقراطية يتيح لكل التيارات والجماعات والأحزاب السياسية والاثنية التعبير عن ذاتها، ويكفل لها حقها في الوصول إلى مقاعد الكنيست الإسرائيلي. وكما بات معروفا فقد أتاح هذا النظام للأحزاب الصغيرة، وضمنها الأحزاب المتطرفة، ابتزاز الأحزاب الكبيرة وفرض أجندتها عليها.

ثانيا، التوافق على نوع من الإجماع بشأن التقرير بمصير القضايا الإستراتيجية والمصيرية، مثلا، يهودية الدولة، ومكانة الجيش في الدولة، ومركزية قضايا الأمن والهجرة والاستيطان والتقديمات الاجتماعية والعلاقة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة؛ وهي كلها قضايا تمس هوية الدولة وحماية حدودها وأمنها ودورها الوظيفي الإقليمي.

وهذا ما يفسّر أن قضية مصيرية، بحجم قضية التسوية مع الفلسطينيين، بأبعادها التاريخية والرمزية، لا يمكن حسمها في إسرائيل على أساس من المعادلة الديمقراطية التي تتعلق بموازين القوى في الكنيست، أو عبر قانون خضوع المجموعة للأكثرية، كونها تحتاج إلى نوع من التوافق يضم معظم التيارات السياسية الإسرائيلية.

وكما هو معروف لم يكن بالمستطاع تحقيق مثل هذا التوافق، طوال المرحلة الماضية، لا في ظل حكومة حزب العمل ولا في ظل حكومة الليكود، ولا كاديما؛ فبرغم أن كل واحد من هذه الأحزاب استلم الحكومة إلا أنه لم يستطع تنفيذ برنامجه بما يتعلق بمصير أراضي الضفة والقطاع المحتلين. ومثلاً فإن حزب (الليكود) لم يستطع ضم هذه الأراضي لإسرائيل.

وحزب العمل لم يستطع الانسحاب منها وفضل المماطلة في عملية التسوية، التي تطال تحديد حدود إسرائيل الخارجية والداخلية، أي حدودها الجغرافية والسياسية والبشرية. وكذا الأمر بالنسبة لحزب كاديما، الذي لم يستطع طوال رئاسة زعيمه اولمرت للحكومة (2004ـ 2008) أن يقدم شيئا للتسوية مع الفلسطينيين.

التوحد تجاه العدو

معنى ذلك أن الشعور الجمعي الإسرائيلي متوافق على ضرورة تخفيف وتجاوز التناقضات التي يمكن أن تشكل خطراً على الوجود الإسرائيلي؛ أي أن الإسرائيليين يمينيين أو يساريين، متطرفين أم معتدلين، لن يغامروا بتعميق التناقضات فيما بينهم على قضية تتعلّق بالعرب، أو «الأغيار»، ولن يغلّبوا أنفسهم في هذا الشأن، خاصة وأن هذا الموقف لا يحملهم الكثير من التكلفة أو الأعباء المادية والمعنوية، أو أنه يحملهم تكلفة في حدود معينة هم قادرون على امتصاصها.

ثالثا، التوحد إزاء العدو الخارجي، حيث يستمد التعنت الإسرائيلي مشروعيته من الشعور الجمعي في الدولة العبرية باعتبارها دولة استيطانية ـ احلالية ـ يهودية. ذلك أن المجتمعات الوظيفية المصطنعة هي مجتمعات إيديولوجية بامتياز، وتقوم على أساس أيديولوجيا عنصرية غيبية برغم الغلافات العلمانية التي تتغطّى بها، والتي تعبّر عن التناقض الذي يحيط بها.

وفي هكذا مجتمعات فان الإحساس بالخطر الوجودي الخارجي هو إحساس لا نهاية له، لأنه متضمن في الوعي الباطني لمجموع المستوطنين في محاولتهم نفي الآخر (المجتمع الأصلي)، وفي تطلبهم لنوع من الأمن المطلق، الذي يستحيل بلوغه، إلا عبر نفي أو إلغاء أو امتصاص المجتمع الأصلي، الذي هو مستحيل في الحالة الفلسطينية. فإسرائيل ليست أميركا، والفلسطينيون ليسوا الهنود الحمر، والمقارنة من ناحية الحدود الجغرافية والاقتصادية والبشرية والثقافية بين المشروعين ليست في صالح إسرائيل أبداً.

ويتبيّن من تفحّص الظاهرة الإسرائيلية أن أعلى أشكال التوحد، وتغييب التناقضات والخلافات الداخلية، كانت تنشأ في ظل ظروف الصراعات الخارجية، والعكس صحيح إذ أن التناقضات الداخلية الإسرائيلية بدأت بالبروز على خلفية غياب المخاطر والتحديات الخارجية.

استثمار الموارد البشرية

رابعا، أيضا فإن هذه الدولة (المصطنعة) مدينة باستمرارها وتطورها وتميزها إلى استثمارها العالي لمواردها البشرية، للتعويض عن النقص في الموارد الأخرى (المساحة والجغرافيا وقلة العدد). فمثلا يبلغ حجم الإنفاق على الفرد في إسرائيل في التعليم حوالي 1200 دولار في العام (العالم العربي حوالي 110!).

وتبلغ حصة الفرد الإسرائيلي من الإنفاق على البحث العلمي حوالي خمسمائة دولار في العام (8 دولارات للفرد في العالم العربي!)، علما أن نسبة الإنفاق على البحث والتطوير العلمي في إسرائيل تبلغ 5 ,2% من ناتجها السنوي الذي يقدر بحوالي 150 مليار دولار.

ويتبيّن أن عدد المهندسين في إسرائيل هو الأعلى في العالم: 135 مهندسا لكل عشرة آلاف عامل، في حين أن الولايات المتحدة تقع في المرتبة الثانية بـ 70 مهندسا ثم اليابان (65) وهولندا (53) وسويسرا.

ومن ناحية العلماء ذوي الخبرة التقنية تدرج إسرائيل في المكان الأول بـ 140 لكل عشرة آلاف عامل، وتأتي الولايات المتحدة بعد إسرائيل بـ 83 عالما وتقنيا، وبعدها اليابان (80) وألمانيا (60).

وفي مستوى المعيشة فإن حصة الفرد الإسرائيلي من الناتج السنوي وصلت مؤخرا خط ال25 ألف دولار، مع ناتج سنوي قدره 150 مليار دولار. هكذا، فبدلا من طمس أو تجاهل نقاط التميز الإسرائيلية هذه، ينبغي إدراكها لمعرفة نوعية ومستوى التحديات الحقيقية التي تمثلها إسرائيل للواقع العربي، والعمل جديا على تداركها وتجاوزها.

إضاءة

يبلغ حجم الإنفاق على الفرد في إسرائيل في التعليم حوالي 1200 دولار في العام (العالم العربي حوالي 110!). وتبلغ حصة الفرد الإسرائيلي من الإنفاق على البحث العلمي حوالي خمسمائة دولار في العام (8 دولارات للفرد في العالم العربي!)، علما أن نسبة الإنفاق على البحث والتطوير العلمي في إسرائيل تبلغ 5 ,2% من ناتجها السنوي الذي يقدر بحوالي 150 مليار دولار.

ويتبيّن أن عدد المهندسين في إسرائيل هو الأعلى في العالم: 135 مهندسا لكل عشرة آلاف عامل، في حين أن الولايات المتحدة تقع في المرتبة الثانية بـ 70 مهندسا ثم اليابان (65) وهولندا (53) وسويسرا. ومن ناحية العلماء ذوي الخبرة التقنية تدرج إسرائيل في المكان الأول بـ 140 لكل عشرة آلاف عامل، وتأتي الولايات المتحدة بعد إسرائيل بـ 83 عالما وتقنيا، وبعدها اليابان (80) وألمانيا (60).

ماجد كيالي