بيل كلينتون.. رئيس أميركي «سابق» فوق العادة. ليس كمثله من الذين غادروا البيت الأبيض فتواروا عن الأنظار وأفل نجمهم وأقصى ما فعلوه في الظل هو كتابة مذكراتهم أو الحديث للأحبة والأصدقاء والإعلام عن ذكرياتهم في الرئاسة الأميركية.
خرج كلينتون من دار الرئاسة منذ ثمانية أعوام وسبعة أشهر، ولكن نجمه ازداد تألقا وسطوعا. بات شعلة نشاط لا تنطفئ بل تزداد توهجا.
عطي من وقته الكثير للأنشطة السياسية والاجتماعية والإنسانية.. وكأن في العمل والحركة إفادة ليست ذهنية وجسدية أيضا، فبدا أصغر من سنه الذي بلغ الثالثة والستين. يبدو في ريعان الشباب ولم تتغير ملامحه كثيرا عما كانت عليه عندما كان ساطعا في البيت الأبيض.
بيل كلينتون الذي لا تغيب عنه الأضواء.. بات في حضوره منفعة للأميركيين. بل بسبب أنشطته المثمرة يتمتع بشعبية ينافس بها الرئيس الحالي باراك أوباما. الأكثر من ذلك أن شعبيته تفوق الآن شعبية زوجته الأمر الذي أكده أحدث استطلاع للرأي العام الأميركي إثر قيامه بمهمة ناجحة في كوريا الشمالية لاستعادة صحافيتين أميركيتين كانتا محتجزتين هناك.
زيارته المفاجئة القصيرة لبيونغ يانغ.. غطت على رحلة الزوجة هيلاري إلى أدغال أفريقيا التي استغرقت 11 يوما زارت خلالها سبع دول أفريقية. أتي بثمرة استطعمها الأميركيون..
ذهب إلى عقر دار الزعيم كيم جونغ ايل الذي كان في مواجهة معه طوال سنوات الرئاسة الثماني. قابله وجلس معه لمدة ساعة ونصف الساعة، وغادر بعد العشاء وفي صحبته الصحافيتين اللتين اعتقلتهما سلطات بيونغ يانغ في مارس ثم حكم عليهما في يونيو بالسجن 12 عاما مع الإشغال الشاقة لعبورهما الحدود الكورية الشمالية بدون إذن.
عاد كلينتون إلى الولايات المتحدة مظفرا، في الوقت الذي كانت فيه زوجته في القارة السمراء تبحث كل ما يتعلق بمصالح بلدها وتلقي المواعظ والدروس الأميركية على الأنظمة الأفريقية التي تحتاج من وجهة نظر الإدارة الأميركية إلى تهذيب وإصلاح.
وربما تكون الزوجة هيلاري قد أصابها بعض الإحباط والغيظ وهي في أفريقيا بعد أن غطى نجاح الزوج «بيل» على رحلتها الطويلة في أفريقيا. فقد بدت عصبية في الكونغو الديمقراطية عندما سألها طالب جامعي عن رأى أوباما ـ الأمر الذي أخطأ المترجم فيه حيث استبدل اسم أوباما بكلينتون ـ في قرض صيني مقدم إلى الكونغو، إذ ردت هيلاري بانفعال قائلة للسائل «تريد أن تعرف منّى رأي زوجي.. زوجي ليس وزير الخارجية بل أنا، إذا أردت معرفة رأيي فيمكنني أن أقوله لك ولكنى لن أتولى الحديث نيابة عنه».
بيل «النجم».. يضيف إلى رصيده السياسي دور «حلاّل العقد» والأزمات. اختاره الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون مبعوثا خاصا لهايتي لمساهماته الواسعة في القضايا المتعلقة بهايتي أثناء وبعد فترة رئاسته. ودوره قائم على تحفيز جهود الإنعاش الاجتماعي والاقتصادي في هايتي.
وكان قد اختير من قبل مبعوثا خاصا للأمم المتحدة لجهود التعافي من تسونامي بعد وقوع الكارثة في المحيط الهندي نهاية عام2004.
هذا الظهور السياسي لبيل كلينتون يصاحبه أيضا دور اجتماعي وإنساني. يكرس وقتا كبيرا لمؤسسته التي تعمل على تقديم علاج مرض الايدز للدول المحرومة ومكافحة السمنة في الولايات المتحدة والإشراف على قمة سنوية تهدف إلى جمع أموال لمكافحة الفقر والتغييرات المناخية والنزاعات الدينية.
وفوق كل ذلك.. يكتب ويحاضر.. يتقاضى ما بين 100 ألف و350 ألف دولار مقابل أن يلقي خطبة أومحاضرة داخل وخارج الولايات المتحدة.. وكتابه «حياتي» الذي بيع منه في الولايات المتحدة أكثر من مليوني نسخة لا يزال أكثر كتب السيرة الذاتية مبيعاً. فصار مليونيراً بعد خروجه من الرئاسة.
إضاءة
ذهب المفكر الفلسطيني الراحل ادوارد سعيد في كتابه (الاستشراق) إلى أن الشرق اختراع أوروبي وان الاستشراق كيان له وجوده النظري والعملي وقد أنشأه من أنشأه واستثمرت فيه استثمارات مادية كبيرة على مر أجيال عديدة وقد أدى استمرار الاستثمار إلى أن أصبح الاستشراق باعتباره مذهبا معرفيا عن الشرق شبكة تسمح منافذها بتسريب صورة الشرق إلى وعي الغربيين.
ورغم نفي سعيد أن يكون الاستشراق مؤامرة فانه شدد على كونه ظاهرة ثقافية وسياسية وأنه في بعض جوانبه كان متواطئا مع المصالح الاستعمارية ومن الصعب فصل مصالح المستشرق من طرف واحد عن السياق الامبريالي العام الذي بدأ مرحلته العالمية الحديثة بغزو نابليون لمصر.
حسن صابر