ثمة سؤال يطرح نفسه باستمرار عن هذا العداء الإسرائيلي لياسر عرفات، قائد حركة فتح، وزعيم الشعب الفلسطيني، على الرغم من أنه نقل الحركة الوطنية الفلسطينية من الصراع من أجل التحرير إلى الصراع من اجل التسوية في دولة في الضفة والقطاع، وهو الذي وقّع اتفاق أوسلو برغم كل الاجحافات المتمثلة فيه، وهو الذي تمكن من إقناع غالبية شعبه بكل ذلك، بحكم مكانته الوطنية والرمزية.
معروف أن إسرائيل خاضت معارك كثيرة ضد عرفات، فهي حاولت اغتياله مرارا جسديا وسياسيا، وحاولت إضعاف مكانته في قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية، ثم اعتبرت انه لم يعد شريكا للتسوية، واتهمته بالإرهاب، وطالبت بتغيير القيادة الفلسطينية، وبعد ذلك قامت بفرض الحصار عليه لمدة ثلاثة أعوام (إلى حين وفاته). والواقع أن الشخصية الإشكالية والبراغماتية لعرفات حيرت إسرائيل، فالرجل هو صاحب قرار الكفاح المسلح ضد إسرائيل وصاحب قرار التسوية والتعايش معها. وهو صانع الثورة ومهندس السلطة. وقائد المفاوضة والانتفاضة في الوقت ذاته.
ولعل مصدر العداء الإسرائيلي المزمن لعرفات، وهو نفسه مصدر العداء لفتح، ينبع، أولا، من إصرار عرفات على رفض الانصياع للاملاءات الإسرائيلية المتعلقة بالتسوية، لاسيما بالنسبة لقضايا الحدود والمستوطنات والقدس واللاجئين والتوقيع على اتفاق ينهي الصراع؛ فهذا الرفض حطّم الصورة النمطية التي رسمتها إسرائيل، وخصوصا حزب العمل، للقيادة الفلسطينية، بظنها أنها اعتادت تقديم التنازل تلو التنازل، تفهما لحساسيات إسرائيل وتفوقها.
ثانيا، اعتبار عرفات مسؤولا عن ضعف الاستقرار السياسي في إسرائيل، فمنذ دخوله للأراضي المحتلة (1994)، لم تستمر حكومة إسرائيلية لكامل مدتها، وسقط عدة رؤساء حكومات وتم اغتيال رئيس وزراء هو اسحق رابين (أواخر العام 1995).
ثالثا، اتهام عرفات بالمراوغة والتلاعب، واستخدام اتفاق «أوسلو» بمثابة «حصان طروادة» لتدمير إسرائيل على مراحل، لاسيما أنه لم يتوقف عن التصريحات التحريضية، ذات الدلالات الرمزية.
رابعا، اعتبار عرفات مسؤولا ليس فقط عن اندلاع الانتفاضة وإنما عن تحولها نحو المقاومة المسلحة بدليل بروز كتائب الأقصى وغيرها (التابعة لحركة فتح)، التي يتزعمها عرفات ذاته.
ويمكن تبين تأثير عرفات ومكانته لدى إسرائيل من مراجعة بعض التحليلات الإسرائيلية. فهذا غاي بخور، مثلا، اعتبر أن عرفات: «نقل المجتمع الفلسطيني إلى العسكرة، وحرض المجتمعات العربية ضد إسرائيل وحاول تخريب العلاقات الإستراتيجية بين إسرائيل ومصر والأردن، ومس بشرعية إسرائيل في العالم العربي وأوروبا» (يديعوت أحرونوت 17/11/2001) .
ويعتقد أوري سمحوني بأن «عرفات هو الخطر الاستراتيجي الأكبر على إسرائيل.. انه يتآمر علينا. عرفات يقاتلنا بنجاح في ملعبنا الداخلي، ويناور على الرأي العام بواسطة الإعلام.. يتحدث معنا عن السلام ومع رجاله عن عمليات..انه يتغلب علينا وسط الرأي العام العالمي.. عاش عرفات أربع حكومات إسرائيلية.. انه يأكلهم بدون ملح ويؤثر على أجندة إسرائيل أكثر من أي رئيس حكومة» (معاريف، 200183) .