لم يكن مفاجئا سماح إسرائيل بعقد حركة فتح لمؤتمرها السادس في الضفة الغربية (في بيت لحم)، وتقديمها كل التسهيلات اللازمة لذلك، ذلك أن إسرائيل تراهن على تحول هذه الحركة من مربع النضال من أجل التحرر الوطني، والصراع ضد إسرائيل، إلى مربع النضال من أجل تكريس دورها كسلطة وكحركة سياسية، تعتمد أسلوب التفاوض والتفاهم مع إسرائيل على مستقبل الأراضي المحتلة (عام 1967) وعلى مستقبل الشعب الفلسطيني في هذه الأراضي.
في الفترة الماضية، وبعد رحيل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، والذي انتهت معه مرحلة الرمزية والأيديولوجية والازدواجية في الحركة الوطنية، نجحت إسرائيل في تحويل هذه الحركة، بعد استنزافها وإرهاقها وتقويض بناها، إذ تم حل «الكتائب المسلحة»، وأخذت السلطة على عاتقها ضبط الأمن، وتم بناء أجهزة أمنية جديدة، وفق معايير جديدة، كما تغير الخطاب السياسي الفلسطيني الذي بات يركز على المفاوضة والمفاوضة كخيار وحيد، وعلى الحق في المقاومة المدنية والشعبية، والتزام القانون الدولي.
وفي هذه المرحلة تضخّم جهاز السلطة على حساب الفصائل وعلى حساب حركة فتح ذاتها، لاسيما بعد إخفاق هذه الحركة في الانتخابات التشريعية وانهيار وضعها في غزة، لصالح تنامي نفوذ حركة حماس.
إنهاء الازدواجية الفلسطينية
واضح أن إسرائيل تراهن على مؤتمر فتح لتدشين التحول في الحركة الوطنية الفلسطينية، وإضفاء صبغة الشرعية عليه، وإنهاء الازدواجية في الخطاب الفلسطيني. لكن مراهنات إسرائيل هذه ليست في محلها تماما، فليس من السهولة على فتح التغير، بحكم دورها وتاريخها النضالي، لاسيما أن إسرائيل لا تقوم بالتسهيلات والتقديمات اللازمة، والتي يمكن أن تغطي عملية التغيير هذه. وأيضا ثمة مشكلة لفتح في وجود حركة حماس ومحاولاتها التشكيل بمسار حركة فتح ومستقبلها، وسعيها للحلول محلها.
وقد تابع بعض المحللين الإسرائيليين وقائع مؤتمر حركة فتح، وفي هذا المجال يقول آفي يسسخروف وعاموس هرئيل: «الفرخ طور أخيرا ريشه (يقصد أبو مازن)..حكم محمود عباس مستقر. لا يوجد اليوم ما يهدد سيطرة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. وهذا تغيير كبير في مكانة رئيس السلطة.. نظام أبو مازن في الضفة لم يعد متعلقا بحراب الجيش الإسرائيلي.
فبعض التحسن الاقتصادي، الدعم الدولي الواسع، الأداء الناجح نسبيا لحكومة سلام فياض، التأهيل المكثف الذي يعطى لقوات الأمن الفلسطينية في إطار «خطة دايتون» الأميركية ـ كل هذه تعزز مكانته. ولكن ما يجري في فتح، حركة الرئيس، ليس بالضرورة جزءا من هذه الصورة.
فلا تزال في فتح تسود الفوضى.. الاختبار الكبير للمنظمة سيكون في اليومين القادمين: هل سينجح المندوبون في المؤتمر في أن يقودوا تغييرا حقيقيا فيستبدلوا القيادة القديمة الكريهة». (هآرتس0/8).
وطبعا ثمة أصوات متطرفة عبرت عن تبرمها من انعقاد المؤتمر والخطابات التي قدمت فيه، حيث اعتبر وزير الإعلام يولي ادلشتاين الكلمة التي ألقاها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) في افتتاح المؤتمر، وتصريحات أخرى لقادة الحركة، بأنها بمثابة «إعلان حرب» على إسرائيل، وقال إنه «لا ينبغي علينا أن نتجاهل الأصوات التي نسمعها من بيت لحم، ونتظاهر كأننا لا نسمع.. يجب الخروج من دائرة الوهم بأننا بصدد أناس معتدلين يتوقون للسلام. إنهم يقولون بكل وضوح إنهم متمسكون بالكفاح المسلح».
تهديدات بيريز وكاديما
وكان الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز استبق انعقاد المؤتمر بتوجيه تحذير إلى قادة حركة فتح من مغبة تشديد مواقفها تجاه إسرائيل «الأمر الذي سيلحق بها أضراراً كبيرة». وقال: «عليهم أن يتذكروا أنهم ملتزمون خريطة الطريق وتسوية النزاع من خلال المفاوضات فقط». وحذر وزير الأمن الداخلي السابق القطب في حزب «كديما» آفي ديختر حركة «فتح» من اتخاذ قرارات «تقود إلى اندلاع انتفاضة ثالثة».
وكتب يوسي بيلين مقالا عن فتح ومؤتمرها جاء فيه: »لا يوجد تقريبا أي وجه شبه بين الحركة السرية التي أُقيمت في القاهرة قبل 50 عاما على يد طلاب فلسطينيين بقيادة ياسر عرفات وبين حركة فتح اليوم. فالقراران المركزيان لحركة فتح كانا «استقلالية القرار» و«الكفاح المسلح»..
يتعلق الأمر اليوم بحركة لا زال يحمل بعض قادتها أسماء حركية على أسماء أبنائهم ( أبو كذا)، وهي تحولت من حركة مليئة بالحيوية والحراك وجذب الشباب إلى حركة سلطة ملوثة جدا بالفساد ومعنية بإعادة الدول العربية إلى لعب دور في الموضوع الفلسطيني (المبادرة العربية) وتدعي أن المفاوضات مع إسرائيل يمكنها أن تحقق انجازات جوهرية أكثر من الكفاح العنيف.
من شأن المؤتمر السادس أن يتيح لحركة فتح إعادة إنتاج نفسها كحزب سلطة واقعي وموزون، يدرك احتياجات الشعب الفلسطيني أكثر من خصمه المتعصب؛ حزب يعي الميزة الكبيرة في علاقات الجيرة الحسنة مع إسرائيل وقادر على اختيار كادر جديد من القادة الذين تتراوح أعمارهم بين الخمسين والستين عاما..
من المفترض بحركة فتح أن تمنح غطاء للقيادة في إجراء مفاوضات جدية مع إسرائيل، تنطوي بطبيعة الحال على تنازلات غير بسيطة من الطرفين..سيكون هناك أيضا عدد غير قليل من الإسرائيليين الذين سيفركون أيديهم فرحا لفشل المؤتمر. لكن من يرغب في ائتلاف يضم عناصر سوية وعاقلة في منطقتنا، يجب عليه التعلل بالأمل كي ينجح المؤتمر». («إسرائيل اليوم» 4/8/2009)
الأصوات المتمردة
في مقابل ذلك حذر آفي يسسخروف «من تزايد الأصوات المتمردة، داخل فتح، الداعية لاستخدام السلاح ضد المستوطنين والجيش الإسرائيلي. النشطاء الذين كانوا في محور الانتفاضة الأخيرة وتم تهميشهم في الساحة السياسية، يحذرون من أن تحويل السلطة الفلسطينية إلى «سلطة دايتون» لن يساعد فتح في تحسين مكانتها في الشارع.
في آخر المطاف هم يدّعون، ستقود الأزمة السياسية مع إسرائيل إلى استئناف العمليات في الضفة وتشكيل خلايا مسلحة تعمل في السر..أن واصلت حكومة إسرائيل التمترس حول موقفها بعدم وجود شريك فلسطيني وان هذا ليس وقت التحدث حول اتفاق السلام، فمن المحتمل جدا أن تتحقق توقعات اندلاع العنف مجددا بالفعل. (هآرتس 5/8)
في كل الأحوال فإن حركة فتح قبل المؤتمر لن تكون كما بعدها، لأسباب ذاتية وموضوعية، وبغض النظر عن الخطابات والتصريحات العلنية، ولعل هذا ما تراهن عليه إسرائيل.