احتفاظ الرئيس الفلسطيني محمود عباس بزعامته لحركة فتح بالتزكية وبالتصويت العلني وبالإجماع.. يجعله في مركز أقوى من ذي قبل داخل فتح التي تظل أم الفصائل الفلسطينية التي دشنت لمسيرة الكفاح المسلح في الستينات. وعدم تقدم أي عضو في الحركة للترشيح لمنصب القيادة منافسا له، عزز من تماسك فتح وحمايتها من أي انشقاق بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى من التمزق باعتراف أبومازن نفسه.

محمود عباس.. يظل رغم اختلاف الآراء حول بعض مواقفه.. رمزا لقضية وطنه المغتصب.. شاء خصومه ومنتقدوه من الفصائل الأخرى أم أبوا. فهو مازال رئيسا للسلطة الوطنية.. ورئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية.. الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني داخل وخارج فلسطين باعتراف الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية التي من المفترض أنها الأم التي تطوي بين جناحيها كل الفصائل والأطياف.

أبو مازن.. في ثوب جديد الآن. ثوب التطهر من الأخطاء ومحاسبة الذات.. اعترف في مؤتمر فتح الأخير بأن الحركة ارتكبت أخطاء. قال «نحن لسنا ملائكة، وكل صفحتنا ليست بيضاء.. أخطأنا وعلينا أن نقر اننا أخطأنا.. وممارساتنا وسلوكياتنا المرفوضة جماهيريا وأداؤنا الضعيف وابتعادنا عن نبض الجماهير.. هو ما كلف فتح خسارة انتخابات المجلس التشريعي الأخيرة وبعدها فقدان السيطرة على قطاع غزة».

الاعتراف بالحق فضيلة وشجاعة تحسب لعباس. ويحسب للرجل المفترى عليه بنعوت تصفه بأنه رجل تنازلات وتسويات تنال من حقوق شعبه.. أنه لا يشذ ولا يخرج عن مبادئ وأحلام وآمال وطموحات الشعب الفلسطيني بشتى أطيافه.

دعا في مؤتمر فتح الأخير إلى إقامة الدولة المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. وأعلن دعمه للمقاومة الجماهيرية ضد الاستيطان وجدار الفصل وهدم ومصادرة المنازل. بل رفض أيضا محاولات نتانياهو طرح تسهيلات اقتصادية لحرف أنظار العالم عن الحقوق السياسية، وحمل إسرائيل المسؤولية عن تقويض اتفاق أوسلو. ولم يغفل عن قضية اللاجئين التي هو جزء منها.. فأصوله من «صفد» في الجليل في شمال الكيان الإسرائيلي، أي أنه من لأجيء 48.

وقال عن حق العودة أنه «جذر همنا ومفتاح حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي». والأكثر من ذلك.. أكد أن الفلسطينيين وإن كانوا يسعون للسلام مع إسرائيل، إلا أن المقاومة مازالت احد الخيارات. صحيح أنه دعا إلى التوافق فلسطينياً على تحديد أشكال المقاومة لاستعطاف الرأي العام العالمي.. إلا أن هذا لا يعني أنه يتنازل عن حق مشروع أجازه القانون الدولي الذي لا يحرم شعبا من تقرير مصيره بنفسه. إذن لم يفرط الرجل في الثوابت الوطنية.

ولكن..أبو مازن الذي يسعى إلى التصحيح.. غير موفق في لغة التخاطب الإعلامي مع «حماس». فإذا كان قد قال بثقة واعتزاز وبلاغة إعلامية موفقة أن «فتح» لا تقبل القسمة.. فان فلسطين بشطريها.. الضفة والقطاع لا تقبل القسمة على الإطلاق. صحيح أنه أكد أن غزة جزء لا ينفصل عن الوطن الأم فلسطين. ولكن كان عليه أن يتجنب التصعيد ضد حماس في خطبه وتصريحاته باعتبار أنه الرمز للجميع.

لم يكن حادا ولا عنيفا في رد فعله تجاه رفيق الكفاح فاروق القدومي أبو اللطف رغم أن الأخير اتهمه بالتورط في اغتيال الزعيم الشهيد عرفات« أبوعمار». قال لـ«أبو اللطف»: أنت تبقى أخانا. في حين وصف الذين يحكمون قبضتهم على غزة.. وهم أيضا رفاق سلاح بل وفي طليعة من يقاومون الاحتلال.. بصفات تؤجج الصراع مع حماس.

أبومازن حافظ على وحدة فتح بجدارة.. ويبقى وهو الأكبر سنا بين قادة فلسطين ( 74 عاما).. أن يوحد كل الصفوف وأن يتسع صدره للآخرين حتى يكتب لتاريخه السياسي النجاح وحتى ينتشل قضية وطنه من الغرق في بحر التناحر. وإن فشل.. فالعالم لو اجتمع كله.. كما قال خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز..على إقامة دولة فلسطينية، ولو حشد لها كل وسائل الدعم والمساندة.. لما قامت هذه الدولة والبيت الفلسطيني منقسم على نفسه.

إضاءة

ولد محمود عباس «أبومازن» في 26 مارس 1935 في مدينة صفد داخل الخط الأخضر في شمال الكيان الصهيوني. ورحل مع بقية أفراد أسرته إلى سوريا بعد إقامة إسرائيل عام 1948. تلقى تعليمه الثانوي في دمشق. ثم إلتحق بجامعة القاهرة لدراسة القانون. والتحق بعد ذلك بإحدى الجامعات السوفييتية في موسكو حيث حصل على شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية حول أطروحته عن «العلاقة بين قادة النازية وقادة الحركة الصهيونية». يشغل منصب رئيس اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية منذ 11 نوفمبر 2004 بعد وفاة زعيمها ياسر عرفات. ومن قبل تولى رئاسة الوزراء من مارس لغاية أكتوبر 2003، واستقال لنزاعه مع عرفات حول الصلاحيات.

حسن صابر