الخامس عشر من أغسطس عام ,1945. يوم مأساوي في تاريخ اليابان الحديث.. يوم خزي وعار على الشعب الياباني. إنه نهاية عصر كانت فيه الكلمة للسلاح، وبداية عصر صارت فيه الكلمة هي العمل والنهضة تحت مظلة السلام حتى صارت بلاد الشمس المشرقة.. أقوى دولة في العالم اقتصاديا وتقنيا بعد الولايات المتحدة.
الخامس عشر من أغسطس ,1945. هو يوم إعلان اليابان استسلامها في نهاية الحرب العالمية الثانية. فصول قصة الاستسلام.. بدأت مع تدهور آلة الحرب العسكرية اليابانية. هذه الآلة كانت العصا القاتلة لليابان قبل أكثر من نصف قرن من نهاية الحرب العالمية الثانية. ففي نهاية القرن التاسع عشر.. كانت اليابان قد صارت إمبراطورية قوية.. تلك الإمبراطورية التي تعززت قوتها بفضل الإمبراطور موتسوهيتو الذي تولى مقاليد الحكم عام 1868 وحمل عصره اسم عصر الميجي أو عصر النور.
وخلال ذلك العصر نما بين اليابانيين الشعور القومي وروح التفوق على الآخرين. كانت فريستهم في نهاية القرن التاسع عشر وبالتحديد عام 1895 هي الصين، بعدها احتل اليابانيون الجزيرة الكورية. وجاء الدور على روسيا عام 1905. غزوات يابانية متلاحقة منذ بداية القرن العشرين على الدول المجاورة، ظهرت بعدها اليابان كقوة عسكرية مخيفة بعد الحرب العالمية الأولى.
وهناك من يؤرخ للحرب العالمية الثانية، فيضع غزو اليابان لمنشوريا في شمال الصين في بداية الثلاثينات.. كفاتحة لعصر دموي سيعيشه العالم، خاصة أنه بعد عامين من هذا الغزو.. ظهر الحزب النازي في ألمانيا تحت قيادة أدولف هتلر الذي صار على درب اليابان، إذ عزز النزعة القومية عند الألمان، وعزف على وتر تفوق الجنس الآري الألماني على الآخرين من البشر.
كانت الولايات المتحدة.. تتحسب لقوة اليابان وتفوقها العسكري وطموحاتها وأطماعها الاستعمارية. لجأت واشنطن إلى مهادنة طوكيو.. وكان ذلك جليا من خلال حاولت الولايات اتفاقية واشنطن عام 1921 والتي ضمت الولايات المتحدة واليابان ومعهما فرنسا وإيطاليا وبريطانيا، ثم انضمت لاحقا الصين وبلجيكا وهولندا والبرتغال في العام التالي. ولكن اليابان وقتها لم تكبح جماحها العسكري. فقد واصلت توسعاتها العسكرية في دول الجوار.. ومن جانب آخر توطدت صداقتها مع الزعيم النازي الصاعد هتلر.
في عام 1937، شنت اليابان غزوا كاسحا للأراضي الصينيّة بدءًا بالقصف المكثف على مدينتي شنغهاي وجانزوهو.. وارتكبت ما سميت مذبحة النانكنج. ثم جاء الهجوم الياباني التاريخ على ميناء بيرل هاربر الأميركي بصورة مباغتة في 7 ديسمبر 1941. دمر اليابانيون خلالها الأسطول الأميركي للمحيط الهادي في قاعدته البحرية بالميناء الذي يقع بجزر هاواي.الهجوم أسفر عن مقتل 2403 من الجنود الأميركيين و68 من المدنيين وإغراق أو إتلاف 19 سفينة وبارجة حربية وتدمير 188 طائرة.
الهجوم الياباني كان على موجتين من 353 طائرة حربية يابانية وعدة غواصات. ولم يكن الأميركيون متأهبين للهجوم حيث كانوا قد عقدوا معاهدة سلام مع اليابان التي تجاهلتها اليابان ولم تعرها أي اهتمام. قاد الهجوم الياباني على بيرل هاربر القائد العسكري إيسوروكو ياماموتو الذي كان متحفزا لضرب أميركا.. الذي قال لقادة الأسطول.. إن مصير الإمبراطورية اليابانية معلقٌ على ضرب الأميركيين في بيرل هاربر وكل جندي ياباني عليه ألا يدخر جهدا لهذه المهمة. (هذا القائد قتل عندما أسقطت طائرته في المحيط الهادئ عام 1943 أي قبل حربين من استسلام بلاده).
الهجوم الياباني على بيرل هاربر.. كان بداية تحول في مجرى الحرب العالمية الثانية لتغسل عار العسكرية الأميركية التي تلقت أكبر ضربة عسكرية في عصرها الحديث لم تتكرر حتى الآن.
وفي عام 1942 اندلعت معركة ميداوي وانتصرت فيها الولايات المتحدة على اليابان. وهي معركة بحرية استمرت أربعة أيام. تم خلالها إغراق أربعة حاملات طائرات يابانية وإغراق طراد ثقيل وأغرقت حاملة طائرات أميركية واحدة ومدمرة واحدة. وتسببت خسارة أربعة من أسطول ناقلات الطائرات وخسارة أكثر من 200 طيار محترف في إضعاف البحرية اليابانية.
ولم تقدر اليابان على مجاراة الولايات المتحدة في بناء السفن وتدريب الطيارين لإيجاد بديل. وعندما وهنت آلة الحرب اليابانية، قررت اليابان في نهاية الأمر أن ترسل طياريها الانتحاريين الكاميكازي وتعني الريح الإلهية، وهي فرقة صاعقة جوية انتحارية تم تشكيلها خلال الشهر الأخير من الحرب العالمية الثانية.
ولكن كان التحالف المناهض للمحور الذي ضم اليابان وألمانيا وايطاليا قد استطاع تحقيق انتصارات ساحقة في أوروبا.. في وقت تراجعت فيه قوة اليابان إلى أبعد الحدود. وجاءت الضربة الأميركية القاضية والمتمثلة في قنبلتين ذريتين ألقيتا على مدينتي هيروشيما وناجازاكي في 6 و9 أغسطس 1945.
وبعد أقل من أسبوع أعلن إمبراطور اليابان هيروهيتو بنفسه استلام بلاده في الحرب. وتم التوقيع رسميا على الاستسلام في الثاني من سبتمبر 1945، وصارت اليابان في قبضة الأميركيين حتى جاءت معاهدة التحالف والحماية العسكرية عام 1951، التي كانت بداية عهد جديد في العلاقات.
إضاءة
فرضت أميركا على اليابان بعد الحرب تعديلات شاملة في النظام السياسي والاقتصادي والعسكري وصاغت لها دستورا وفرضت على اليابان عدم التسلح. ولكن اليابان المهزومة، نهضت من خلال مبدأ يوشيدا نسبة إلى رئيس الوزراء الياباني شوغيرو يوشيدا الذي حكم كرئيس للوزراء لخمس مرات من 1946 إلى 1954 وأسس لنهضة سميت بالمعجزة اليابانية التي تجلت ملامحها في بداية الستينات، والتي جعلت من اليابان فيما بعد ثاني قوة اقتصادية بعد الولايات المتحدة.