سيطرت حالة من الترقب المشوب بالحذر الشديد، مغلفة بسياج من الأمنيات على المتابعين للشأن الفلسطيني مع عقد المؤتمر السادس لحركة فتح في مدينة بيت لحم، والذي حملت خلاله كلمة الرئيس محمود عباس «أبو مازن» الكثير من الأطروحات والتوصيات الجديدة على الصعيدين الداخلي والخارجي فيما يخص القضية الفلسطينية في مجملها وهو ما دفع الكثير من المراقبين إلى التأكيد على أن اللحظة التي تعيشها القضية لحظة حرجة بل تعد أكثر اللحظات حرجا وصعوبة في تاريخها تحتاج من خلالها إلى تحركات مختلفة وجديدة لمواجهة الاستحقاقات الصعبة التي تنتظرها داخليا وخارجيا.
ويتزامن عقد المؤتمر السادس لحركة فتح مع تحديات كبيرة تواجه المؤتمر، داخلية وخارجية وأزمات مركبة سببها عدم عقد المؤتمر منذ سنوات طويلة، وفى ظل أزمات متعددة يعانى منها النظام السياسي الفلسطيني ذاته، أزمة شرعية، وأزمة أداء وقدرة، وأزمة تكيف وأزمة استقلالية وأزمة قياده ومؤسسات. كما يعقد المؤتمر في ظل انقسام سياسي فلسطيني غير مسبوق، وتحديات مصيرية على مستوى القضية الفلسطينية، لعل أبرزها هذه الحكومة اليمنية المتشددة في إسرائيل والتي ترفض خيار الدولة الفلسطينية، وتشترط يهودية الدولة، وترفض أي تطبيق للقرار 194 الخاص باللاجئين الفلسطينيين أو البحث في مصير القدس، وبالتالي إذا لم تنتصر فتح على نفسها وأزماتها وتحدياتها، وكما يرى المراقبون، فسوف تكون التداعيات كارثية.
الإخفاق والفشل ... في البداية، يرى رئيس تحرير ملف الأهرام الاستراتيجي الدكتور هاني رسلان أن خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس «أبو مازن» قد اعترف بجوانب الفشل والإخفاق التي ظهرت في حركة فتح، وذهب بعيدا إلى حد القول بأن «فتح تعرضت لمحاولات شرسة لشطبها من على الساحة الفلسطينية الدولية، وبقائها الآن يمثل معجزة»، معتبرا أن هذا القول وإن كان يهدف إلى الاعتراف بالأخطاء تجنبا للمحاسبة التي يسعى لها المتآمرون على الحركة، إلا أنه أفصح عن الضعف الهائل الذي لحق بحركة فتح وقدرتها على التعبير عن آمال الشعب الفلسطيني. وأشار رسلان إلى عدة ملاحظات أظهرها خطاب الرئيس أبو مازن منها أن الأجنحة المختلفة داخل حركة فتح لم يعد يجمع بينها سوى العداء لحماس، معتبرا أن ذلك تدهور خطير يؤكد أن حجم الانقسام في السلطة الفلسطينية أصبح عميقا للغاية حيث إن فتح أو حماس وأي حركات أخرى غيرهما من المفترض فيها أنها حركات تحرر وطني ولهم عدو واحد ومحدد هو الاحتلال الإسرائيلي.
وتابع «إن الشكوك التي يتم تبادلها داخل أروقة المؤتمر حول عدم حل مشكلة أعضاء حركة فتح في غزة كان مقصودا به بشكل غير مباشر عدم تصعيد بعض القيادات المنتمية في القطاع إلى الصفوف القيادية في الحركة، وقد تجلى ذلك في إعلان محمد دحلان عدم ترشيح نفسه في أي موقع وتهديد البعض الآخر بالانسحاب من المؤتمر».
وأشار إلى أن المناقشات الهامة التي شهدها المؤتمر وإدخال نص يقول «بعدم تولى أي شخص من الحركة لمنصب وزاري أو برلماني في أجهزة السلطة» كان يهدف إلى الفصل بين الدورين النضالي والإداري الذين كانت تقوم بهما حركة فتح في وقت واحد مما ساعد على انتشار الفساد وتدهور الحركة وتراجعها عن دورها التحريري بعد أن كادت تتحول إلى جهاز سلطة بشكل كامل.
وأكد رسلان أن هذه القضايا وغيرها لعبت دورا أساسيا خلال المؤتمر، وفى النتائج التي تمخضت عنه، مشددا على أن محورية المؤتمر تتأتى من التوقعات التي سادت قبل عقده بأن يصدر عنه قرارات تنهي الصراع الفلسطيني ـ الفلسطيني وتصب في اتجاه إنهاء هذا الانقسام، منبها إلى أنه إذا لم يتحقق ذلك نتيجة إنعقاد المؤتمر، فسيؤدي ذلك إلى كارثة على محمل الأوضاع الفلسطينية والدولة المستقبلية.
ووصف رسلان الإدانة الإسرائيلية المكثفة لطرح المؤتمر خيار المقاومة كأحد الخيارات المطرحة بأنه تصعيد إسرائيلي، لكنه تصعيد إعلامي يهدف إلى كسب بعض النقاط في الجدل الدائر حول تعنت إسرائيل ومواقفها السلبية من الضغوط الأميركية للتسوية.
لا جديد في خطاب أبو مازن
ومن جانبه، قال خبير الشؤون الفلسطينية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية الدكتور عماد جاد «إن خطاب الرئيس الفلسطيني «أبو مازن»، لم يأت بأي جديد يمكن التعويل عليه في تحديد شكل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي في الفترة المقبلة سواء من ناحية التصعيد أو الهدوء»، مشيرا إلى أن الخطاب أكد على حق المقاومة إلى جانب المفاوضات أو كما قال «المفاوضات مع الاحتفاظ بحق المقاومة» وهذا هو برنامج حركة فتح الأساسي.
وأضاف «أنه لا يمكن التكهن بما سيحدث بين فتح وحماس الآن وإنما ستتضح الصورة أكثر بانتهاء أعمال المؤتمر »، لافتا إلى أن المؤتمر السادس لحركة فتح يشهد انقسامات شديدة قد تنتهي بفشل كبير في المؤتمر.
وعلى صعيد الخلافات بين فتح وحماس والتحركات التي قامت بها الأخيرة بمنع أعضاء من فتح بحضور المؤتمر، قال الدكتور عماد جاد «إن ذلك التحرك يعد تصعيدا جديدا في شكل كبير جدا على الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني وقد يؤدى إلى إنهائه.
ايجابيات.. لا سلبيات
ومن جانبه، يرى رئيس وحدة العلاقات الدولية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام الدكتور جمال عبد الجواد أن مجرد انعقاد المؤتمر السادس لحركة فتح بعد 20 سنة من تأجيله يعد علامة ايجابية على أن فتح قبلت التحدي التنظيمي المترتب على انعقاد المؤتمر، مشيرا إلى أن قرارات الحركة طوال الـ 20 عاما الماضية كان يتم اتخاذها بشكل انفرادي أضرت بمكانة حركة فتح وحرمتها من أن تكتسب شرعية المؤتمرات.
وقال عبد الجواد «إن مجرد أن تتمكن فتح من الكف عن التهرب من عقد هذه المؤتمرات وقيامها بعقد المؤتمر في ظروف غير مواتية تبدأ بالانقسام الفلسطيني، وعدم سماحها بأن يعطل هذا الإنقسام المؤتمر وكذلك غياب أعضاء فتح المقيمين في غزة بسبب اعتراض سلطة حماس على مشاركتهم في المؤتمر، كلها أمور تحسب لحركة فتح».
واعتبر أيضا أن تمديد أعمال المؤتمر يعد أمرا ايجابيا وليس سلبيا، وقال «أنه يعكس حجم الآراء المتعددة داخل المؤتمر، ولكنه أيضا يعكس في الوقت نفسه التأكيد على أنه مؤتمر ليس شكليا وأن هناك مناقشات جادة تجرى داخل أروقته».
ورفض الدكتور جمال عبد الجواد وصف اعترافات الرئيس محمود عباس «أبو مازن» بضعف حركة فتح على أنها تفسيرات سوداوية، مؤكدا على أنها نوع من نقد الذات المرغوب ولا يمكن أن يؤاخذ عليه، مشيرا إلى أن أبو مازن ليس السبب في الضعف الذي وصلت إليه الحركة على مدار الـ 20 سنة الماضية، كما رفض عبد الجواد تحميل الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات تلك المسؤؤلية مكتفيا بالقول «إنها حدثت نتيجة تداعي المشكلات على حركة فتح».
وأكد أن توجهات الرئيس أبو مازن الجديدة جاءت نتيجة رغبته في تقديم صياغة جديدة للقضية الفلسطينية وفى ظل محاولاته التكيف مع الأوضاع على الأرض التي أصبحت عقبة أساسية في تطبيق البرنامج السياسي الفتحاوي الذي وضع قبل 20 عاما والذي كان يتحدث عن تحرير كامل التراب الفلسطيني وبالتالي كان لابد على أبو مازن، كما قال، التأكيد في خطابه على مشروعية المقاومة إلى جانب العمل التفاوضي.
وقال الدكتور جمال عبد الجواد «إنه في جميع الأحوال فإن المعيار الأساسي بشأن الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي هو الوحدة والتماسك في الصف الفلسطيني ومدى قدرة فتح على لم الشمل بين الفصائل الفلسطينية»، معتبرا أن هذه اللحظة من أكثر اللحظات حرجا في تاريخ القضية الفلسطينية، وسنرى ما إذا كانت قيادات فتح تستطيع الخروج بتسوية مع قيادات الفصائل الفلسطينية أم لا؟، وما إذا كانت ستستطيع أن تنهى مظاهر الترهل التنظيمي لمنظمة التحرير الفلسطينية أم لا ؟
ونبه إلى أنه إذا ما نتج عن المؤتمر المزيد من الإنقسامات داخل فتح أو داخل الجبهة والسلطة الفلسطينية الرسمية فإن ذلك سيضعف بشده موقف القيادة الفلسطينية متمثلة في محمود عباس «أبو مازن » خلال تفاوضه مع الجانب الإسرائيلي.
مسيرة
نبذة عن فتح
قادت فتح العمل المسلح بعد حرب 67 وبمشاركة منظمات يسارية وماركسية مثل الجبهة الشعبية والديمقراطية. وازدادت شعبيتها وتمويلها لتقود منظمة التحرير الفلسطينية. اتهمت فتح لعدة سنوات بالتطرف خاصة بعد عملية اختطاف الفريق الاولمبي الإسرائيلي في ميونخ وغيرها من العمليات التي نفذتها منظمة أيلول الأسود التي كانت تعمل تحت لواء فتح، وسرعان ما تم تفتيت أيلول الأسود لتعود فتح إلى نشاطها السياسي والدبلوماسي. واستطاع أبو جهاد خليل الوزير من قيادات فتح الذي كان مسؤولاً عن القطاع الغربي أي الأراضي المحتلة إنشاء خلايا في الداخل.
إضاءة
قال خبير الشؤون الفلسطينية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية الدكتور عماد جاد «إن خطاب الرئيس الفلسطيني «أبو مازن »، لم يأت بأي جديد يمكن التعويل عليه في تحديد شكل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي في الفترة المقبلة سواء من ناحية التصعيد أو الهدوء»، مشيرا إلى أن الخطاب أكد على حق المقاومة إلى جانب المفاوضات أو كما قال «المفاوضات مع الاحتفاظ بحق المقاومة» وهذا هو برنامج حركة فتح الأساسي.