يثير عقد المؤتمر السادس لحركة فتح في بيت لحم الأسبوع الماضي «بمن حضر» شجنا كثيرا في النفس، إذ ان هذه القاعدة التي يفترض أن تكون طوق نجاة تحولت في واقعنا العربي إلى تكتيك لتمرير الجرائم، تماما مثل ربط غريق بكتل أسمنتية حتى لا تطفو الجثة فتكشف الجناة، على نحو ما كان يتم مع الفتيات المقتولات في جرائم شرف قبل عقود.
إذا لم تكن المكايدة السياسية والسعي لإسقاط عضوية أناس أصبحوا عبئا على توجهات القيادة الحالية للحركة دون تصويت هما السبب، فإني لا افهم مبررا مقنعا للعجلة في عقد المؤتمر بهذا الحضور وفي هذه الظروف، حيث يحرم عقده في مدينة شبه محتلة شرائح فلسطينية كثيرة من أن يكون لها تمثيل حقيقي، أو على الأقل يمنح المحتل فرصة غير مسبوقة لتحديد من يحضر ومن لا يحضر خاصة من كوادر الخارج الذين يمثلون شوكة في ظهره.
حماس هي الأخرى دخلت على خط من يحدد حضور المؤتمر فاستخدمت كوادر فتح ورقة مساومة للإفراج عن أعضائها المعتقلين لدى السلطة، وكان من الطبيعي ألا تسمح الحكومة المقالة لمن منعتهم بالمشاركة عبر الفيديو كونفرنس من غزة.
وبعدما كان عرفات مظلة تجمع تحتها كل تلاوين الحركة وأطيافها السياسية رغم خلافاتها، وجد محمود عباس نفسه مجرد قائد لجناح فيها، يعتبره الغرب جناح اعتدال، ويتهمه كثير من الفلسطينيين بأنه «جناح تنازلات» ولذلك فإن الغيورين على تاريخ الحركة وإرثها النضالي، يخشون من أن يكون المؤتمر بداية شق لصفوف التنظيم الذي يشكل الثقل الرئيسي في الساحة الوطنية الفلسطينية. لقد كان أجدى للحركة أن يتم الانتظار حتى تتهيأ الظروف المناسبة لعقد مثل هذا المؤتمر خاصة وانها انتظرت منذ عام 1988.
ما جرى يثبت أن السلطة نجحت بامتياز في افقاد الحركة الوطنية الفلسطينية ما كانت تتميز به عن الأنظمة العربية الأخرى من التعايش مع الاختلاف في الرؤى والاجتهادات الوطنية، فأصبحت تتحين الفرص لعزل من يختلف معها وإقصائه وإسكات صوته وهذا يكرس حقيقة مفادها ان السلطة نسيت كونها حركة تحرر، وأخذت تحاول توطيد أركان حكم مجافاة للواقع الذي يسلب منها حتى الآن الضلعين الأهم من مثلث الدولة وهما الأرض والسيادة، لذلك فإنه لم يكن مناسباً كسر الضلع الثالث والوحيد.