تفيد وقائع جولة جورج ميتشيل (المبعوث الأميركي لعملية السلام في الشرق الأوسط)، والتي شملت إضافة إلى قادة إسرائيل والسلطة الفلسطينية قادة كل من الإمارات وسوريا ومصر، بأن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما مصممة على إحداث اختراقات جدية في عملية التسوية وحلحلة الصراع العربي ـ الإسرائيلي على كافة المسارات، أي الفلسطينية والسورية واللبنانية.
ومعلوم أن هذه الجولة تزامنت مع زيارة عدد من أركان الإدارة الأميركية للمنطقة، مثل روبرت غيتس (وزير الدفاع)، وجيمس جونز (مستشار الأمن القومي) ودينيس روس (مستشار الرئيس)، فيما يشبه هجمة سلام أميركية ـ دبلوماسية في الشرق الأوسط.
وفي هذا الإطار ثمة تسريبات تفيد بأن إدارة أوباما تستعد في المرحلة القريبة المقبلة لإحياء عملية التسوية، على كافة الأصعدة (بين إسرائيل من جهة والفلسطينيين والسوريين واللبنانيين من الجهة المقابلة). وأن جورج ميتشيل (المبعوث الأميركي للشرق الأوسط)، أبلغ الرئيس محمود عباس (الذي التقاه في رام الله مؤخرا) بأن الرئيس أوباما يُعد لإطلاق مبادرة بشأن المفاوضات الفلسطينية ؟ الإسرائيلية، في سبتمبر(أيلول) المقبل.
وبحسب تقرير كان نشره شمعون شيفر فإن «الإدارة الأميركية تعتزم عقد مؤتمر دولي» لاستئناف عملية التسوية، «بمشاركة دول عربية معتدلة والإعلان عن خطوات تطبيع تتخذها هذه الدول تجاه إسرائيل.» («يديعوت احرونوت» 5/7) بل إن أزولاي كاتس (مراسل يديعوت أحرونوت في واشنطن) تحدث (في تقرير نشره يوم 19/7) عن توقّع قيام ميتشيل بعرض إطار عمل وجداول زمنية ملزمة على الفلسطينيين والإسرائيليين.
سياسة أميركية جديدة
ويؤكد هذا التصميم، أيضا، بأن إدارة أوباما تتبنى في مواقفها وتحركاتها الشرق أوسطية قناعات جديدة مغايرة تماما لتلك التي كانت تتبناها إدارة بوش المنصرفة، ضمنها القناعة بأن الصراع العربي ـ الإسرائيلي هو بمثابة القوة الدافعة لمجمل الأزمات الشائكة في المنطقة، وأن حل هذا الصراع يمكن أن يمهّد لحل الأزمات الأخرى، أو يبرّدها، على الأقل (من العراق إلى لبنان وإيران)؛ ما يفيد الولايات المتحدة ويمكنها من التفرغ لمواجهة باقي الأزمات والتحديات، لاسيما منها الأزمة الاقتصادية، ومواجهة تزايد نفوذ طالبان في أفغانستان وباكستان، وتحجيم الطموح الإيراني بامتلاك قوة نووية.
وضمنها، أيضا، أن الرئيس اوباما عاقد العزم على دفع جميع الأطراف لإطار معين للتسوية في الشرق الأوسط في النصف الأول من ولايته، وليس في أخرها (كما جرى في الإدارتين السابقتين). وهذا ما يفسّر أن عديد من أركان الإدارة الأميركية (من الرئيس إلى نائبه جو بايدن إلى وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون) أدلوا بتصريحات بشأن أن الإدارة الأميركية لن تنتظر طويلا، وأن على الأطراف المعنية الاستفادة من عامل الوقت، لا تعمّد تضييعه (كما جرى سابقا).
وكما بات معلوما فإن إدارة أوباما تتحرك في ذلك من وجود أرضية للاتفاق، على مختلف المسارات، كانت ورثتها من إدارة كلينتون (لاسيما بما يتعلق بالمسارين الفلسطيني والسوري)، وهي أرضية تعتقد الإدارة الأميركية الحالية بأنه يمكن الانطلاق منها والبناء عليه كسبا للوقت.
فوق كل ذلك، فما يميز إدارة أوباما، أيضا، عن غيرها من الإدارات السابقة، أن هذه الإدارة لديها القناعة السياسية بضرورة الحسم في عملية التسوية، وترى ضرورة إنفاذ ذلك على مختلف المسارات، بمعنى إنها تتبنى فكرة التسوية الشاملة، ولو تطلب ذلك إبداء الضغط على إسرائيل، بالنظر للعوائد الايجابية لذلك على مكانة الولايات المتحدة وسياساتها في المنطقة وفي العالم، وهي قناعة تكونت على ضوء التجربة السابقة، وتكرست بحكم الإخفاقات والكوارث التي لحقت بالسياسة الأميركية في الشرق الأوسط على أكثر من صعيد (في عهد بوش).
وما يفيد هذه الإدارة، أيضا، تماسك أركانها، ووجود نوع من الإجماع الداخلي (بين الديمقراطيين والجمهوريين) بشأن ضرورة إحداث تغييرات في السياسة الخارجية، لتحسين صورة أميركا، وتعزيز وضعها في العالم؛ وهو ما قيد وأربك تحركات اللوبي اليهودي المؤيد للسياسات الإسرائيلية.
ويلخص بن كسبيت الوضع بالكلمات التالية: «واشنطن تغيرت. قواعد اللعبة اختلفت. أميركا تتحدث بصوت واحد ولا احتمالية لمخادعتها ورواية الخرافات لها. وصلنا للأمر الحقيقي..بيبي استيقظ إما أن تكون في طرفنا أو لا تكون.» («معاريف» 25/6).
رؤية أوباما للتسوية
معلوم أن سياسة أوباما بشأن التسوية في الشرق الأوسط تتركز على عدة دعائم، أهمها، ضرورة وقف إسرائيل لأنشطتها الاستيطانية بدون استثناء (بما في ذلك في القدس الشرقية)، وإلغاء الحواجز وتحسين حياة الفلسطينيين، وإنفاذ حل الدولتين، بإقامة دولة مستقلة وقابلة للحياة لهم. كما تحاول إدارة أوباما تحسين العلاقات مع سورية في إطار سعيها لتفعيل الملف التفاوضي السوري ـ الإسرائيلي، وكذا اللبناني ـ الإسرائيلي، وتشجيع الحكومات العربية على القيام بما تسميه بخطوات شجاعة باتجاه إسرائيل، أي القيام بخطوات تطبيعية معها لتشجيعها على السير في عملية التسوية.
وكما قدمنا فإن الإدارة الأميركية تحبّذ إطلاق التسوية على كافة المسارات بالتوازي: القناة السورية - الإسرائيلية، القناة الفلسطينية - الإسرائيلية والقناة اللبنانية - الإسرائيلية.
وبحسب التسريبات الصحافية الإسرائيلية فإن «الرئيس الأميركي بعث برسائل لسبعة زعماء عرب في الشرق الأوسط على الأقل، طالبهم فيها بخطوات لبناء الثقة تجاه إسرائيل كي تتمكن الإدارة الأميركية من الضغط عليها لتجميد البناء في المستوطنات..
وبالتوازي مع هذه الرسائل انطلق أيضا المبعوث الأميركي جورج ميتشل لعقد لقاءات مع بعض من الزعماء العرب مارس فيها عليهم الضغط لاتخاذ خطوات في هذا الشأن.»(ايتمار آيخنر «يديعوت احرونوت»، 2009728) ومن بين مبادرات الثقة والتطبيع التي جرى بحثها منح إسرائيل حقوق تحليق جوي وتبادل مكاتب لرعاية المصالح التجارية ونشاطات ثقافية وتعليمية متبادلة.
وكان ميتشيل أكد علنا ذلك عقب لقائه الرئيس المصري حسني مبارك في القاهرة مؤخرا، بقوله: «عندما أقول سلاما شاملا، أعني بذلك سلاما بين إسرائيل والفلسطينيين، وبين إسرائيل وسوريا، وبين إسرائيل ولبنان، وتطبيعا شاملا في العلاقات بين إسرائيل ودول المنطقة..نحن لا نطلب من أحد أن يقوم بالتطبيع الكامل في هذه المرحلة على أن يأتي ذلك من خلال عملية السلام«، وهي تصريحات تنسجم مع ما طرحه الرئيس الأميركي باراك اوباما في هذا المجال.
ماذا بعد؟
ويتضح من كثافة التحركات الأميركية في المنطقة بأن إدارة أوباما تدرس خطواتها جيدا، وتعمل على تهيئة الأرضية المناسبة لإطلاق عملية التسوية وتهيئة أسباب نجاحها؛ انطلاقا من الخبرة السابقة في هذا المجال، لاسيما أنها تدرك مدى قدرة إسرائيل على التملص من الالتزامات والتلاعب بالقضايا.
وفي هذا الإطار يمكن فهم الجولات المكوكية التي بات يقوم بها جورج ميتشيل في المنطقة، إضافة إلى غيره من المسؤولين الأميركيين، والتي يتخللها مباحثات مع قادة إسرائيل، وقادة المنطقة، بشأن تدوير الزوايا، ووضع إجابات مناسبة لمختلف الأطراف بشأن القضايا والتعقيدات المطروحة.
على أية حال فإن الخبرة السابقة تؤكد بأن طريق الإدارة الأميركية لن يكون سهلا البتة، فثمة إسرائيل التي لديها اعتبارات وشروط أخرى للتسوية ضمنها الاعتراف بها كدولة يهودية وضمان بقاء القدس موحدة تحت سيادتها وحث التطبيع مع الدول العربية وإقامة ترتيبات أمنية مناسبة لها.
وبالمقابل فثمة أطروحات عربية مختلفة عن ذلك تماما ضمنها إبلاء الأولوية لانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وقيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وحل مشكلة اللاجئين وفق منطوق القرار 194. وفوق هذا وذاك ثمة مداخلات إقليمية مختلفة، ضمنها وضع إيران، والقوى المتضررة من عملية التسوية والوضع غير الواضح في العراق.
الآن يبدو أن ثمة إدارة أميركية تعرف ما تريد، والباقي على الأطراف الأخرى؛ فهل يدرك العرب ما يريدون؟ وهل إسرائيل معنية بالتجاوب من السياسة الأميركية؟
إضاءة
الخبرة السابقة تؤكد أن طريق الإدارة الأميركية لن يكون سهلا البتة، فثمة إسرائيل التي لديها اعتبارات وشروط أخرى للتسوية ضمنها الاعتراف بها كدولة يهودية وضمان بقاء القدس موحدة تحت سيادتها وحث التطبيع مع الدول العربية وإقامة ترتيبات أمنية مناسبة لها.
وبالمقابل فثمة أطروحات عربية مختلفة عن ذلك تماما ضمنها إبلاء الأولوية لانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وقيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وحل مشكلة اللاجئين وفق منطوق القرار 194. وفوق هذا وذاك ثمة مداخلات إقليمية مختلفة، ضمنها وضع إيران، والقوى المتضررة من عملية التسوية والوضع غير الواضح في العراق.
ماجد كيالي