من الأحداث السياسية المهمة خلال الأيام القليلة الماضية زيارة نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن لكل من جورجيا وأوكرانيا، هذه الزيارة التي تأتي بعد أيام قليلة من زيارة الرئيس الأميركي أوباما لروسيا وتصريحاته التي أكد فيها سعيه الجاد لتحسين العلاقات بين موسكو وواشنطن وحل الخلافات القائمة بينهما، وهي ليست قليلة على حد تعبير الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف في المؤتمر الصحافي الذي جمعه بالرئيس أوباما في موسكو.
زيارة بايدن ... زيارة نائب الرئيس الأميركي بايدن لجورجيا وأوكرانيا جاءت بمثابة طوق نجاة للنظامين الحاكمين في البلدين، وخاصة الرئيسين الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي والأوكراني فيكتور يوشينكو اللذين يعانيان بشدة من تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية في بلديهما ويواجهان معارضة قوية حزبية وشعبية تطالب بعزلهما، كما تأتي زيارة بايدن في توقيت ملفت للنظر. حيث جاءت قبل أيام قليلة من الذكرى السنوية الأولى للمغامرة الطائشة التي قام بها النظام الجورجي في الثامن من أغسطس من العام الماضي بالهجوم العسكري الغاشم على مدينة تسيخنفالي في جمهورية أوسيتيا الجنوبية، هذا الهجوم الذي أسقط نحو ألف وخمسمئة قتيل معظمهم من النساء والأطفال ودمر المنازل والمباني وشرد آلاف الأسر، ولم تكن روسيا لتقف صامتة أمام هذا العدوان الغاشم.
حيث تدخلت القوات العسكرية الروسية لدحر العدوان الجورجي الغاشم وقهر القوات الجورجية المعتدية وإجبارها على الانسحاب ومطاردتها داخل أراضيها، لتلقن موسكو ساكاشفيلي درساً قوياً وتكشف للعالم أجمع مدى تآمر البعض ضد روسيا، حيث ثبت للعالم كله مدى الدعم الأميركي والإسرائيلي لنظام ساكاشفيلي لحثه على التحرش بروسيا وجرها لنزاعات وحروب تلهيها عن المضي قدماً في التطور واستعادة قوتها ومكانتها على الساحة الدولية.
زيارة جوزيف بايدن لجورجيا وأوكرانيا أعطت جرعة معنوية لنظامي الحكم في البلدين وشجعتهما على إعادة عزف السيمفونيات المشروخة الممتلئة بالشكاوى والنقد لروسيا واتهامها بالجبروت والنوايا الإمبراطورية واختراق سيادة أراضي جيرانها الصغار، وعاد النظامان المتهاويان يدعوان الغرب للتدخل لإنقاذ بلديهما من وحشية الكريملين.
السلاح أولاً
أوكرانيا لم تزيد في طلباتها من واشنطن على أكثر من دعمها للحصول على عضوية حلف الناتو والاتحاد الأوروبي إلى جانب توجهها للغرب من خلال واشنطن تطلب منه إدانة سياسة موسكو التي يتهمها الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو بأنها تتدخل في الشؤون الداخلية لبلاده وتدعم المعارضة الأوكرانية ضده.
أما جورجيا فقد كانت طلباتها واضحة وصريحة وفي نفس الوقت جريئة ومستفزة، فقد طلب الرئيس ساكاشفيلي من نائب الرئيس الأميركي بايدن أن تقوم واشنطن بتزويد جورجيا بالسلاح حتى تستطيع الدفاع عن أراضيها ضد التهديدات التي تواجهها، وبالطبع يقصد ساكاشفيلي روسيا، هذا الطلب الصريح والجريء من ساكاشفيلي أثار المعارضة الشعبية الثائرة منذ أشهر ضده في جورجيا، فقد كان الشعب الجورجي الذي يعاني بشدة من الأزمة الاقتصادية ويواجه ظروفاً أصعب مما يواجهه غيره من البلدان الأخرى يتوقع من رئيسه أن يطلب من واشنطن مساعدات اقتصادية ومالية، وليس السلاح لخوض حرب جديدة ضد الجارة الكبيرة روسيا التي يعتمد عليها الاقتصاد الجورجي اعتماداً كبيراً ويعمل على أراضيها أكثر من مليون من مواطني جورجيا يرسلون كل عام لوطنهم وأهاليهم في جورجيا أكثر من مليارين من الدولارات بطرق قانونية وغير قانونية.
تصريحات نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن خلال زيارته إلى العاصمة الجورجية تبليسي، والتي أعلن فيها أن تحسين العلاقات بين واشنطن وموسكو لن يكون على حساب وحدة أراضي جورجيا، وتأكيده أن بلاده لن تعترف باستقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وتدعو موسكو إلى احترام قرار واشنطن وسحب قواتها من الأراضي الجورجية.. لم تكن السبب وراء ردود فعل موسكو العنيفة، ولم تستفز القيادة الروسية كما استفزتها تصريحاته في البرلمان الجورجي، والتي أكد فيها أن الولايات المتحدة تعمل على تعزيز قدرة الجيش الجورجي، وجدد دعم بلاده لانضمام جورجيا إلى حلف الناتو.
رد فعل موسكو
وقد كانت ردود الفعل الروسية حادة بشكل تدريجي، حيث اختتمها ديمتري راجوزين ممثل روسيا الدائم لدى حلف الناتو، بإطلاق تهديد بفرض عقوبات على الشركات الأميركية التي ستقوم بتزويد القوات الجورجية بالأسلحة والمعدات العسكرية.
زيارات بايدن إلى جورجيا وأوكرانيا وتصريحاته تعبير عن التوازن داخل البيت الأبيض الأميركي، حيث ما زال الاتجاه الجمهوري المتشدد متواجداً داخل الحكومة الأميركية والبيت الأبيض، ويرفض التراجع عن برنامج جورج بوش باعتباره السبيل الأمثل للخروج من الأزمة المالية، عبر زيادة حجم الإنتاج والتسويق للمعدات العسكرية، وهو أيضاً أداة لفرض النفوذ الأميركي على منابع الطاقة في العالم.
والتوازن المقصود به هو خطوات التفاهم التي قطعها أوباما مع روسيا على تواضعها، إذ كان لا بد للإدارة الأميركية أن تلوح بعصا غليظة للقيادة الروسية، بهدف إيصال رسالة للكرملين بأن واشنطن ليست مستعدة لقبول سياسات موسكو في المنطقة، وعلى القيادة الروسية إعادة النظر في العديد من إجراءاتها والبحث عن تسوية ترضي الطرف الأميركي.
وقد حرص نائب الرئيس الأميركي في أوكرانيا وجورجيا على تجديد تمسك واشنطن بدعم قيادتي البلدين المعارضتين لسياسات موسكو في مناطق الفراغ السوفييتي السابق، مؤكداً أن الولايات المتحدة لا تعترف بوجود أية مناطق نفوذ لدول كبرى، وعلى أنه لا يحق لأي أحد أن يفرض إرادته على دول أخرى في ما يخص اختيار الأحلاف التي ترغب هذه الدول في الانضمام إليها.
ويبدو من هذه اللهجة الحادة، أنها محاولة لاستعادة بعض المكاسب التي حصلت عليها موسكو من زيارة أوباما، ولعل أهمها هو التعامل مع ملف الدرع الصاروخية كجزء من ملف الأسلحة الاستراتيجية.
الرئيس المرفوض
ويمكن القول إن التباين في المواقف داخل الإدارة الأميركية أصبح واضح المعالم، وبالرغم من أنه لا يعبر عن خلافات جوهرية، إلا أن اختلاف الأساليب، والذي نلمسه في برنامج أوباما، بات أمراً حيوياً لصيانة أمن واستقرار المجتمع الدولي.
ولا شك أن الملف الجورجي أكثر سخونة من ملف أوكرانيا، بعد أن غادرت بعثة المراقبين العسكريين التابعة للأمم المتحدة أبخازيا، والتي كانت تضم 120 مراقباً عسكرياً. وأعقبها رفض أبخازيا لتواجد القوات الأميركية ضمن بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة منطقتي النزاع، باعتبار أن خطة «ميدفيديف ـ ساركوزي» لتسوية النزاع في المنطقة لا تنص على ذلك، بل وأصبح من الصعب بحث ملف انضمام جورجيا لحلف الناتو، وفق أنظمة ولوائح الحلف.
حيث يرفض حلف شمال الأطلسي منح عضويته لدول تشهد اضطرابات داخلية أو تتواجد على أراضيها قوات أجنبية، وهو ما يؤدي لتعقيد وضع جورجيا في هذا السياق، إضافة لضعف قدراتها العسكرية، والتي أخذت واشنطن على عاتقها مهمة تطويرها وتسليح الجيش الجورجي، حتى يصل إلى المستوى الذي يستجيب لمتطلبات الحلف، ومساهمته في تعزيز القوة العسكرية للناتو.
من المتوقع ألا توافق واشنطن على طلب ساكاشفيلي بإمداده بالسلاح لخوض مغامرة طائشة جديدة ضد روسيا لا تحمد عقباها، فقد سقطت صورة ساكاشفيلي في الغرب تماماً بعد أن أدانه الأوروبيون واتهموه بإشعال حرب لا مبرر لها في القوقاز، ولهذا لم يدرج اسم ساكاشفيلي ضمن قائمة المدعوين لملتقى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو الأخير بينما دعي له نظيره الأوكراني يوشينكو، مما يعني أن ساكاشفيلي أصبح ورقة محروقة عند الغرب، ولا يتوقع أن تدعم واشنطن ساكاشفيلي، وهذا ما صرح به مستشار الرئيس أوباما لشؤون الأمن القومي «أنتوني بلينكين» الذي أكد أن واشنطن لن تعطي لجورجيا سلاح ولكنها ستقوم بتدريب القوات الجورجية التي ستتوجه إلى أفغانستان.
إضاءة
تصريحات نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن خلال زيارته إلى العاصمة الجورجية تبليسي، والتي أعلن فيها أن تحسين العلاقات بين واشنطن وموسكو لن يكون على حساب وحدة أراضي جورجيا، وتأكيده أن بلاده لن تعترف باستقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وتدعو موسكو إلى احترام قرار واشنطن وسحب قواتها من الأراضي الجورجية.. لم تكن السبب وراء ردود فعل موسكو العنيفة، ولم تستفز القيادة الروسية كما استفزتها تصريحاته في البرلمان الجورجي، والتي أكد فيها أن الولايات المتحدة تعمل على تعزيز قدرة الجيش الجورجي، وجدد دعم بلاده لانضمام جورجيا إلى حلف الناتو.
د. مغازي البدراوي