تضاربت التصريحات الإسرائيلية في الآونة الأخيرة بشأن استئناف المفاوضات على المسار السوري، وبعدما سربت الصحف التركية طلب إسرائيل إلغاء دور الوساطة التركية والجهود التي تبذلها أنقرة من أجل استئناف المفاوضات غير المباشرة مع سوريا واستبدالها بوساطة أذربيجانية أو يونانية، عاد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو ليعلن ان تركيا هي الوسيط الشرعي في المحادثات بين سوريا وإسرائيل.

وقبل أيام من التسريبات الإعلامية التي طالبت من خلالها إسرائيل استبدال الوساطة التركية، وافقت لجنة خاصة تابعة للكنيست الإسرائيلي على المضي قدما بمناقشة مشروع قرار بشأن الاستفتاء على الانسحاب من الجولان، حيث يفرض مشروع القانون الإسرائيلي الجديد على أية حكومة إسرائيلية إجراء استفتاء عام قبل إعادة مرتفعات الجولان إلى سوريا في حال التوصل لأي اتفاق سلام. ووسط هذه المواقف الإسرائيلية المتناقضة كشف رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان قبيل مغادرته أنقرة متوجها إلى دمشق في الثاني والعشرين من الشهر الماضي عن «طلبات وصلت إلى أنقرة بخصوص استعادة دورها في الوساطة بين سوريا وإسرائيل»، مشيرا إلى ان «بلاده مستعدة لاستعادة هذا الدور بعد تعليق المحادثات غير المباشرة».

هدف استئناف المفاوضات ... ومابين التصريحات الإسرائيلية المتضاربة بشأن استئناف المفاوضات مع سوريا وإعلان أردوغان عن طلبات وصلت لأنقرة لاستعادة دورها في المفاوضات جاءت جولة المبعوث الأميركي الخاص بعملية السلام في الشرق الأوسط جورج ميتشيل وزيارته الثانية للعاصمة السورية والتي أكد خلالها على ان «هدف الولايات المتحدة هو استئناف مفاوضات السلام على المسار السوري الإسرائيلي»، معتبرا ان «السلام الشامل هو الطريق الوحيد لضمان الاستقرار والأمن والازدهار لكل دول المنطقة»، وسبق زيارة ميتشيل لدمشق زيارة مساعده والمسؤول عن الملف السوري فريدرك هوف ولقائه وزير الخارجية السوري وليد المعلم.

وكان هوف قد أجرى مباحثات في تل أبيب مع نتانياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي ايهود باراك وكبار المسؤولين في المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية قبيل زيارته دمشق، حيث قام هوف بجس النبض الإسرائيلي حول خطته الخاصة بعملية السلام بين سوريا وإسرائيل تحت عنوان «ترسيم الحدود بين سوريا وإسرائيل» والتي تتلخص حسب ما سربت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية أن يتم تنفيذ عملية سلام سورية إسرائيلية على مرحلتين تتمثل المرحلة الأولى ببناء الثقة بين الطرفين واستخدام مشترك للمتنزهات والمحميات الطبيعية ومصادر المياه في هضبة الجولان، فيما تقضي المرحلة الثانية بانسحاب إسرائيل من الجولان إلى الخط الحدودي الذي يقترحه هوف دون الإفصاح عن مسار هذا الخط ونهايته.

ورافق الجهود الأميركية الخاصة باستئناف المفاوضات على المسار السوري تحسنا ملحوظا في العلاقات الأميركية السورية، فبعد ساعات على مغادرة ميتشيل لدمشق أعلنت واشنطن عن تخفيف العقوبات الأميركية على سوريا وخصوصا فيما يتعلق بتكنولوجيا المعلومات ومعدات الاتصال وقطع الغيار الخاصة بسلامة الطيران المدني، وعلى الرغم من هذا التقدم إلا ان الإدارة الأميركية جددت قبل أيام العقوبات على أفراد ومؤسسات سورية متهمة من قبل واشنطن بتقويض سيادة لبنان الأمر الذي أثار الاستغراب والاستياء في الأوساط السورية.

ثوابت دمشق

ومع تضارب التصريحات الإسرائيلية الخاصة باستئناف المفاوضات مع دمشق جدد الرئيس بشار الأسد موقف بلاده القائم على ضرورة تحقيق السلام العادل والشامل وفق قرارات الشرعية الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام.

وقال الأسد في كلمة وجهها إلى القوات المسلحة السورية في الأول من أغسطس بمناسبة الذكرى الرابعة والستين لتأسيس الجيش السوري إن «السلام والاحتلال نقيضان لا يمكن ان يجتمعا»، مؤكدا ان «عودة جميع الأراضي المحتلة حتى حدود الرابع من يونيو أمر غير قابل للتفاوض أو المساومة»، مضيفا ان «الفرق كبير بين الدعوة الصادقة لإرساء أسس السلام العادل والشامل وفق قرارات الشرعية الدولية وبين القبول بالمطالب الإسرائيلية المتناقضة مع مقومات السلام تهربا من استحقاقاته».

وفي خضم هذه الأجواء استبعدت الأوساط السياسية السورية انطلاقة العملية السلمية بين سوريا وإسرائيل من جديد في وقت قريب على الرغم من مساعي الإدارة الأميركية الحثيثة لاستئناف المحادثات والجهود التي يقوم بها ميتشيل من خلال جولاته في المنطقة.

وأرجعت هذه الأوساط عدم حدوث أي اختراق فيما يخص المسار السوري إلى التعنت الإسرائيلي والعراقيل المتعددة التي تضعها إسرائيل في وجه أي محاولة لاستئناف المباحثات خصوصا وان دمشق أعربت عن استعدادها أكثر من مرة لاستئناف المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها شرط الحصول على ضمانات بانسحاب إسرائيلي حتى خط الرابع من يونيو عام 1967.

وقال المحلل السياسي السوري حميدي العبدالله لـ «البيان» إن «تضارب التصريحات الإسرائيلية بشأن العملية التفاوضية مع سوريا نابع من عدم استعداد إسرائيل لمسيرة سلام جدية، فالحكومة الإسرائيلية الحالية لا تؤمن بمبدأ الأرض مقابل السلام الذي قامت على أساسه مسيرة السلام في مؤتمر مدريد»، مضيفا ان «حكومة نتانياهو تحاول ان تطلق تصريحات توحي وكأنها تريد السلام، إلا انها تدرك ان إطلاق عملية سلام جدية تتطلب اتخاذ موقف هي لن تتخذه ولذلك تهرب من هذا المأزق من خلال هذه المواقف المتناقضة».

الوساطة التركية

فيما رأى الأستاذ في جامعة دمشق مروان قبلان في حديث لـ «البيان» ان «دفع الأمور باتجاه أذربيجان مرة وباتجاه اليونان مرة أخرى هي محاولة لتشتيت الانتباه عن السلام ولتخفيف الضغط الأميركي عن إسرائيل ودفع الأمور باتجاه غير اتجاه عملية السلام»، مضيفا ان «الضغط الأميركي هو الذي جعل نتانياهو يعود ويؤكد على الوساطة التركية بعد التسريبات الأخيرة بأن الأميركيين يعولون على الدور التركي في دفع المفاوضات السورية الإسرائيلية».

وأوضح قبلان ان «المواقف الإسرائيلية الأخيرة تجاه عملية السلام مع سوريا تدل على أمرين أساسيين أولاً ان هناك تخبطا بالداخل الإسرائيلي فيما يتعلق بكيفية إفشال الجهد الأميركي الخاص بعملية السلام، وثانيا محاولة إسرائيلية لتخفيف التركيز على موضوع السلام ودفعه باتجاه التركيز على موضوع آخر معروف هو الموضوع الإيراني.

وردا على سؤال حول الارتياح السوري للزيارة الثانية التي قام بها ميتشيل لدمشق ونتيجة مباحثاته في سوريا قال العبدالله إن «هناك ثلاثة عوامل تمثل مصدر الارتياح السوري الذي ظهر بعد هذه الزيارة، العامل الأول هو تطور العلاقات السورية الأميركية والرغبة السورية جدية في تحسين العلاقات مع واشنطن، أما العامل الثاني فهو إبداء استعداد سوريا دائما انها تؤمن بالسلام كخيار استراتيجي وانها اتخذت قرار بهذا الاتجاه وهي مستعدة وقد عبرت أكثر من مرة عن صدق استعدادها لترجمة قرارها باعتماد خيار السلام إلى واقع ولذلك فهي تعتقد ان الكرة ليست في مرماها وإنما في المرمى الإسرائيلي.

أما العامل الثالث فيبرز من خلال تحدث الإدارة الأميركية لأول مرة عن أهمية السلام الشامل حيث ان سوريا منذ اتفاقات كامب ديفيد كان أحد وجوه انتقادها لهذه الاتفاقات انها لم تكن سلاماً شاملاً»، فيما بين الدكتور قبلان انه «لم يكن هناك أي اختراق يتعلق بالعملية السلمية بعد زيارة ميتشيل»، موضحا ان «هذا الاختراق يجب ان يحصل عند الطرف الإسرائيلي لأن سوريا اوضحت أكثر من مرة انها غير مهتمة لا بعملية السلام ولا بمؤتمر سلام إذا لم تكن هناك أسس واضحة لهذه العملية وإذا لم تحصل على ضمانات كافية بان إسرائيل ستقوم بإعادة الجولان إلى السيادة السورية».

التفافات مقصودة

وحول خطة فريدريك هوف بشأن السلام بين سوريا وإسرائيل ورد الفعل السوري على هذه الخطة، أشار العبدالله إلى ان «واشنطن تسعى لتدوير الزوايا وتحاول ان تتقدم باجتهادات معينة من أجل إخراج المفاوضات من المأزق أو الوصول إلى الطريق المسدود، لكن سوريا لن تقبل تحت أي ظرف كان بأقل من الانسحاب إلى حدود الرابع من يونيو ولن تقبل بأقل من ترتيبات أمنية متكافئة ومتماثلة على الحدود».

فيما أكد الدكتور قبلان ان «هناك اقتراحات وأفكار كثيرة نوقشت سواء أفكار هوف أو أفكار آخرين لحل الصراع ولكن بنهاية المطاف ما يهم سوريا من كل هذه الاقتراحات ان تضمن انسحابا إسرائيليا كاملا من الجولان أما بقية التفاصيل فأعتقد انه يمكن التفاهم عليها من خلال المفاوضات»، مضيفا ان «سوريا لا تستطيع ان تقبل أي خطة لا تتضمن الانسحاب الكامل من الجولان».

وردا على سؤال حول التنازلات التي يطالب بها ميتشيل العرب والتي تتمثل بإقدام الدول العربية على التطبيع مع إسرائيل من أجل ضخ الحياة في شرايين العملية السلمية قال العبدالله إن «هذه المقايضة طرحت أكثر من مرة تحت مسميات كثيرة منها تشجيع إسرائيل ومد جسور الثقة ومحاصرة اليمين المتطرف والتأثير على الرأي العام الإسرائيلي لكن رد الفعل الإسرائيلي إزاء كل ما يقدمه العرب كان مزيدا من التصلب»، مضيفا ان «هناك ميلاً غالباً لدى الأنظمة العربية برغم تباين التيارات بأن الرهان على التطبيع من دون ان تكون هناك خطوات جدية في طريق السلام هو رهان غير صحيح».

إضاءة

قال المحلل السياسي السوري حميدي العبدالله لـ «البيان» إن «تضارب التصريحات الإسرائيلية بشأن العملية التفاوضية مع سوريا نابع من عدم استعداد إسرائيل لمسيرة سلام جدية، فالحكومة الإسرائيلية الحالية لا تؤمن بمبدأ الأرض مقابل السلام الذي قامت على أساسه مسيرة السلام في مؤتمر مدريد»، مضيفا ان «حكومة نتانياهو تحاول ان تطلق تصريحات توحي وكأنها تريد السلام، إلا انها تدرك ان إطلاق عملية سلام جدية تتطلب اتخاذ موقف هي لن تتخذه، ولذلك تهرب من هذا المأزق من خلال هذه المواقف المتناقضة».

أحمد كيلاني