جاءت نتائج الانتخابات الرئاسية الموريتانية، التي جرت يوم 18 يوليو الماضي، والتي أسفرت عن فوز محمد ولد عبد العزيز، ومن الشوط الأول، على غير ما توقع العديد من المراقبين و«المحللين»، بمن فيهم بعض زعماء الأحزاب السياسية ونخبة من مناصريهم ومستشاريهم، بل وبعض من ساند المرشح الفائز أيضا، حيث اكتفى هؤلاء، على ما يبدو، برأس «الجبل السياسي» وأغفلوا قاعدته الانتخابية العريضة، بل وطبقاته الوسطى الأقل ضجيجا.
رغم أنها الأكثر وعياً وتحررا من تأثيرات المال السياسي والانبهار بزعامات سياسية افتقدت الكثير من بريقها ومصداقيتها، خاصة في هذه الانتخابات وما شهدته من تحالفات بين سياسيين ومتنفذين كانوا حتى الأمس القريب على طرفي نقيض، بل وفي حالة عداء كامل وسافر، وعلى مدى سنوات وانتخابات عديدة، أيام الرئيس الأسبق ولد الطايع وبعده! ولا شك أن هذه النتائج ستكون لها انعكاسات عميقة وبعيدة المدى على الخريطة السياسية في البلاد، وعلى المصير السياسي للعديد من رموزها ووجوهها المعروفة، والتي ظلت طاغية على المشهد السياسي الموريتاني طوال السنوات الماضية.
والأرجح أن التأثيرات المنتظرة لن تستثني أيا من الأطراف السياسية، سواء في جانب المعارضة أو داخل طيف «أو أطياف» الموالاة الداعمة للرئيس المنتخب ولد عبد العزيز، وإن تفاوت حجم التأثير وعمقه من طرف إلى آخر.
فخ التحالفات
سعت المعارضة المناوئة للرئيس المنتخب «المرشح السابق» ولد عبد العزيز، وبكل جهودها وما لديها من أسلحة مادية وإعلامية وغيرها.. إلى حشد أكبر قدر ممكن من التحالفات ومن مختلف الأطياف السياسية، متعددة الألوان والاتجاهات، ووجدت دعما كبيرا، بل ودفعا، من بعض رجال الأعمال والفاعلين الاقتصاديين الذين ربما أثار مخاوفهم، أومخاوف بعضهم، إلحاح ولد عبد العزيز، في تصريحاته وخطاباته منذ أغسطس الماضي، على «محاربة الفساد والمفسدين»، إضافة إلى الاعتقاد بأن المعارضة قادرة على انتزاع الفوز في الانتخابات.
غير أن هذه التحالفات، على ما يبدو، جاءت برد فعل عكسي، شعبيا وسياسيا، وكانت بمثابة فخ نصبته المعارضة لنفسها ووقعت فيه من ناحيتين.
الأولى، أنها جعلت المعارضة تبدو كطرف واحد في مواجهة المرشح ولد عبد العزيز، وأظهرت المنافسة وكأنها بين مرشحين فقط، لا تسعة مرشحين أربعة منهم ينتمون للمعارضة، وبعضهم كان في صف ولد عبد العزيز، ومنهم من يمكن تصنيفه «بين هذا وذاك».
الثانية، أن هذه التحالفات، وخاصة مع مرشحي المعارضة الرئيسيين ولد داداه وولد بولخير، ضمت العديد ممن حاربوا المعارضة طويلا في عهد ولد الطايع، وممن يوصفون على نطاق واسع في الأوساط الشعبية والسياسية بأنهم «رموز الفساد» في ذلك العهد، مما أثر سلبا على مصداقية المعارضة ورصيدها النضالي في تلك المرحلة، والذي لا يمكن إنكاره أو التقليل من شأنه.
يضاف إلى ذلك أن قادة المعارضة ركزوا جهودهم على اعتقاد خاطئ بأن الانتخابات سائرة حتما إلى شوط إضافي، سيمكنهم من رص الصفوف وتوحيد الجهود خلف مرشح واحد، بينما ركز خطابهم الانتخابي على إقصاء ولد عبد العزيز و«نفيه من الحياة السياسية»، مع توزيع الضمانات والتطمينات ب«عدم نبش الماضي» وب«مصالحة الجميع»، مما رأى فيه الكثيرون نوعا من المحاباة لبعض المتهمين بالفساد أو المشتبه في انتمائهم إلى فئة المفسدين.
وهذا ما جعل أحد المعلقين الموريتانيين، يقول إن ولد عبد العزيز «جمع بين الخطاب المؤثر والممارسة السياسية العملية الميدانية الجادة (...) بينما بقي خصومه أسارى تعداد كفاءات غير متفق عليها في الغالب، ولا توجد بحسب الكثيرين إلا في أذهان متبنيها». بينما وصف آخر نتائج الانتخابات بأنها «تصويت عقابي» من الكتلة الناخبة للبسطاء، ضد الزعامات السياسية التقليدية.
وفي «اعترافات معارض مهزوم»، كما سماها، يقول أحد الكتاب الموريتانيين: «لقد هزمنا كمعارضين أو كمنافسين، هزيمة لا لبس فيها...»، ويضيف: لقد تخلت المعارضة عن موقعها وعن خطابها وعن بعضها البعض، طمعا في السلطة واستدرارا لعطف رجال أعمال طالما حاصروها ومولوا خصومها، فتخلى عنها جمهورها بكل بساطة وبسرعة البرق.
مقارنة خادعة
يذهب البعض في تحليله للنتائج، إلى المقارنة بين ما جناه بعض المرشحين من أصوات في هذه الانتخابات، وما سبق أن حققوه في الانتخابات الرئاسية السابقة (2007)، خاصة المرشحين أحمد ولد داداه ومسعود ولد بلخير، حيث حصل ولد داداه في انتخابات 2007 على نحو 20% في الشوط الأول و47% في الشوط الثاني، مقابل 5 .13% هذا العام. أما مسعود فقد حاز نحو 10% في الشوط الأول من الانتخابات الماضية، بينما تقدم أكثر من ست نقاط إضافية محققا المركز الثاني في هذه الانتخابات.
والواقع أن هذه المقارنة بهذا الشكل خادعة ومغلوطة، حيث إن مرشحي المعارضة مجتمعين، حصلوا في الشوط الأول من هذه الانتخابات على نسبة تقارب ما حصل عليه مرشحها في الشوط الثاني من الانتخابات الماضية (أكثر من 40%). وما حدث هو أن النسبة هذه المرة توزعت بين أربعة مرشحين أو أكثر، بدلا من أن تصب لمصلحة مرشح واحد. أما الاصطفافات مع هذا المرشح أو ذاك، فقد شملت أكثر من مرشح، وخاصة المرشحين الثلاثة الذين تصدروا انتخابات 2009، غير أن التوجهات الشعبية تغيرت إلى حد كبير، وهو ما لم تلحظه المعارضة بالشكل الكافي أو لم تقدره التقدير اللازم.
فقد أظهرت هذه الانتخابات أن الناخبين الموريتانيين العاديين أصبحوا أكثر نضجا في فهم الواقع السياسي، وأكثر استقلالية وتحررا من الضغوط والولاءات التقليدية، القبلية والجهوية، وما يتبعها من نفوذ الوجهاء وسطوة المال السياسي.
ولا يعود ذلك فقط إلى الخطاب الذي تبناه ولد عبد العزيز أثناء توليه السلطة (قبل استقالته) وخلال حملته الانتخابية، حيث كشف الكثير مما كان يعتبر «أسرار دولة» لا يجوز الكشف عنها أمام العامة، ولا حتى لكل «الخاصة»، مما نزع غلاف الهيبة عن بعض من كانوا يصورون أنفسهم فوق المساءلة وفوق الشبهات.
ولكن تعدد المناسبات الانتخابية في فترة زمنية قصيرة، وبمستويات عالية من الدقة والشفافية، وعدم وجود «مرشح السلطة» بين المتنافسين في الانتخابات الأخيرة (حيث كانت الحكومة مناصفة بين المعارضة والموالاة، وإدارة الانتخابات تحت سلطة وزير الداخلية المنتمي للمعارضة، كل ذلك شجع الناخبين وأكسبهم خبرة وجرأة إضافية على الإدلاء بأصواتهم وفقا لقناعاتهم، وأعطاهم ثقة أكبر في أن هذه الأصوات ستكون مؤثرة ومعتبرة، وستذهب حيث يريدون.
كشف الحساب
من المؤكد أن هذه النتائج ستضطر جميع الفرقاء السياسيين لإعادة النظر في مواقفهم ومواقعهم، وكشف حساباتهم وأرصدتهم الشعبية والسياسية، بعد أن يهدأ غبار المعركة الانتخابية، وقبل أن تتشكل الخريطة السياسية ويعاد رسمها من جديد، وقد بدأت ملامح ذلك تظهر بالفعل.
فبالنسبة لرئيس الجمهورية المنتخب، لا شك أنه حقق نجاحا شعبيا وفوزا سياسيا على المستوى الشخصي. لكن فوزه كتيار سياسي أو تنظيم حزبي، واستمرار هذا الفوز مستقبلا، رهن بعدة أمور، أهمها الخروج من أجواء الأزمة السياسية والحملات الانتخابية، والدخول بوعي وبكل جدية في تأسيس وتأصيل نهج فكري وسياسي، يحدد المسار والأهداف ويحمي المكتسبات، وعدم الركون إلى «حزب الدولة» أو «حزب السلطة»، كما كان الحال في الأحكام والتجارب السابقة.
والأولوية الأخرى والأهم، هي المبادرة الفورية لإعادة بناء الدولة وأجهزتها المهترئة، والمباشرة في تنفيذ المشاريع والخطط التنموية التي بشر بها ووعد الرئيس المنتخب، وعلى أساسها تم انتخابه. أما الخاسرون في الانتخابات، فأمامهم طريق صعب وطويل، وإن اختلفت حظوظهم وفرصهم لعبوره وتجاوز عراقيله وعقباته.
ويبدو حزب «تكتل القوى الديمقراطية» (التكتل) بزعامة رئيسه ومرشحه للرئاسة أحمد ولد داداه، أكبر الخاسرين في هذه الانتخابات، حيث تقلصت شعبيته النسبية، وتراجع مرشحه إلى المركز الثالث، بعد النسبة العالية التي حققها في الانتخابات الماضية، وخلافا لكل التوقعات التي كانت تضعه في المركز الثاني (على الأقل) في هذه الانتخابات.
كما شهد الحزب تصدعات داخلية أثناء الأزمة السياسية وقبيل الانتخابات. وما لم يبادر الحزب وقيادته إلى إعادة هيكلة شاملة وجذرية، فإن دوره ومستقبله السياسي سيكون أمام تحدٍّ كبير، يصعب تجاوزه والإفلات من تبعاته.
وفي حين ينظر البعض إلى المرشح الرئاسي مسعود ولد بولخير (رئيس البرلمان)، باعتباره حقق كسبا كبيرا في هذه الانتخابات، بحصوله على المركز الثاني وزيادة نسبته عن الانتخابات الماضية بأكثر من الثلث، فإن نظرة متفحصة تظهر أن النسبة التي حصل عليها (6 .16%)، لا تدل على زيادة فعلية في شعبيته، حيث كانت نسبته الماضية بجهوده الحزبية الخاصة نحو 10%، بينما لم يتجاوز هذه النسبة إلا بست نقاط مئوية، رغم تحالفه مع حزب «اتحاد قوى التقدم» اليساري الذي حصل مرشحه في انتخابات 2007 على نحو أربعة في المئة، ومع شريحة واسعة من حزب «عادل» صاحب الأغلبية السابقة والمحسوب على الرئيس السابق ولد الشيخ عبد الله.
بل يمكن القول إن ولد بولخير الذي بدأ حياته السياسية أوائل سبعينات القرن المنصرم، مناديا بحقوق الأرقاء السابقين والقضاء على مخلفات الرق وبمحاربة الإقطاع السياسي والمجتمعي، ثم انتهى به المطاف بورجوازيا بامتياز وحليفا للإقطاعيين والرأسمالية المحلية، بل ومركز استقطاب لهؤلاء وأولئك، سيكون من الصعب عليه الاحتفاظ برصيده النضالي السابق أو بقاعدته الشعبية الأساسية.
كما أن تماسك حزب «التحالف الشعبي» الذي يرأسه ولد بولخير، يبدو محل شك في المستقبل، لعدة اعتبارات سياسية وأيديولوجية.
وإذا ما حدث انشقاق في «التحالف الشعبي»، وهو أمر غير مستبعد ولو بعد حين، فقد يكون ذلك لمصلحة الحزب الموريتاني للتغيير «حاتم»، بقيادة صالح ولد حننا الذي حصل على نسبة متواضعة جدا، ويبدو أنه لم يحسن تقدير حظوظه وإمكاناته عندما أعلن ترشحه في آخر لحظة، بعد أن كان مساندا لترشح ولد عبد العزيز. ولكنه إذا استوعب دروس الانتخابات وأحسن التعامل معها، فقد يستعيد موقعه ومكانته الشعبية السابقة.
ولعل الرابح الأكبر (على المدى البعيد وربما المتوسط) بين الخاسرين في هذه الانتخابات، هو حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية «تواصل» ذي التوجه الإخواني، رغم أن النسبة التي حصل عليها مرشحه كانت أقل من 5%، إلا أنه استطاع أن يثبت فعلا (في هذه المناسبة على الأقل) أنه حزب وسطي، يجنح للمصالحة والوئام أكثر من التفرقة والتأزيم، وستكسبه هذه التجربة خبرة إضافية غير مسبوقة في العمل الحزبي والمنافسة الميدانية، إذا استخلص منها العبر والدروس اللازمة.
أما الرئيس علي ولد محمد فال، الذي قاد المرحلة الانتقالية السابقة (2005-2007)، فيبدو أن ترشحه جاء في الوقت الضائع، أو أنه حاول قطف ثمار سبقه إليها غيره، وقد يحتاج وقتا أطول لإعادة ترتيب أوراقه وتحديد اختياراته المستقبلية.
وسيظل الشكل النهائي للخريطة السياسية ومصير الكثير من السياسيين، معلقا على نتائج الانتخابات التشريعية والبلدية المقررة أصلا في 2011، ولكن ليس مستبعدا تقديم موعدها، ربما قبل نهاية العام الحالي أو في النصف الأول من السنة المقبلة.
إضاءة
لعل الرابح الأكبر (على المدى البعيد وربما المتوسط) بين الخاسرين في هذه الانتخابات، هو حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية «تواصل» ذو التوجه الإخواني، رغم أن النسبة التي حصل عليها مرشحه كانت أقل من 5%، إلا أنه استطاع أن يثبت فعلا (في هذه المناسبة على الأقل) أنه حزب وسطي، يجنح للمصالحة والوئام أكثر من التفرقة والتأزيم، وستكسبه هذه التجربة خبرة إضافية غير مسبوقة في العمل الحزبي والمنافسة الميدانية، إذا استخلص منها العبر والدروس اللازمة.
عبدالله إسحاق