ثمة سؤال يطرح نفسه في كل مرة، وعند كل حدث أو منعطف سياسي في المنطقة، وهو هل تريد إسرائيل فعلا التسوية مع سوريا؟ وبغض النظر عن تحليل التعقيدات والمتطلبات المتعلقة بعملية التسوية السورية ـ الإسرائيلية، فإن استكشاف الموقف الإسرائيلي من هذه العملية مرتبط بالحيثيات التالية:

أولا، لا توجد وجهة نظر واحدة في إسرائيل تجاه التسوية مع سوريا، فثمة تيار قوي يؤيد هذه التسوية، للميزات السياسية المفترضة فيها (فك علاقة سوريا مع منظمات حزب الله وحماس، وتحجيم نفوذ إيران الإقليمي، وفتح مجال التطبيع مع العالم العربي، وتقديم فائدة إستراتيجية للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط).

ويقف في مركز هذا الموقف أحزاب العمل وكاديما وميريتس. وفي المقابل فثمة تيار آخر يناهض هذه التسوية، على اعتبار أنه لا يريد إعادة الجولان، وبدعوى أن الوضع الداخلي والإقليمي لا يتطلب تسوية مع سوريا، وأنه لا يوجد ما يضغط على إسرائيل للقيام بهكذا خطوة، ويشمل هذا الموقف أحزاب الليكود وإسرائيل بيتنا والبيت اليهودي. وبالطبع فثمة وجهات نظر في هذه الأحزاب تؤيد التسوية بدون شروط مع سوريا، وأخرى ليس لها موقف محدد بهذا الشأن.

ثانيا، في الواقع، وكما بينت التجربة، فليس ثمة وجهات نظر قاطعة أو نهائية في السياسة الإسرائيلية، وهذا ينطبق على الموقف الإسرائيلي من عملية التسوية مع سوريا، فبرغم وجود تيارات مناهضة لهكذا تسوية على طول الخط، إلا أن هذه التيارات ربما تراجع رأيها، وحسب التطورات الداخلية أو الإقليمية، وتغير وجهة نظرها بهذا الشأن لصالح التسوية مع سوريا وهو ما عودتنا عليه السياسة الإسرائيلية.

ثالثا، تعتبر الولايات المتحدة الأميركية بمثابة عامل داخلي ورئيس وحاكم بالنسبة للسياسة الإسرائيلية الشرق أوسطية. وبذلك يمكن القول بأن للإدارة الأميركية تأثيرا مهما على توجيه دفة القرار في إسرائيل، خصوصا بالنسبة للتسوية مع سوريا. وبمعنى اخر فإن التسوية مع إسرائيل هي أيضا تسوية مع الولايات المتحدة؛ وهو ما ينبغي أخذه بعين الاعتبار في هذا المجال؛ لاسيما في ضوء التوجهات الجديدة للإدارة الأميركية الحالية (إدارة أوباما).

وعلى الأرجح فإن إسرائيل يمكن أن تذهب نحو خيار التسوية مع سوريا، في حال توفرت الظروف المناسبة، محليا وإقليميا ودوليا، ولاسيما في حال توفرت الإرادة الأميركية للحسم في هذا الاتجاه، للتسهيل عليها بشأن حل الأزمات الشرق أوسطية الأخرى، ولاسيما منها تحجيم نفوذ إيران في المنطقة، ووضع حد لصعود قوى الإسلام السياسي المقاوم (وضمنه نفوذ حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان).

وفي الحقيقة فإن هكذا تقدير إنما يستمد مشروعيته، من متطلبات السياسة الأميركية الجديدة في المنطقة، ومن استعصاء التسوية مع الطرف الفلسطيني بحكم صعوبتها فلسطينيا وإسرائيليا، ومن واقع أن حوالي 80 بالمئة من قضايا المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية، جرى التوافق عليها في المراحل التفاوضية السابقة، ولاسيما في عهد باراك (بحسب يديعوت أحرونوت 20/5/1999).

في زمن مضى كانت التسوية مع الفلسطينيين جد مهمة وضرورية لإسرائيل، بالنسبة لوضعها الداخلي ولتحسين صورتها الخارجية، كما لفتح أبواب العالم العربي، لكن ثبت أن ذلك لم يكن كافيا، فالتسوية الإقليمية لا يمكن أن تتم من دون سوريا، أو موافقتها، بحكم وضعها الاستراتيجي، ومكانتها على صعيد الصراع العربي-الإسرائيلي.