بعد معركة الانتخابات الرئاسية، حامية الوطيس، تتجه أنظار الموريتانيين اليوم، أو أغلبيتهم الساحقة، نحو المستقبل.. نحو المعركة الأساسية الأهم والأصعب، معركة البناء والتنمية التي طال انتظارها، بقدر ما طال إهمالها أو العجز عن تحقيقها من قبل أنظمة الحكم السابقة.
فقد عرفت البلاد عقوداً من عدم الاستقرار، منذ اندلاع حرب الصحراء عام 1975، وما تلاها من صراعات على السلطة عصفت بالدولة ومقوماتها، وأغرقت المتصارعين (عسكريين ومدنيين) في حساباتهم ومصالحهم الخاصة والآنية، دون اعتبار للمصالح الوطنية، ولو بالحد الأدنى الذي يضمن لهم قدرا من القبول والأمان!
ولم تفلح المحاولات التي بدأت مطلع التسعينات، لإضفاء شكل من «الديمقراطية» و«التعددية» على الواقع السياسي، في إخراج البلاد من أزماتها وأوضاعها المتردية، إذ سرعان ما انقشع «الماكياج» المفتعل وانكشفت أبعاد اللعبة وأهدافها الحقيقية، بينما أخفقت المعارضة في التعاطي مع الوضع الجديد، وعجزت عن تغيير المسار واستغلال الظروف المحلية والدولية (عقب انهيار الاتحاد السوفييتي) التي كان من الممكن، حينها، أن تشكل ورقة ضغط مهمة في يد المعارضة، لو أدركت مداها وعرفت كيف تتعامل معها، قبل أن تمر تلك اللحظة الاستثنائية العابرة وتستقر الأمور لدكتاتورية دولية، لم تعد مهتمة بشعارات الحرب الباردة ودعاياتها منتهية الصلاحية.
اليوم، وقد عبر الموريتانيون مرحلة الأزمة، وتخطوا عقبات الحملة الانتخابية وما تخللها من تشنج وتجاذبات، لم يعد مسموحا ولا مقبولا أن يبقى الجميع في خنادق الأزمة السابقة أو يعيدوا استنساخ الماضي.
فرئيس الجمهورية المنتخب، محمد ولد عبد العزيز، تفرض عليه واجباته الوطنية والدستورية، أن يكون رئيسا لكل الموريتانيين، معارضين وموالين، وعليه أن يكرس كل جهده وطاقته، في سبيل البناء والتغيير وإقامة «موريتانيا الجديدة» التي وعد بها ناخبيه.
كما أن حزبه «التجمع من أجل الجمهورية»، الذي سيتخلى عن رئاسته بحكم الدستور، عليه أن يتحرر من عقلية «أحزاب السلطة» السابقة، وأن يختار قيادة واعية تدرك حجم المتغيرات والتحديات، وتعرف كيف تتعاطى مع الواقع السياسي، بحنكة وحكمة وبقوة الحق والإقناع والإنجاز، لا بحق القوة والسلطة.
أما المعارضة فعليها أن تستوعب الدروس وتستفيد من تجارب الماضي ومن نجاحاته وإخفاقاته، حتى لا تلدغ من ذات الجحر مرة أخرى، كما لدغت من قبل أكثر من مرة! وإذا كانت الديمقراطية لا تستقيم دون معارضة وطنية مسؤولة، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي أن تكون المعارضة مقدرة لدورها وموقعها، وأن تمتلك من الجرأة ما يكفي لنقد ذاتي تحتاج إليه، وأن تكون معارضة بناءة، لا مجرد «معارضة من أجل المعارضة».
وعلى الجميع، موالاة ومعارضة، أن يدركوا أن الشعب الموريتاني لم يعد يقبل الخنوع والاستسلام لرغبات السياسيين أو المتسيسين، ولم تعد تغريه أو تغويه الوعود الكاذبة والنضالات المزيفة. فقد تعلم من تجارب الماضي المرير و«صقلته الآلام والنكبات»، على رأي شاعر الوطنية والنضال أحمدو ولد عبد القادر، الذي نتمنى أن يظل، كما عودنا، وفياً لوطنيته وإبداع.
كما نتمنى أن يكون الإبداع القويم والتغيير المستنير، نهج المرحلة الجديدة كما هو عنوانها، وأن يظل كذلك، اليوم وغدا.. وإلى الأبد.