ها هي الدولة العبرية تحاول من جديد إحداث اختراق جيوسياسي في قارة أميركا اللاتينية معتمدةً بذلك على مبدأ سد الفراغات السياسية في ظل غياب أي اهتمام يذكر من قبل الجانب العربي علماً بأن التحرك الدبلوماسي الأخير من جانب وزير خارجية إسرائيل يعدّ أحد فصول معركة قديمة متجددة يتعين على الدبلوماسية العربية خوضها منذ زمنٍ بعيد في بلدانٍ دائمة الترحيب بأي ضيف عربي تطأ قدماه أرض أي منها.
معركة لا ترقى إلى مستوى الضرورات القصوى التي تفرضها مصالح أي دولة في العالم بصفةٍ عامة والدول العربية بصفة خاصة، وذلك لقطع الطريق على تل أبيب في محاولاتها للوصول إلى قلب عواصم جديدة حول العالم، فحسب، وإنما يجب إدراجها ضمن الأولويات الاستراتيجية، ما يتطلب وضع الخطط الكفيلة بعدم إبقاء فراغات سياسية في هذه المنطقة أو تلك من العالم تسمح للدولة العبرية بالولوج إلى مراكز صنع القرار فيها، على غرار تجارب أخرى.
بينما تمد بلدان أميركا اللاتينية يدها للعرب وتحاول حجبها عن إسرائيل، الأمر الذي تجلى في مناسبتين، الأولى عندما دعت دول أميركا الجنوبية الدول العربية إلى عقد قمة مشتركة منذ بضع سنوات ولم يلب الجانب العربي تلك الدعوة كما يجب، والثانية تتجلى في جولة ليبرمان الأخيرة في عدد من بلدان تلك القارة وفي مقدمتها البرازيل والأرجنتين.
حيث لم تلق تلك الجولة أي نوع من التجاوب لا بل إن شوارع العواصم التي شملتها الجولة قد شهدت العديد من المظاهرات الاحتجاجية المنددة بتلك الجولة. على الرغم من إدراك الوزير اليميني المتطرف للأجواء المحتقنة و الرافضة وغير المرحبة به، إلا أنه لم يحجم عن محاولته القيام بمهمته الدبلوماسية على أكمل وجه ربما إدراكاً منه بأن الطريق مفتوحةً أمامه في ظل غياب أي منافس حقيقي في سباق كسب عقول وقلوب أبناء القارة الجديدة، الذين وصف بعضهم الوزير الإسرائيلي بالفاشي وبالقاتل داعينه إلى الخروج من بلادهم مطالبين بإنزال العلم الإسرائيلي ورفع العلم الفلسطيني مكانه.
بكلمات أخرى، اعتبر ليبرمان شخصاً غير مرغوب فيه في أميركا اللاتينية ومع ذلك قام بهذه الجولة وهي الأولى لوزير خارجية إسرائيلي منذ عام 1987، لكنه نسي أو تناسى ربما أن المنطقة التي كانت تسمى جمهوريات الموز لم تعد على حالها وان الحديقة الخلفية للولايات المتحدة قد باتت واجهةً مستقلةً بذاتها مدركة لمصلحة شعوبها بفضل صعود قوى اليسار الجديد وتسلمه السلطة في غير بلد فيها.
في حين تؤشر جولة ليبرمان إلى الأهمية الجيوسياسية لهذه المنطقة من العالم الأمر الذي انعكس في محاولته تحويلها إلى ساحة صراع بين الدولة العبرية وأعدائها الكثر وعلى رأسهم إيران وحزب الله، فإنها تكشف ضعف إدراك الدول العربية لتلك الأهمية، علماً بأن الواقع يشير إلى أن أي مسؤول عربي يمكن أن يزور أي عاصمة من عواصم أميركا اللاتينية سيكون مرحباً به.
هل من داعٍ للتذكير بما حدث في كوبا في منتصف سبعينيات القرن الماضي عندما بادرت القيادة الكوبية إلى استبدال السفارة والمركز الثقافي العبريين وإحلال مكانهما سفارةً ومركزاً ثقافياً فلسطينيين، حتى يدرك العرب مدى الترحيب بهم هناك وأهمية حضورهم السياسي والدبلوماسي والاقتصادي في منطقة لا تريد بلدانها فتح صدورها للدولة العبرية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في هذا المقام هو: إلى متى سيظل موقف بلدان وشعوب أميركا اللاتينية هذا على حاله؟