لا يملك المرء، حين يتابع ما يجري من جهود لتسويق المواقف السياسية على الصعيد الإسرائيلي الفلسطيني إلا أن يعرب عن استيائه من ذلك الجهل الفاضح الذي عبر عنه البعض بالانتقاد الشديد للجهد الذي بذله محمود الزهار بإنتاج فيلم سينمائي عن عماد عقل أحد أشهر قادة كتائب عز الدين القسام تكلف إنتاجه 120 ألف دولار، في محاولة للترويج للموقف الفلسطيني من خلال الإنتاج السينمائي.
يزداد هذا الاستياء، إذا أدركنا بمنظور المقارنة الجهد الذي يبذل على الساحة الإسرائيلية لتسويق مواقف أقل ما توصف به أنها تدافع عن باطل قد لا يكون له أساس على أرض الواقع، وهو الأمر الذي يمكن أن نلمسه بوضوح في ذلك المشروع الذي تم إطلاقه مؤخرا تحت اسم مشروع مكتبة «علاء الدين الإلكترونية».
والمشروع ببساطة، وبغض النظر عن محاولة تزيينه وتنميقه بعبارات بليغة، يهدف إلى انتزاع اعتراف شعبي عربي وإسلامي بـ «الهولوكوست» أو «المحرقة» التي يذكر أنها تمت على يد النازيين إبان الحرب العالمية الثانية، وهو ما يبدو من اعتزامه ترجمة ما يصفه ببعض الأعمال الأدبية إلى اللغة العربية والتركية والفارسية وتوزيعها مجانا في محاولة لوقف تنامي الأفكار التي تشكك في «المحرقة» المشار إليها.
ويعرض المشروع من خلال موقعه على الإنترنت كتبا يمكن تحميلها ألفها ناجون من «المحرقة» مثل كتاب بريمو ليفي «هل هذا هو الإنسان»؟ (رداً على عنوان كتاب الفيلسوف الألماني نيتشه: هذا هو الإنسان). كما تم تجهيز الموقع بمنشورات يمكن تحميلها كذلك عن تاريخ مبسط ل«المحرقة».
في التسويق لذاتها تشير مكتبة علاء الدين إلى أنها تحظى برعاية منظمة اليونسكو وأنها تتألف من لجنة خبراء كبار منهم سفير فرنسي سابق في القاهرة ورئيس سابق لحاخامات فرنسا، ويحاول الموقع كذلك أن يوحي بوجود قاعدة له في العالم العربي والإسلامي بالإشارة إلى أنه يضم في جنباته وجوهاً عامة من المسلمين (سيدة عربية من المغرب العربي تقريبا). ويشير المشروع صراحة إلى أن هدفه «رفض تضليلات التاريخ كإنكار المحرقة النازية أو تتفيهها».
لسنا في مجال إنكار المحرقة أو تأكيد وجودها، فما نراه أن تحديد موقف واضح من قضية محددة ـ أيا كانت ـ يجب أن يقوم على أساس دقيق وبعد بحث وتحر شاملين، الأمر الذي ينطبق على المحرقة انطباقه على أية قضية أخرى. غير أن ذلك شيء وفرض الإيمان بـ «حدث يقال إنه وقع في التاريخ» على البشرية شيء آخر، الأمر الذي نراه يتعارض مع دعوات إعلاء قيمة العقل التي ترتفع راياتها في عصرنا الحديث.
قرار الأمم المتحدة ـ في رأينا هنا ـ بإدانة إنكار «المحرقة» لا يقدم أو يؤخر في هذا الشأن، إن لم يكن على العكس يثير حفيظة الرفض لدى الكثيرين.
وحصرا للحديث في إطار الجانب الخاص بـ «مشروع علاء الدين» الذي نراه مشبوها وتفوح منه رائحة التزييف والرغبة في غسيل العقل العربي والمسلم، نقول: وماذا عن المحرقة المتواصلة فصولها في فلسطين ـ سواء تلك التي تقام عليها إسرائيل حاليا أو بقية الأراضي التي احتلتها عقب حرب 1967، وألا يقتضي العدل والإنصاف إدانة أية محارق بشرية أيا كان مرتكبها وأيا كان ضحاياها؟ مجرد خواطر من مجمل قضايا عديدة تستحق المزيد من التفصيل على خلفية قضية طال الجدل بشأنها.