دائماً كان هاشمي رفسنجاني بوصلة عليمة تماماً لاتجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ففي أكثر من مرة في تاريخ الثورة والدولة لهذا الرجل بصمة في توجيه الأحداث.. فهو الذي «أذاق الإمام الخميني السم» عندما أخذ موافقته بإيقاف الحرب الطاحنة مع العراق، وهو الذي ثبت المرشد خامنئي في ولاية الفقيه عندما أعلن أمام مجلس الخبراء ان الخميني أسر إليه بأن خامنئي رجل طيب، فهو بجدارة واقتدار أحد المؤسسين لأركان النظام الحالي ورجالاته بالرغم من كونه موصوفاً منذ بواكير دخوله المعترك السياسي بالبراجماتي المعبر عن رجالات «البازار» الإيراني.

لكن هذه المرة بدت بوصلة رفسنجاني غامضة ومحيرة بشكل لافت تستدعي طرح الأسئلة، فخطبة الجمعة التي ألقاها على حضور «إصلاحي» وقابلها رد من مرشد الثورة ـ مما وضعه رسمياً في صف المعارضة ـ تأتي والتباين في الرأي الذي بدأ ديمقراطياً عبر صناديق الاقتراع، سرعان ما اتجه إلى الشارع لتغيير الواقع، وهو سائر الآن في اتجاه معركة «كسر عظم» بين جانبين يبدو أنهما كانا يتمترسان بتضاريس جبل الثلج حيث ثلثه ظاهر على السطح وثلثاه متجذران في الأعماق خلافاً وتبايناً في أكثر من قضية وفي أكثر من اتجاه. فهل أعاد هاشمي رفسنجاني قراءته للأحداث وتوصل إلى قناعة بأن موعد التغيير قد أزف ولامناص من إعادة ضبط الدفة وفقاً لمعطيات الحراك الداخلي؟!

أم ان المتغير الخارجي أصبح في حاجة إلى خطاب جديد لا يستطيعه المحافظون وعلى رأسهم احمدي نجاد الذي بالغ في ادلجة خطاب الدولة.

هل فوز احمدي نجاد على رفسنجاني في الدورة الرئاسية الأولى كانت خطاً فاصلاً بين الأخير وبين المجموعة الحاكمة ومن ثم انتظر الفرصة المناسبة لكي يرد، خاصة وان نجاد استفزه في حملته الأخيرة واصفاً إياه وعائلته بالفساد مع صمت واضح للمرشد خامنئي عن اتخاذ موقف لصالح رفيق الدرب الطويل وان أشار إلى ذلك في خطبة الجمعة التي أعقبت اندلاع الأحداث، لكن يبدو أن الوقت قد أزف... هل تغيرت القناعة ونضجت المتغيرات التي لا يمكن التغاضي عنها بعد الآن، خاصة وان رافسنجاني كانت له طوال فترة تواجده ضمن منظومة النظام خروقات كلامية في اتجاه الانفتاح الإيجابي تجاه العرب والغرب على حد سواء، دون أن تتحول تلك الطلقات الكلامية الناعمة إلى واقع يمكن التواصل معه من قبل باقي الأطراف.

وفي ظل التدافع في الأحداث الذي يعيشه الداخل الإيراني، ما هي عناصر القوة التي يمتلكها رافسنجاني لكي يواجه مؤسسة المرشد بكل ثقلها الروحي والشعبي المتكئ على الإيمان المصمت بولاية الفقيه، مضافاً إليها القوة العسكرية والأمنية التي تبدو للوهلة الأولى واقفة في صف المحافظين مع عدم إغفال علاقات رفسنجاني القوية مع المراجع الدينية، وتحركاته الناضجة في اتجاه مدينتي قم ومشهد.

ومع كل التقاطعات الخارجية التي تحاول التأثير على المشهد الإيراني، يبقى الحراك الداخلي هو العنصر الأساس في رسم ملامح صورة المستقبل، ولعل متابعة سير الأحداث خلال الأيام الماضية توصل إلى حقيقة مهمة أبرز ما فيها هو ان جميع محاولات المحافظين للملمة الوضع تبوء بالفشل، وان مرشد الجمهورية علي خامنئي يبذل جهوده ليعود طرفاً محايداً، لكن الأمر أصعب من ان تحققه بعض القرارات والأقوال، في حين يتحرك الاصلاحيون صوب استمرار الطرق على مفردات الأزمة، مع ضبابية واضحة في حصد النتائج. .. وتبقى بوصلة رافسنجاني حائرة حتى حين!