أعلنت محكمة التحكيم الدولية في «لاهاي» في 22 يوليو الماضي قرارها حول تبعية منطقة «أبيي» والتي كان يتنازع على تبعيتها شمال السودان وجنوبه لما لها من أهمية كبرى خاصة لتوافر النفط بها، وقررت المحكمة رفض تقرير لجنة الخبراء الدوليين لتجاوزهم التفويض الممنوح لهم من جانب طرفي المشكلة وهو ما يعني تأييد رفض الخرطوم لهذا التقرير وقررت المحكمة تشكيل لجنة جديدة لإعادة ترسيم حدود المنطقة الشرقية والغربية طبقا لحدود عام 1905.
كما تضمن قرار المحكمة تأييد رأي الخرطوم بخصوص الحدود الشمالية واعتمادها وهو ما يعني تبعية المناطق النفطية المهمة للشمال وإخراج ما بين 10 آلاف كم مربع إلى 12 ألف كم مربع من مساحة المنطقة البالغ 16 ألف كم مربع وتأكيد تبعيتها للشمال ويبقي حسم تبعية باقي المنطقة بعد الانتهاء من رسم الحدود الشرقية والغربية في يد سكان المنطقة من خلال الاستفتاء المقرر عام 2011 وفقا لاتفاق نيفاشا 2005. ومن المؤكد أن هذا الحكم سيكون له الكثير من الآثار السياسية والاقتصادية والقانونية والأمنية وسيلقي بظلاله على استفتاء تقرير المصير المقرر في عام 2011 والذي سيحدد فيه جنوب السودان مصيره إما بالانفصال عن السودان أو بالبقاء في الوحدة مع الشمال، كما أن تبعية آبار النفط للشمال من شأنه أن يقلل من جاذبية قرار الانفصال ويضعف موقف الجنوبيين ويزيد من قوة الشمال.
في البداية، رحب نائب سفير السودان بالقاهرة ونائب مندوبها الدائم بجامعة الدول العربية السفير إدريس سليمان بقرار محكمة التحكيم الدولية في لاهاي حول تبعية منطقة «أبيي» وأكد التزام بلاده بتنفيذ الحكم، معتبرا أن القرار يمثل انتصارا كبيرا وتأكيدا على مصداقية حزب المؤتمر الوطني الحاكم وصحة توجهاته.
وقال إن قرار المحكمة، الذي أكد تجاوز لجنة الخبراء لتفويضها، وهو نفس الموقف الذي سبق وأعلنته الخرطوم من تقرير الخبراء، يؤكد أن خروجنا على ذلك التقرير ـ قاصدا تقرير الخبراء الدوليين ـ لم يكن أبدا نكوصا على اتفاق التحكيم وإنما هو إدراك كامل بحقوقنا وتمسكا بها.
ولفت الدبلوماسي السوداني إلى عدة ملاحظات هامة في قرار محكمة التحكيم الدولية وهي إخراج كامل مناطق حقول النفط من منطقة أبيي وتبعيتها للشمال دون نزاع، وكذلك إخراج المنطقة الممتدة على حدود دارفور وكردفان من مناطق النزاع وتبعيتها أيضا للشمال.
وأوضح أنه بهذا القرار تكون المحكمة أقرت بتبعية 11 ألف كيلو متر مربع للشمال من بين 16 ألف كيلو متر مربع، مشيرا إلى أن بقية المناطق ستبقى ملكا لأهلها لتقرير تبعيتهم إما للشمال وإما للجنوب خلال الاستفتاء المقرر إجراؤه في شهر يناير من عام 2011.
وحول قرار المحكمة بالموافقة على رأي الخبراء فيما يتعلق بالحدود الجنوبية لأبيي، أشار إلى أن الحدود الجنوبية لم يكن عليها خلاف ومتفق عليها بيننا وبين الحركة الشعبية والخبراء والآن المحكمة أيضا، منوها إلى أنه ما كان يعني الخرطوم هو الحدود الشمالية والغربية والشرقية لأبيي، والتي قالت المحكمة إن الخبراء تجاوزوا فيها تفويضهم وهو ما يستلزم رسم خريطة جديدة لأبيي وفقا لما حددته المحكمة.
دعم اتفاق نيفاشا
من جهته.. أكد مدير إدارة إفريقيا والتعاون العربي الإفريقي بجامعة الدول العربية السفير سمير حسني أهمية القرار الذي توصلت إليه محكمة التحكيم الدولية في لاهاي لتسوية النزاع في منطقة أبيي نهائيا، مشيرا إلى أن هذا القرار من شأنه أن يسهم في دفع جهود السلام في السودان ويدعم تنفيذ اتفاق نيفاشا.
وشدد على ضرورة تنفيذ القرار بمنتهى الدقة، مطالبا كافة الأطراف السودانية باتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذ ما قررته المحكمة وتعزيز الشراكة فيما بينها بهدف تحقيق السلام الدائم والعادل لكل سكان المنطقة والتركيز على الاحتياجات التنموية فيها.
واعتبر حسني أن القرار يمثل مساهمة كبيرة في دعم جهود السلام خصوصا في ضوء رد فعل مختلف الأطراف السودانية والتي أكدت ترحيبها والتزامها بتطبيق وتنفيذ القرار، واصفا ذلك بأنه روح طيبة وخطوة جيدة وايجابية نحو المستقبل الذي يجب أن يسوده التفاهم بين الجميع بما يدعم اتفاق نيفاشا.
وأعرب السفير سمير حسني عن أمله أن يضع هذا القرار نهاية حقيقية للتجاذبات والدعوات الانفصالية وحالة التربص والعداء ونظرات الشك والريبة ما بين الشمال والجنوب في السودان وأن يكون بداية حقيقية ترسخ لوحدة واستقرار وأمن السودان حتى يتم إغلاق ملف الجنوب والتفرغ لحل مشاكل الغرب السوداني خاصة في اقليم دارفور.
وشدد على أن الجامعة العربية مستمرة في أداء دورها في السودان بالتشاور والتنسيق مع الاتحاد الإفريقي لحل المشكلات التي يتعرض لها، وتابع قائلا: «إن جامعة الدول العربية ستتابع باهتمام كبير مختلف التطورات المتعلقة بمنطقة أبيي وهو نفس الأمر الذي تابعته منذ التوقيع على خريطة الطريق في يونيو 2008 والتي نصت على عودة عشرات الآلاف من النازحين نتيجة اندلاع المعارك في هذه المنطقة».
المشكلة الحقيقية
ومن جانبه، أكد أستاذ القانون الدولي بالجامعة الأميركية بالقاهرة ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للاتفاقيات الدولية والشؤون القانونية الدكتور عبد الله الأشعل أن حكم محكمة التحكيم الدولية الذي صدر مؤخرا يُفترض أن ينهي النزاع الطويل بين الطرفين حول تبعية منطقة أبيي الذي أثارته الحركة الشعبية لتحرير السودان خلال مفاوضات نيفاشا، مشيرا إلى أن هذا الحكم بلا شك أحبط الجنوبيين خاصة وأنه حكم نهائي وملزم للطرفين.
وتابع «من المؤكد أن الطرفين سيعلنان التزامهما بتطبيقه لأنه لا يوجد أمامهم خيار آخر»، مشيراً إلى أن المشكلة الحقيقية ستكون عند قيام اللجنة بترسيم حدود منطقة ابيي وخاصة الحدود الشرقية والغربية تنفيذا لقرار المحكمة وهو ما يمكن أن يأخذ منه الجنوبيون وسيلة لإثارة المزيد من المشاكل على الأرض وتظهر خلافات جديدة على الأرض حول تفسير قرار المحكمة وتنفيذه على الأرض.
وأَضاف الأشعل أن قرار محكمة التحكيم الدولية له أهمية كبيرة خاصة بالنسبة لحق تقرير المصير المقرر عام 2011 من ناحية تحديد عدد سكان أبيي الذين سيشاركون في استقتاء تبعيتهم للشمال أم للجنوب، وكذلك تحديد الحدود بين الشمال والجنوب وتحديد المناطق والسكان الذين سيشاركون في استفتاء تقرير المصير للجنوبيين، هذا فضلا عن الحدود النفطية وتبعية أبار النفط للشمال أم للجنوب.
ولفت إلى أن الجنوبيين يريدون الانفصال عن الشمال ولا يؤثر عليهم هذا ولا ذاك ولكن عندما يكون الجنوب بدون نفط فإن هذا من شأنه أن يضعفه كثيرا وهو ما من شأنه دفع الجنوبيين لإعادة التفكير جديا في اختيار خيار الانفصال عن الشمال.
حسم نزاع أبيي
وبدوره، رأى مسؤول ملف السودان والخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية هانئ رسلان أن حكم محكمة التحكيم الدولية بخصوص أبيي حسم وأنهى النزاع على الإقليم بشكل كبير حسب البلاغ الرسمي الذي تقدم به شريكا عملية السلام حزب المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الشعبية لتحرير السودان ضمن اتفاقية نيفاشا والتي تم توقيعها في عام 2005 والمكونة من خمسة برتوكولات من بينها البرتوكول الخاص بالنزاع حول أبيي.
وقال «إن برتوكول أبيي وضع خطوات محددة لحل النزاع على هذه المنطقة من خلال تفاوض الطرفين واتفاقهما على ترسيم حدود المنطقة ومن ثم تنظيم استفتاء لأهالي المنطقة بعد تحديد حدودها للاختيار ما بين التبعية الإدارية للشمال أو التبعية للجنوب».
وأضاف أنه نظرا لفشل الطرفين من خلال التفاوض فيما بينهما في تحديد ورسم حدود المنطقة فقد كان لزاما عليهما الانتقال للخطوة الثانية من البرتوكول وهو اللجوء إلى مجموعة من الخبراء الدوليين لترسيم هذه الحدود، غير أنه نظر لانتماءات هؤلاء الخبراء الغربية فقد كان لهم ميل تجاه الجنوب واستغلال فشلهم في تحديد الرسوم التي ترجع إلى عام 1905 أي التي تعود لأكثر من قرن من الزمان، ووضعوا حدودا اجتهادية من عندهم كان من شأنها أن تجعل تبعية منطقة أبيي للجنوب بما في ذلك مناطق النفط بل وتوسيع المنطقة لصالح الجنوب وعلى حساب الشمال.
وتابع رسلان قائلا «كان من الطبيعي والمنطقي أن يرفض حزب المؤتمر الوطني تلك النتائج التي توصلت إليها مجموعة الخبراء الدوليين باعتبارهم تجاوزوا التفويض المنوط إليهم تنفيذه، وفي المقابل رفضت الحركة الشعبية موقف المؤتمر الوطني واعتبرته نكوصا على اتفاق نيفاشا وخروجا على العملية السلمية»، مشيراً إلى أنه أمام تمسك حزب المؤتمر الوطني بموقفه الرافض لنتائج الخبراء، اتفق الجانبان على الانتقال للمرحلة الثالثة والنهائية والملزمة للجانبين وهي محكمة التحكيم الدولية بلاهاي».
وأشار إلى أن محكمة التحكيم الدولية كان منوطا بها أن تجيب عن سؤالين هامين أحدهما مترتب على الآخر، أما الأول فقد كان عبارة عن هل تجاوز الخبراء الدوليون التفويض الممنوح لهم؟، وإذا كانت الإجابة بلا فيلتزم الطرفان بتطبيق ما توصلت إليه لجنة الخبراء، أما إذا ما كانت الإجابة بنعم تجاوزا التفويض يكون السؤال الثاني للمحكمة ما هي الحدود الصحيحة التي يجب ترسيمها لمنطقة أبيي؟، لافتا إلى أن قرار المحكمة أن اللجنة تجاوزت التفويض الممنوح لها وتوسعت في صلاحياتها واجتهاداتها، وخاصة في الجهات الشمالية والشرقية والغربية.
وأَضاف أن قرار المحكمة بإعادة ترسيم الحدود الشرقية والغربية والشمالية، يعني أن مساحة المنطقة التي تبلغ 16 ألف كيلو متر مربع، تم إعادة ما بين 10 آلاف و12 ألف كيلو متر مربع إلى الشمال بما في ذلك المناطق النفطية والتي تحتوي على بئري «حكليك» و«عدريل» حيث تم حسم تبعيتهما للشمال.
ولفت إلى أن الحكم نص على ضمان كفالة حق الرعي والمرور للمصادر المائية وهذا بطبيعة الحال في صالح قبيلة «المسيرية» العربية حتى ولو اختار سكان أبيي التبعية الإدارية للجنوب.
وحول مدى تأثير حكم محكمة التحكيم الدولية على مجمل الأوضاع في السودان، أكد رسلان أن لهذا الحكم تأثيرات وانعكاسات كبيرة خاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين الشمال والجنوب، مشيرا إلى وجود تطبيقات كثيرة بين الجانبين كان من أهمها اتفاقية نيفاشا التي تم توقيعها بين شريكي السلام في عام 2005 التي وضعت حدا لحرب استمرت بين الجانبين على مدار عشرين عاما، والتي من المقرر أن تنتهي بحق تقرير المصير للجنوبيين في عام 2011 إما بالاستمرار مع الشمال في دولة واحدة أو الانفصال عنه في دولة منفصلة ومنذ توقيع اتفاقية نيفاشا ظهرت العديد من الخلافات بين الطرفين وكان من أبرز هذه الخلافات تبعية منطقة أبيي، واقتسام عائدات النفط، وترسيم الحدود الإدارية والجغرافية بين الشمال والجنوب.
ومضى يقول «إنه بالنسبة لمشكلتي اقتسام عائدات النفط، وترسيم الحدود الإدارية والجغرافية بين الشمال والجنوب فهي مشاكل فنية ويمكن التفاوض عليها وإنهائها بالتوافق بين الطرفين، ولكن كانت المشكلة الأعنف والأخطر هي مشكلة تبعية أبيي نظرا لأنها مشكلة سياسية».
وتابع «إنه بإنهاء أزمة أبيي فإن هذا يعطي دفعة قوية للعملية السلمية حتى موعد الاستفتاء على تقرير المصير المقرر في عام 2011»، مشددا على أن الجنوبيين كانوا يعتقدون أن سكان أبيي سيختارون الانضمام للجنوب بما يمتلكونه من أبار نفط وهو ما يمثل إغراء للجنوبيين للانفصال عن الشمال، أما الآن وبعد أن أصبحت أبار النفط تابعة للشمال فإن هذا يجعل خيار الانفصال أقل جاذبية لدى الجنوبيين ويزيد من خيار الوحدة بين الشمال والجنوب.
إضاءة
تقع منطقة «أبيي» في الجزء الجنوبي من وسط السودان على جانبي الحدود غير المحددة بين شمال السودان وجنوبه، ولعدة سنوات كانت أجزاء كبيرة من المنطقة مقسمة بين جماعة نقوك الدينكا وهي جزء من قبيلة الدينكا التي تنتمي لجنوب السودان وبدو المسيرية الذين ينتمون للشمال. وتحكم أبيي الآن إدارة مشتركة من الشمال والجنوب، وينتظر مواطنو المنطقة استفتاء تم الاتفاق عليه في يناير 2011 بشأن ما إذا كانوا يريدون الانضمام لشمال السودان أم جنوبه.
ويختلف طرفا اتفاق السلام الشامل وهما حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان حول ملكية أبيي وحدودها، وكان وضع أبيي وحدودها من بين أكثر القضايا حساسية التي تركت دون حسم في اتفاق السلام الشامل الذي وقع عام 2005 وأنهى أكثر من عقدين من الحرب الأهلية بين شمال السودان وجنوبه.
وفشلت جهود التوصل إلى تسوية منذ عام 2005 وقد اشتبكت قوات الشمال والجنوب بالفعل بشأن أبيي عددا من المرات، مما أجبر عشرات الآلاف من المدنيين على الفرار، قبل أن يتفق الجانبان على إحالة القضية لمحكمة لاهاي ووعدا بقبول قرارها.