أكثر من ست سنوات مضت على المأساة الإنسانية التي يمر بها إقليم دارفور في غرب السودان، لكن المشكلة تبقى قائمة، رغم الجهود الدولية والإقليمية التي حاولت الإدلاء بدلوها من أجل الخروج بحل يرضي جميع أطراف النزاع الذي تتمسك الحكومة السودانية بأنه نزاع على الماء والكلأ بين مزارعين ورعاة، فيما ترى أطراف التمرد المسلح أن أساس المشكلة يعود إلى استحواذ الحكومة المركزية على الثروة والسلطة.

وقبل أسبوعين شهدت القاهرة حراكاً لفصائل التمرد في دارفور التي دعت الحكومة المصرية سبع منها للمشاركة في (ملتقى القاهرة لتوحيد الصف الدارفوري) حيث قدم الجانب المصري وفق البيان الختامي للقاء (خريطة طريق لتوحيد الصف الدارفوري في شكل مقترح حده الأعلى تحقيق الوحدة التنظيمية لكل الحركات، وحده الأدنى توحيد الرؤية السياسية والمواقف التفاوضية للحركات في إطار تفاوضي مشترك) بما يسهل الوصول إلى حل لأزمة الإقليم.

ملتقى القاهرة ربما يعد التحرك المصري الأوسع حتى الآن لإيجاد حل لمشكلة دارفور التي تؤثر بشدة على الأمن القومي لمصر، فقد ظلت القاهرة إلى فترة طويلة متهمة بالانحياز إلى حكومة الخرطوم بما صعب عليها لعب دور الوسيط، رغم أن أطرافاً إقليمية أقل ثقلاً سعت من جانبها إلى لعب هذا الدور، غير ان النتائج لم تثمر على أرض الواقع شيئاً ذا جدوى في ملف شائك ويزداد تعقيداً يوماً وراء الآخر نظراً لما تسميه الحكومة السودانية بالأجندة الخارجية وراء استمرار النزاع.

ولعل في اقتناع حركات التمرد بأهمية التوجه إلى القاهرة، وإفساح المجال أمام الحكومة المصرية ـ التي أكدت أنها تقف على مسافة متساوية من الجميع ـ مؤشر إيجابي يمكن أن يسهم في حلحلة أزمة طال الوقت من أجل الخروج منها حرصاً ليس على مصالح أهل دارفور خاصة والسودان عامة، بل والعديد من الأطراف الإقليمية التي يسبب عدم الاستقرار في دارفور هاجساً لها وفي مقدمة تلك الأطراف مصر التي يشكل السودان عمقها الاستراتيجي ودارفور جزء أصيل منه.

لقد عاب البعض على القاهرة تجاهلها في بعض الفترات لما يدور في دارفور رغم مشاركتها في قوات حفظ السلام في الإقليم، وهي الآن عندما تدعو فصائل التمرد إلى الحوار على أراضيها بالتزامن مع زيارة للرئيس السوداني عمر البشير وبحثه مع الرئيس المصري حسني مبارك سبل إيجاد حل لأزمة دارفور، تتخذ خطوة (في الاتجاه الصحيح) كما قال البعض.

المهمة صعبة بلا ريب وتحتاج من القيادة المصرية اتباع سياسة النفس الطويل، وألا تعول على إنهاء الأزمة التي تتناهشها أطراف داخلية وخارجية عديدة، بين عشية وضحاها، وان يتناسب الجهد المصري مع مصالح مصر مع السودان، وان يضع الجانب المصري في الاعتبار الأسباب التي أدت إلى إخفاق الجهود التي بذلتها جهات أخرى لحل الأزمة.

الوضع المأساوي لضحايا النزاع في دارفور، الذين يفترشون العراء في معسكرات النزوح، الذي شاهدته في زيارة للإقليم قبل مدة، يتطلب في حقيقة الأمر، إضافة إلى الجهود المصرية والإقليمية الأخرى لإنهاء النزاع، جدية وإخلاصاً من فصائل التمرد والحكومة السودانية لوضع حد لتلك المأساة التي تعطي فرصة لأطراف دولية للاصطياد في مياهها العكرة، وأن يؤمن الجميع أن الحل يبقى في الأساس بيد أهل السودان، وان احتاجوا إلى وساطة الأشقاء ومساعدتهم في بعض الأوقات.