ما افتقرت إليه الساحة الفلسطينية بجميع مكوناتها السياسية والتنظيمية، من اليمين إلى اليسار ومن فتح إلى حماس،إثر الوضع الناشئ على ضوء ما كشف النقاب عنه فاروق القدومي حول اغتيال أبو عمار على يد العصابة الصهيونية بالتعاون والتنسيق مع ما يسمى أعتى عتاة اليمين الإسرائيلي المتطرف والفلسطيني المنحرف جاء ليستكمله مناضل أممي قدم إلينا من وراء البحار يدعى جورج غالوى، الذي أعرب عن نيته تشكيل هيئة للتحقيق في جريمة القرن، التي يراد لها، على ما يبدو، أن يطويها النسيان.
ما كان للسياسي البريطاني أن يتعب نفسه ويطلق مبادرة من العيار الثقيل لولا انسداد الأفق أمام فتح تحقيق جدي في إغتيال «الختيار» حتى في أضيق الأطر الفتحاوية والعائلية والفصائلية الفلسطينية، ومما لا شك فيه أن غالوى لا حظ تلك الفجوة الكبيرة في المسار الذي اتخذته تداعيات عملية الإغتيال أولا وردود الأفعال على المحضر الذي أماط اللثام عنه أبو اللطف ثانيا، ذلك المسار الذي أخذ منحى رد الاتهام باتهامات مضادة وتهديدات شملت حتى التصفية الجسدية لأحد أبرز المتبقين من الآباء المؤسسين للحركة التي ينسب إليها إطلاق الرصاصة الأولى للثورة الفلسطينية المعاصرة.
وهكذا يتكشف ما تبقى من المستور من عورة اليمين الفلسطيني، الذي تحولت قياداته وجزء لا بأس به من كوادره وعناصره، الأمنيين منهم على وجه الخصوص، إلى مجرد أسماء على قوائم الرواتب الشهرية التي تدفع لهم من غرفة العمليات التي يقودها الجنرال دايتون، وما أدراك ما دايتون، في رام الله، فضلا عن عورة الدائرة الضيقة السياسية والأمنية وحتى العائلية، التي كانت تحيط بأبي عمار طوال مسيرته الكفاحية عموما وفي أيامه وساعاته الأخيرة على وجه الخصوص.. ناصر القدوة، سهى عرفات، مستشاره الأمني دحلان إلى آخر قائمة طويلة من الصامتين الذي يعلو ضجيج صمتهم على صوت التواطؤ ليسمع العالم قاطبة دوي المشاركة المباشرة، ربمان في جريمة القرن.
هذا ليس استنتاجا اعتباطيا، فحتى لو لم يفتح أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح ملف اغتيال عرفات من جديد ولم يبادر النائب البريطاني إلى تشكيل هيئة تحقيق بالحادثة، لبقيت الأسئلة منتصبة في وجه محاولات طمس القضية: ما الذي حل بتلك اللجنة، التي شكلتها سلطة رام الله برئاسة ناصر القدوة للتحقيق بجريمة اغتيال ياسر عرفات؟ لماذا وضعت ملفاتها على الرف؟ ألا يشعر إبن الأخت بالغيرة على خاله؟ ألا تشعر الأرملة بالغيرة على زوجها؟ ألا يشعر إخوة النضال بالغيرة على قائدهم وزعيمهم التاريخي؟ لماذا صمت الجميع صمت القبور؟ أم أن القضية لا تستحق عناء البحث عن هوية القاتل؟
ألا تتراءى للمراقب علامة استفهام كبيرة حول تمترس معظم الدوائر الفاعلة على الساحة الفلسطينية برد التهم إلى نحور أصحابها أو إحالتها على آخرين أو اعتبارها مسألة داخلية لا ترقى إلى المستوى الوطني؟ ألم تثر ثائرة هؤلاء جميعا أو بعضا منهم على الأقل حتى يحذو حذو جورج غالواي؟
ثم ألا يشمل محضر أبو اللطف جرائم أخرى أودت بحياة الرنتيسي والشيخ أحمد ياسين وغيرهم من قادة حماس والجبهة الشعبية والفصائل الأخرى الذين قتلوا بدم بارد أمام عدسات الكاميرات؟ ما يعني أن ذلك المحضر المشؤوم، سواء جاء بشكله الذي عرض له القدومي أم بأي شكل آخر، لا يخص حركة فتح وحدها، بل يخص حماس أيضا والساحة الوطنية الفلسطينية برمتها.