قبل سنوات أعلن العالم والفيلسوف جون بروكفيلد المتخصص في علم الجينات المتحولة بجامعة توتنغهام توصله إلى حل أحد أكثر الألغاز التي أعجزت البشرية، حيث أكد أن البيضة جاءت قبل الدجاجة موضحا أن المكونات الوراثية لا تتطور خلال حياة الكائن.
غير أن اللغز نفسه لايزال ماثلا في الصراع العربي الإسرائيلي، وقد استدعته بشدة إدارة اوباما حين بدأت تصاب بالملل من ضغوط لفظية استمرت أسابيع على إسرائيل، فرأى المتعاطفون مع الدولة العبرية عكس اتجاه الضغط، وممارسته على الطرف العربي الذي عودهم على قبول الضغوط طوال عقود، ومن ثم بدأت المطالبات بأن يأخذ العرب خطوة للأمام عبر التطبيع مع تل أبيب، بذريعة تشجيع حكومة نتانياهو، ليس على الانسحاب من كل الأراضي التي احتلتها عام 67، وانما فقط على مجرد وقف البناء في المستوطنات.
وهكذا يبدو أن الآمال التي علقها كثيرون على إدارة أوباما ليست إلا محض أوهام... فيوما بعد يوم تتكشف حقيقة مفادها أن أوباما لا يختلف كثيرا عن سابقيه، الاختلاف الوحيد أنه يلبس قفازا من حرير، ويظهر بوجه تبدو عليه البراءة وبخطاب عذب يخلو من الإملاءات ويلجأ إلى فتح طرق حوار، ليحقق باللين ما حققه الآخرون بالتهديد وقعقعة السلاح.
لنأخذ الصراع العربي الإسرائيلي كمثل على ذلك، فالخطاب الموجه للعالم العربي القائم على ضرورة وجود دولتين فلسطينية وإسرائيلية هو في الحقيقة من ميراث بوش، وليس هدف الفكرة إنصافا ولا عودة لحقوق عربية طال إنكارها، بل تحقيق أمن إسرائيل على المديين المتوسط والطويل..
فإنشاء دولة بالشروط الإسرائيلية والأميركية ينزع فتيل قنبلة الديمغرافيا التي لا حل لها، كما انه يستغل حالة ضعف السلطة وانسحاقها وقبولها بأي حل، ويصادر على أحلام الشعب الفلسطيني الحقيقية، والذي بات أكثر إدراكا لحقيقة أن المقاومة وحدها هي السبيل لانتزاع الحقوق، وهذا ما تبين بشكل لا يخفى على أحد في آخر انتخابات تشريعية فلسطينية، ولذلك فإنه فور فوز حماس بالانتخابات الماضية أضاءت الانوار الحمراء في دهاليز أجهزة المخابرات ومؤسسات صنع القرار الغربية.
الركيزة الثانية التي تقوم عليها سياسة اوباما تجاه القضية الفلسطينية - والتي تقدم لنا في العالم العربي باعتبارها غير مسبوقة ـ هي الاستيطان، وكثيرا ما تنسى النخبة العربية أن معظم الإدارات الأميركية السابقة لم تقر أبدا بشرعية الاستيطان في الضفة وغزة والقدس الشرقية، وربما كان موقف جيمس بيكر وبوش الأب من قضية ضمانات القروض خير دليل على ذلك، ولم تشذ أي إدارة أميركية عن ذلك إلا إدارة بوش السابقة.
أما على المسار السوري فإن ما تعرضه إدارة اوباما عبر وسيطها فريدريك هوف يمثل تراجعا كبيرا عما تلقته دمشق من عروض سابقة كان أهمها وديعة رابين وهي تعهد قدمه رئيس الوزرا؟ الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين في يونيو 1994 إلى وزير الخارجية الأميركي آنذاك وارن كريستوفر، تتضمن موافقته على الانسحاب من الأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في حرب يونيو 1967 مقابل علاقات ثنائية ودبلوماسية كاملة وضمانات أمنية لإسرائيل.
وكانت العقبة الوحيدة هي مئات الأمتار التي تفصل ما بين الحدود الدولية التي رسمتها اتفاقية سايكس ـ بيكو وهو ما عرضته تل أبيب، وحدود الرابع من يونيو التي تمنح السوريين حضوراً حتى شاطئ بحيرة طبرية وهو ما طالبت به سوريا.