لم يذهب افيغدور ليبرمان وزير الخارجية في الكيان الإسرائيلي بعيدا وهو يصف الحالة الفلسطينية وما افرزه صراع الإخوة الأعداء في الأراضي المحتلة، فهذا التوصيف المقارب للواقع صدر عن ليبرمان وهو كذوب، لكنها سخرية تأتي كالملح على الجرح، حيث استهزأ المذكور من كلا الطرفين سواء فريق أوسلو أو فريق المقاومة، فالسلطة الفلسطينية هي «فتح لاند»، ورئيسها غير شرعي في حين تحكم غزة حركة «حماسستان» ومن ثم فليس من حق أي من الطرفين ادعاء تمثيل الشعب الفلسطيني وقضيته، لا المفاوضون تحت سقف أوسلو، ولا المقاومون تحت متراس الثوابت.
بل ليسمح لنا طرفا الصراع أن نذهب أكثر من ليبرمان المتطرف، من منطلق التزامنا العقدي والقومي بالقضية الفلسطينية، وإيماننا بحقه في ارضه واستقلاله الكامل ان نقول لكلا الطرفين إنكم تسيرون بالشعب الفلسطيني إلى المزيد من الكوارث بتكريس هذا الانقسام بفعل متواليات الايام والليالي وتحويله إلى واقع يأخذ منحى الحتمية السياسية بفعل ديمومة الحالة، وظهور تضاريس بارزة تتراكم كنتائج لحالة الانقسام تتحول إلى مسلمات لا يمكن المراهنة على تجاوزها في قابل الايام.
وهذا التراكم بدأ منذ ظهر الخلاف على الثوابت في اطارها النظري منذ أمد، لكنه برز اكثر بعد علنية المفاوضات السرية مع اركان الكيان الاسرائيلي، إلى ما وصلت إليه الحالة الآن من شرذمة تجاوزت اختلاف الرؤى إلى تقاسم ما تبقى من فتات الأرض بلا سيادة، وإراقة دماء الأهل والاقارب.
ومازالت الذاكرة تحفظ ما ردده مسؤول كبير في الكيان عندما سئل عن ردة فعل اسرائيل بعد فوز حماس حين قال: سننتظر، وسنرى ما سيفعله الفلسطينيون بعضهم في بعض.
ومع كل التعقيدات التي تحيط بالانقسام الفلسطيني والمتمثلة في وهن التنظيمات وضعف الإرادة والإدارة بعد رحيل واغتيال ثلة من القيادات التاريخية صاحبة الموقف والفعل، وأضف إلى ما سبق المعطى العربي المحبط الذي يتجاذب الأطراف وفقا لمصالحه فإن هناك حدا يستوجب من القوى الفلسطينية التوقف عنده.
لأن بعد هذا الحد الكل دخل في حسابات الخسائر باستثناء الكيان الإسرائيلي الذي بكل أسف استثمر ومازال النتائج المتلاحقه لما يحدث في المنطقة لكي يقوي من عناصر المناورة التي يجيد اللعب بها وبنا، نظرا لوهننا الظاهر للعيان، من منطلق أنه يعتبر أن كل صراعه مع العرب والفلسطينيين إنما هي مراحل، وكل مرحلة تنتهي بتحقيق مكاسب للمشروع الصهيوني بمجمله الواسع وان ظهر للبعض انه اخفق في وقت ما مثلما حدث في حربه الأخيرة على غزة.
وفي ظل كل ما سبق من أحداث وما ترتب على ذلك من نتائج، فان الواقع الفلسطيني يعيش مرحلة من الاستحقاقات التي تستوجب التصرف المسؤول من جميع الأطراف بعيدا عن الحزبية، والمصالح الفئوية والفردية، فهناك حكومة إسرائيلية لديها أجندة واضحة أبرز معالمها الظاهرة حتى الآن التوغل بعيدا في الاستيطان دون أي اعتبار للرأي الدولي.
وهناك رئيس جديد في الولايات المتحدة الأميركية يقول كلاما مختلفا عن من سبقه، لكن دون افعال في انتظار لما ستصل اليه الدبلوماسية الهادئة مع دول الممانعة ذات التأثير المباشر، وهناك واقع حياتي صعب ومقلق بالأراضي المحتلة.
وأمام كل هذا فإن الموقف في حاجة ماسة إلى نضج ومسؤولية الكبار.. لا رعونة ولثغات الأطفال الصغار.