تشارلز تايلور رئيس ليبيريا السابق.. هو أول رئيس أفريقي وثاني رئيس دولة في العالم بعد الرئيس اليوغسلافي الراحل سلوبودان ميلوسوفيتش.. يمثل أمام محكمة جنائية دولية كمجرم حرب. 11 تهمة موجهه ضده تشمل القتل والتعذيب والاغتصاب والتشويه والبتر والاستعباد الجنسي وتجنيد الأطفال خلال الحروب في ليبيريا وسيراليون المجاورة والتي قتل فيها أكثر من ربع مليون شخص.
مئة شاهد عيان على تلك الجرائم يدلون الآن بشهاداتهم ضده في المحكمة بلاهاي. الإعلام الغربي يصفه صراحة بأنه الرجل الذي نشر الرعب في غرب أفريقيا وأغرقها في بحر من الدم استمر لأكثر من عقد من الزمن. تايلور أمام سلسلة الاتهامات وأقوال الشهود يقول «أنا بريء.. إنني أب لأربعة عشر ابنا.. وجد محب للإنسانية.. طيلة حياتي أكافح كي أفعل ما أؤمن بأنه الصواب.. أنا وسيط سلام ولست داعية حرب.. لم أحصل على الألماس من متمردي سيراليون.. ولم أغذي حروبهم.
لم يكتف تايلور بنفي جميع التهم الموجهة إليه والتي وصفها بأنها أكاذيب شيطانية من حاقدين عليه، بل راح يتحدث عن جذوره ونشأته ليستميل المحكمة إليه.. فصور نفسه بأنه رجل عصامي من أسرة متواضعة للغاية.. وأنه تربى داخل كوخ مبني من الطين لم يكن مزودا بالكهرباء أو مياه الشرب.. وكان ينظف الأرضيات ويغسل الأطباق لتوفير رسوم تعليمية في الولايات المتحدة التي درس فيها، حيث حصل على دبلوم في الاقتصاد من جامعة بنتلي كوليدج في ماساتشوسيتس قبل أن يقتحم عالم السياسة.
المثير أن تايلور صار رئيسا لليبيريا بالانتخاب عام 1997. قبل أن يحكم خططه لتحقيق طموحاته، بدأ مشواره السياسي عام 1979، وعرفه المقربون كشخصية متسلطة، فوصفوه بالرجل «الصمغ»! عمل بالتدريس وكان عضوا في حكومة صمويل دو عام 1980 قبل نفيه إلى الولايات المتحدة التي سجن فيها بتهمة سرقة 900 ألف دولار من أموال الحكومة الليبيرية، لكنه هرب من سجن ماساتشوستس عام 1985 بعد قضاء سنة في السجن.
ثم عاد إلى ساحل العاج. وخطط من هناك للوصول إلى السلطة وقيادة تمرد ضد نظام صمويل دو الذي كان قد استولى على السلطة في انقلاب عسكري ضد الرئيس المخلوع وليام تولبرت عام 1980 وقام بإعدامه.
وفي ليلة عيد الميلاد عام 1989، شن واحدة من أبشع الحروب الأهلية الدامية في أفريقيا، واستعان في جيشه بالأطفال، وارتكب مقاتلوه الذين كانوا تحت تأثير المخدرات في معظم الأحيان، أبشع المذابح إلى جانب عمليات بتر أعضاء وأعمال اغتصاب. ويقال أن ما يقرب من ربع مليون شخص قتلوا في هذه الحرب وشرد أكثر من مليون شخص.
وفي عام 1997 وبعد توقيع اتفاق سلام برعاية دولية، صار رئيسا بعد فوز الحزب الوطني الذي كان يتزعمه في الانتخابات. وبعد أربعة أعوام من رئاسته، اندلعت حركة تمرد من الشمال. وكان شعارها المصالحة والديمقراطية.
ويقال إنها حظيت بدعم خفي من الولايات المتحدة. واستطاعت الحركة أن تحاصر العاصمة ثلاثة أشهر من يونيو إلى أغسطس 2003. واضطر تايلور إلى التخلي عن منصبه ومغادرة البلاد متجها إلى نيجيريا، ولكن لم يهنأ بالعيش في المنفى، فقد اتهم بارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية من قبل المحكمة الخاصة بسيراليون.
وفي نوفمبر 2003 صدرت مذكرة توقيف دولية بحقه. وتقول هذه المحكمة بان تايلور غذى بدءا من مارس 1991 حركة تمرد الجبهة الثورية الموحدة في سيراليون التي أمدته بالألماس مقابل الأسلحة والألماس.
وقد مارست هذه الجبهة المتمردة تحت قيادة فوداي سانكو، الترهيب وارتكبت أعمالاً وحشية بحق السكان المدنيين في تلك الدولة الصغيرة الثرية بالألماس. وكان ذلك يتم في الغالب وهم تحت تأثير المخدرات والكحوليات. ونفى تايلور أن يكون قدم أي مساعدة عسكرية لمتمردي الجبهة الثورية المتحدة خلال قتالها ضد الحكومة في سيراليون.
وفي مارس 2006 وافق الرئيس النيجيري اولوسيغون اوباسانجو تحت ضغوط دولية على تسليمه إلى ليبيريا. وحاول تايلور الفرار، لكنه اعتقل بينما كان يحاول عبور الحدود إلى الكاميرون بسيارة تحمل لوحات دبلوماسية. ومنذ نقله إلى السجن يمضي وقته في سجن شيفينينغن ضاحية لاهاي، في قراءة الإنجيل وروايات سياسية وتأليف كتاب. المحاكمة مستمرة وينتظر العالم معرفة إن كان بريئا أم سيعاقب ويصبح أول رئيس في العالم يصدر ضده حكما بالسجن في جرائم حرب.
إضاءة
تشارلز تايلور من مواليد 28 يناير 1948. وهو الابن الثالث بين 15 طفلا لأم ليبيرية وأب أميركي من سلالة العبيد الأميركيين المحررين الذين أنشأوا جمهورية ليبيريا في القرن التاسع عشر.وانخرط في النشاط «المتطرف» وتأثر بالأفكار الماركسية. وأيد ذات مرة إحراق السفارة الليبيرية في واشنطن. عمل بالتدريس قبل عالم السياسة.
تزوج ثلاث مرات وزوجته الحالية جول خبيرة اقتصادية كانت تعمل في المؤسسات الدولية. بالنسبة لدولة ليبيريا، تقع في غرب إفريقيا تجاور سيرا ليون وغينيا وساحل العاج. حصلت على استقلالها عام 1864، وأنشأها الغرب كدولة للرقيق المحرر وذلك بعد شعورهم بعقدة الذنب لتماديهم عدة قرون في هذا العمل اللا إنساني.
حسن صابر