مع التوتر الواضح في العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل منذ تولي الرئيس باراك أوباما منصبه في البيت الأبيض، بدأ الحديث يدور على الساحة الداخلية في إسرائيل حول مستقبل هذه العلاقات بشكل عام، خاصة وأن توجهات الرئيس أوباما في الشرق الأوسط، سواء في الصراع العربي ـ الإسرائيلي أو حول إيران، والتي لا تلقى قبولا من الإسرائيليين، تلقى في نفس الوقت تأييدا ودعما شعبيا كبيرا داخل الولايات المتحدة من الديمقراطيين ومن الشعب الأميركي الذي بات بعد مغامرات إدارة الرئيس السابق بوش الابن لا يطيق تدخل بلاده في شؤون البلدان الأخرى.
والملفت للنظر أيضا أنه بدأت تظهر بشكل واضح كتابات وأحاديث في وسائل الإعلام الأميركية تتناول بصراحة العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية، وترى أن ما تفعله إسرائيل مع الفلسطينيين بدعم وتأييد أميركي يسيء لسمعة أميركا، ويزيد من كراهية العرب والمسلمين لها، الأمر الذي يعتبره الإسرائيليون بداية الخطر.
ربما من المبكر الآن الحديث عن توتر حقيقي ومؤثر في العلاقات بين واشنطن وتل أبيب، ولكن يجب النظر لما يحدث الآن على أنه شيء جديد تماما على علاقات البلدين على مدى أكثر من نصف قرن مضى، وأن ما يحدث من مظاهر توتر وخلافات الآن يأتي في توقيت وظروف مختلفة تماما عن كل الظروف السابقة، سواء بوصول رئيس أسود من أصول مسلمة للحكم في البيت الأبيض يسعى للتقارب مع العرب والمسلمين، أو بظروف الأزمة المالية العالمية التي لم يسبق للعالم أن شهد مثلها من قبل.
أميركا والأزمة المالية
وقد بات واضحا أن الولايات المتحدة هي اكثر من سيعاني من تداعيات الأزمة المالية الكارثية، والتي بدت مؤشراتها الأولية بانهيار عمالقة المؤسسات المصرفية والصناعية الأميركية، وهي الأزمة التي يؤكد معظم الخبراء أنها ستغير تماما من موازين القوى الاقتصادية والسياسية في العالم، وأن الولايات المتحدة لن تخرج منها على نفس الحال التي كانت عليه قبلها، بل ربما تتعرض لسيناريوهات مأساوية وكارثية وصفها الخبير المالي الأميركي العالمي جورج سورس بالمأساة «السوفيتية» ويقصد بذلك الانهيار، وهي أمور قد يتصور البعض أنها خيالية ومستبعدة، ولكن تداعيات الأزمة التي يؤكد الخبراء أنها لم تصل بعد للذروة تشير لكل ما هو أسوأ.
على صعيد الوضع في إسرائيل، فإنه إذا كان توقع الولايات المتحدة غير قائم، فإن التوقع يتركز على تراجع مكانتها وتغير سياستها الخارجية، ويتوقعون أيضا عودتها للانكماش عبر الأطلسي وعدم تدخلها في القضايا الدولية الحساسة التي تسبب لها مشاكل مع شعوب ودول عديدة مثل قضايا الشرق الأوسط.
إسرائيل كيان شاذ وسط محيط يرفضه ويتمنى زواله، هذه حقيقة يؤمن بها الإسرائيليون أكثر من غيرهم، ولهذا نرى قضية الأمن تحتل المكانة الأولى دائما في أجندة السياسة الإسرائيلية، ومنذ تأسيس الكيان الإسرائيلي والقائمون عليه لا يقبلون المجازفة أو المخاطرة في مسألة أمن إسرائيل، ودائما ينظرون بقلق شديد للمستقبل، ولا ينتظرون وقوع الأحداث، بل يتعاملون معها قبل حدوثها بوقت طويل، فقد نشأت إسرائيل منذ البداية في أحضان الإمبراطوريتين الاستعماريتين الكبيرتين بريطانيا وفرنسا، لكنها لم تنتظر انهيار هاتين الإمبراطوريتين وتراجع مكانتهما في العالم.
فسعت على الفور لتلقي بنفسها في أحضان القوة الأميركية العظمى الصاعدة على الساحة الدولية، وعرضت عليها خدماتها الكبيرة في المنطقة في مواجهة المد الشيوعي السوفييتي ومقاومة النزعات القومية العروبية، وزرع الفوضى والحروب والاضطرابات في المنطقة لتبرر للقوة العظمى التدخل وتثبيت أقدامها في المنطقة والهيمنة على ثرواتها.
اللوبي الصهيوني بالولايات المتحدة
ومنذ البداية توجهت الحركة الصهيونية بكل قواها وإمكانياتها إلى المجتمع الأميركي مستغلة في ذلك نفوذ الأغنياء من اليهود هناك، وبدأت في تكوين اللوبيات اليهودية الصهيونية والدعاية المكثفة لها، وفرض الرأسمال اليهودي سيطرته على قطاع الإعلام، وأصبح يتحكم في توجيه الرأي العام الأميركي بشكل تام، وأصبحت إسرائيل في نظر المواطن الأميركي واحة الديمقراطية والحرية والحضارة وسط محيط من التخلف والجهل والقمع والاستعباد.
الآن تغيرت الظروف تماما، وانقلب سحر العولمة وثورة تقنية الاتصالات الحديثة على الساحر، وأصبح من الصعب التحكم في الرأي العام داخل أي مجتمع في العالم، وخاصة المجتمع الأميركي الأكثر تطورا في هذا المجال، وأصبح الرئيس الأميركي، ولأول مرة، يهتم بسمعة أميركا لدى الشعوب الأخرى، وهو أمر جديد تماما.
حيث لم يكن رؤساء أميركا يعيرون أي اهتمام لسمعة بلدهم لدى الشعوب الأخرى، فقد كانوا يخوضون الحروب ويدمرون المدن ويقتلون الملايين ويزرعون الفوضى والاضطرابات في كل مكان تحت شعارات يعلمون جيدا أن أحدا في العالم كله لا يصدقها سوى شعبهم الذي لم يكن يرى ما يحدث خارج بلاده.
الآن على إسرائيل أن تتعامل مع هذه المؤشرات والمتغيرات بحذر وجدية تامة، وعليها ألا تنتظر حتى تجد نفسها بلا حليف قوي يدعمها ويؤيدها، وعلى ما يبدو أنهم في إسرائيل قد بدؤوا بالفعل يستشعرون الخطر، حيث تستغرق التوترات والمشاكل بين واشنطن وتل أبيب مساحات كبيرة في وسائل الإعلام الإسرائيلية، وأصبحت تقلق المواطن الإسرائيلي أكثر من قلقه من المقاومة الفلسطينية والخطر النووي الإيراني.
وبدأ يتردد في وسائل الإعلام الإسرائيلية بشكل ملحوظ مصطلح «الخيار الثالث»، وكان ظهوره الواضح على الصفحات الأولى لصحيفتي «يديعوت أحرونوت» و«هاأرتس» الإسرائيليتين في مطلع يونيو الماضي أثناء زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان لروسيا، وتصريحاته حول ضرورة السعي لشراكة إستراتيجية مع روسيا.
روسيا العائدة بقوة للساحة الدولية، والتي على ما يبدو أنها أقل تأثرا من غيرها بالأزمة المالية العالمية، أصبحت ـ حسب آخر التطورات ـ دولة «مانحة» للمساعدات والقروض في ظل الأزمة، ويلجأ لها الكثير من الدول الآن لطلب القروض والمساعدات المالية.
ومن البديهي أن دولة كبرى مثل روسيا كانت بالأمس القريب قوة عظمى ثانية تتقاسم مع الولايات المتحدة النفوذ العالمي، لابد وأن يكون لها إلى جانب الطموحات الاقتصادية طموحاتها السياسية والإستراتيجية، خاصة وأنها قد تحررت من قيود الأيديولوجية الشيوعية التي كانت تجبرها في الزمن السوفييتي على العطاء دون مقابل، أما الآن فهي لا تعطي مساعدات ولا قروضا إلا بمقابل.
وهذا المقابل في الغالب ذو وجهين اقتصادي وسياسي معا، وليس غريبا أن يقول رئيس أيسلندا أولافور غريمسون للسفير الروسي الجديد لدى بلاده وهو يقبل أوراق اعتماده في 13 نوفمبر الماضي «أبلغهم في موسكو أننا مستعدون لمنح روسيا قاعدة عسكرية في كيفلافيك إذا أرادوا»، وهي القاعدة التي كانت حتى عام 2006 لحلف شمال الأطلسي، ولكن أيسلندا تريد الانتقام من حلفائها وأصدقائها الغربيين الذين تخلوا عنها في وقت الأزمة، وتطمح للحصول على قرض كبير من موسكو.
عودة قوية لروسيا
روسيا عادت الآن لتصبح عملاق طاقة عالمي في النفط والغاز، وتتحكم وحدها في نحو 60% من واردات أوروبا من الطاقة، كما تفوقت على الولايات المتحدة في سوق مبيعات السلاح في السنوات الثلاث الماضية بشهادة تقرير الأمم المتحدة ومعهد استوكهولم للدراسات الإستراتيجية، كما غزت أسواق التكنولوجيا النووية في أكثر من خمسين دولة، وزاد من فاعليتها وطموحاتها مؤخرا عودة أسعار النفط للارتفاع.
إسرائيل الدولة التي تفكر بقلق وخوف في المستقبل تراقب عن كثب تطورات القوة الروسية وتراجع القوة الأميركية، وتسعى بجدية وفاعلية للتقارب مع روسيا. ونذكر في حرب روسيا مع جورجيا في الصيف الماضي عندما أعلن عن توريد أسلحة من إسرائيل لجورجيا، كيف كان رد الفعل السريع من تل أبيب بالاعتذار والتعهد بعدم تقديم أي شيء لجورجيا بعد ذلك، والآن تخطو إسرائيل خطوات واسعة وفعالة تجاه روسيا.
وزادت فاعليتها بعد وصول المهاجر السوفييتي السابق أفيغدور ليبرمان لمنصب وزير الخارجية في إسرائيل، وكانت زيارته الأولى للخارج لروسيا مطلع يونيو الماضي حيث أدلى بتصريحات أثارت انتباه الكثيرين، خاصة تصريحه الذي قال فيه «إننا نسعى لشراكة إستراتيجية حقيقية مع روسيا ولدينا كل المقومات لذلك».
وفي نفس توقيت الزيارة خرجت الصحف الإسرائيلية بمصطلح «الخيار الثالث لإسرائيل»، أي بعد الخيارين البريطاني والأميركي، ووصل الأمر لدرجة أن اتهمت صحف أميركية مثل «نيويورك تايمز» ليبرمان بأنه عميل سابق لجهاز الاستخبارات السوفييتي «كي جي بي».
لدى إسرائيل الآن تواجد كبير في روسيا، وهناك لوبي من اليهود يسيطر على قطاع كبير من الطاقة والبنوك والمؤسسات الصناعية الكبيرة والحيوية، كما أن نفوذ اليهود في روسيا في الإعلام قوي وملحوظ للغاية، وكذلك في قطاعات الفنون والثقافة.
وأشهر فناني وكتاب وإعلامي روسيا من اليهود، ورغم أن الرئيس الروسي السابق بوتين كان قد شن حملة على أباطرة المال والأعمال من اليهود وغيرهم في روسيا، إلا أن هذا لا يعني العداء لليهود، بدليل أنه وضع اليهودي أليكسي ميلر على رأس عملاق الطاقة الروسي شركة «غاز بروم» كما أنه اختار اليهودي جيرمان غريف وزيرا للتجارة والتنمية الاقتصادية، كما أن بوتين وعد مؤخرا بتوصيل الغاز الروسي لإسرائيل، والأمثلة كثيرة.
المصالح الإسرائيلية في روسيا
لإسرائيل مصالح كبيرة جدا مع روسيا سواء فيما يتعلق بالنووي الإيراني أو الدعم الروسي لسوريا والمقاومتين اللبنانية والفلسطينية، ولا تريد إسرائيل لهذه الأمور أن تنمو للدرجة التي تشكل عليها خطورة، ولكن السؤال الهام للغاية هو : هل لروسيا مصالح حيوية لدى إسرائيل؟
لا شك أن روسيا تطمح للعودة لممارسة دور كبير في الشرق الأوسط سياسيا واقتصاديا أيضا، ولكن للأسف الشديد إن العرب أنفسهم هم من يعوق عودتها، وهم الآن الرافضون أو المتهربون من المؤتمر الدولي الذي تدعو له موسكو عندها، في حين أبدى ليبرمان موافقة إسرائيل التامة على الحضور بشرط عدم مشاركة حماس.
ولا تتعدى علاقات العرب مع روسيا في الأعوام القليلة الماضية لا تتعدى التصريحات الدبلوماسية الجميلة ولا تدخل في دور الفعل، وهناك مواقف سلبية كثيرة من بعض الدول العربية تجاه روسيا. والمشكلة أن اليهود في الإعلام الروسي يستغلون هذه الأمور جيدا لتشويه العلاقات الروسية ـ العربية، وذلك في ظل غياب تام للعرب على الساحة الداخلية في روسيا.
ويبقى السؤال: هل يدرك العرب خطورة ما تفعله إسرائيل الآن مع روسيا ؟ إذا كانوا لا يدركون فهذه مصيبة، وإذا كانوا يدركون وصامتون فالمصيبة أعظم.
إضاءة
ربما من المبكر الآن الحديث عن توتر حقيقي ومؤثر في العلاقات بين واشنطن وتل أبيب، ولكن يجب النظر لما يحدث الآن على أنه شيء جديد تماما على علاقات البلدين على مدى أكثر من نصف قرن مضى، وأن ما يحدث من مظاهر توتر وخلافات الآن يأتي في توقيت وظروف مختلفة تماما عن كل الظروف السابقة، سواء بوصول رئيس أسود من أصول مسلمة للحكم في البيت الأبيض يسعى للتقارب مع العرب والمسلمين، أو بظروف الأزمة المالية العالمية التي لم يسبق للعالم أن شهد مثلها من قبل.
د. مغازي البدراوي