الرئيس الأميركي أوباما يدرك أولى بديهيات القيادة الوطنية، وفحواها أنه لا يمكن الفصل بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية لأي بلد من بلدان عالمنا.. وهي بديهية تفيد كذلك بأن السياسة الخارجية ؟ العلاقات الدولية لبلد ما ـ هي في التحليل الأخير انعكاس لأبعاد وحقائق سياسته الداخلية.
من هنا، ورغم أن الوضع الداخلي ؟ الاقتصادي بالذات لم يجد طريقه بعد إلى الاستقرار، فضلا عن الإصلاح فأننا نجد أن الرئيس الأميركي لم يضع وقتا في هذه المرحلة بل آثر الانطلاق لممارسة أكبر قدر نراه من دينامية الحركة ومن فعالية التأثير على سياسة العلاقات الدولية للولايات المتحدة انطلاقا من تصور، نراه صائبا إلى حد كبير، بأن نجاحات السياسة الخارجية كفيلة بأن تنعكس ايجابيا على الأوضاع الداخلية، سواء بحكم ظاهرة الاعتماد المتبادل التي تنظم مسار علاقات الدول في ظل ثورات الاتصالات والحواسيب وتداخل المصالح.. أو بحكم أن النجاح يولد الثقة حتى لو كان نجاحا في فضاءات عالمية تقع إلى خارج الحدود الوطنية.
تفكيك التركة
والحق أن متابعة السلوك السياسي للرئيس الأميركي الحالي.. يمكن أن تفيد المراقب أو المحلل بأن أوباما عاكف بشكل أو بآخر على ما قد نصفه بالعبارة التالية:
تفكيك الميراث السياسي أو التركة الفادحة التي خلّفها سَلفه الرئيس بوش. ونتصور في هذا المضمار أن أولويات هذا التفكيك تتصدرها باستمرار كلمة «إعادة» أو «استعادة» وكل منهما تومئ إلى محاولات استرداد ثقة شعوب ودول شتى في شرق عالمنا، لا في الولايات المتحدة بوصفها مجرد كيان سياسي على الخارطة، ولكن بوصفها أهم دولة مؤثرة على مسارات الأحداث في هذا العالم.. لا نقولها من منطلق إعجاب منبهر بما يدور داخل البيت الأميركي، ولكن من باب الواقعية السياسية التي تتعامل مع حقائق القوة المادية والمعنوية في هذه المرحلة الزمنية التي يعيشها عالمنا.
من هنا رأينا باراك أوباما ؟
ولم يكن قد انقضى 100 يوم على تسلمه مقاليد القيادة في واشنطن ؟ وقد بادر إلى إعادة النظر في قرارات الحصار المفروض طيلة الخمسين عاما الماضية على كوبا.. الجزيرة الصغيرة الواقعة في مياه البحر الكاريبي وهي لا تبعد عن سواحل فلوريدا الأميركية بأكثر من 100 كيلومتر: صحيح أن قرارات أوباما لم ترفع الحصار بشكل جذري شامل أو كلي عن كوبا.. ولكنها أفضت كما أصبح معروفا إلى تخفيف وطأة هذا الحصار وبخاصة في أهم ناحيتين كانت أولاهما هي الناحية الإنسانية.
حيث أتيح استئناف رحلات الطيران بين كوبا والولايات المتحدة لصالح جمع الشمل بين المهاجرين الوافدين الكوبيين في أميركا وذويهم المقيمين على أرض الجزيرة، التي ظلت رئاسات أميركية متعاقبة منذ أيام كينيدي في أول الستينات وطبعا في أيام بوش الابن في أوائل القرن الحادي والعشرين تصفها بأنها الجزيرة المشاغبة فيما تمثلت الجبهة الثانية لقرارات أوباما في الناحية الاقتصادية، حيث خففت القيود التي كانت مفروضة على تحويلات الكوبيين المالية المتجهة من أميركا إلى هافانا.
كان بديهيا إذن أن تبدأ أولويات تفكيك تركة بوش بمحاولة إصلاح الأمور في نصف الكرة الغربي: أميركا الجنوبية وأميركا الوسطى (منطقة البحر الكاريبي) وكلتاهما توصف في سياق التاريخ العام وربما في الخلد الشعبي الأميركاني بأنهما الردهة أو الفناء الخلفي للولايات المتحدة.. وقد سبق أن أعلن رئيس أميركي قديم هو جيمس مونرو مبدأه الشهير منذ نحو 115 سنة ويقضي بإطلاق يد واشنطن في هذه المنطقة الواقعة غربي المحيط الأطلسي.
بين اسطنبول والقاهرة
بعدها.. كانت مبادرات أوباما تجاه العالمين الإسلامي والعربي.. في نقطتين محوريتين الشرق الأوسط هما اسطنبول في تركيا والقاهرة في مصر العربية. كل منهما ؟ ولا سيما مبادرة القاهرة ؟
كانت مشهودة بحق ولكن في حدود إعلان النوايا الإيجابية مصاغة بعبارات تعبر عن موقف الاحترام والتقدير من جانب رئيس أميركي شاب نحو عالم الإسلام والعروبة بكل ما يجسده العالم المذكور من رسالة إنسانية وثقافة بالغة الثراء ومساهمة لا ينكرها سوى جاحد أو جاهل أو متجاهل تجاه الحضارة والتقدم الفكري والمادي للبشرية على السواء.
مؤخرا بادر أوباما إلى التحول نحو روسيا. وفيما نلاحظ أنه عبر بذلك أجواء أوروبا الغربية والوسطى فربما يرجع ذلك إلى أن علاقات واشنطن؟ موسكو هي الأوْلى بالاهتمام والرعاية، لأنها الأشد تعقيدا والأخطر شأنا..
وربما أيضا لأن ثمة آليات جاهزة وراسخة وفاعلة تكفلها آليات حلف الأطلسي التي تتيح التواصل باستمرار بين أميركا وحلفائها الذين توسعت رقعتهم زحفا سياسيا ؟ وعسكريا وئيدا وحثيثا إلى حيث كادوا يلامسون الحدود الغربية؟ الأوروبية للدولة الروسية، هذا فضلا عن أن أجندة أوباما لشهر يوليه كانت تضم بداهة اجتماع الأطراف الثمانية في إيطاليا.
وفي ضوء هذا الاطمئنان النسبي للعلاقات مع الحليف الغرب ؟
أوروبي فإن أجندة أوباما الطموحة استهدفت فتح حوار أو بناء جسور مستجدة مع الطرف الروسي الذي لا يمكن وصفه موضوعيا بالحليف وإن كان يمكن وصفه بالمنافس والغريم إذا ما رجعنا برهة لا تزيد عن عشرين سنة من عمر الزمن.
التحدي الصيني المشترك
هكذا أعلن الطرفان الأميركي والروسي التوصل إلى تطوير اتفاقات «ستارت» بخفض جديد ومتبادل في ترسانة التسلح النووي.. وعمدت ماكينة الإعلام الأميركي بالذات إلى تزيين هذه الخطوة ؟ الإيجابية في جوهرها ؟ على أنها إضافة إلى الاستقرار والسلام.. وطبعا الرخاء والهناء في العالم.. ونحن نرى أيضا أن طرفي واشنطن وموسكو كانا يجريان التفاوض ويوقعان الاتفاق في قاعات الكرملين..
وفي وجدان كل منهما منافس مشترك وخطير ومستجد اسمه ؟ الصين الشعبية بكل طموحها الكامن والمنضبط أيضا إلى دور عالمي أو فلنقل كوكبي طال انتظارها للاضطلاع به في عالم العقود المقبلة من القرن الحالي.
بعدها كان توجّه الرئيس أوباما إلى أفريقيا. ولم يكن في الأمر مجرد تجربة لتزويد أسرته الصغيرة وخاصة ابنتيه بمعلومات ميدانية عن القارة السمراء على نحو ما رددته ميديا الإعلام في أميركا بقدر ما شكلت الزيارة محورا لاستمرار تنفيذ أجندة أوباما التي تقضي؟ كما أسلفنا التصور؟
بتفكيك ميراث بوش خاصة وقد تعاملت إدارة المحافظين الجدد السابقة مع أفريقيا وقضاياها ؟ هل نقول مآسيها ؟ بقدر لا يخفى من اللامبالاة السياسية ؟ اللهم إلا بما كان يحقق مآرب إدارة بوش في التنديد بكيان أفريقي ؟ عربي هو السودان من خلال استغلال أحداث دارفور الدامية التي لم تجد بعد حلولا وطنية وإنسانية شافية حتى كتابة هذه السطور.
هكذا اجتاز أوباما المحيط إلى روسيا.. واجتاز الأجواء الإقليمية إلى أفريقيا.. عابرا بالضرورة فوق مساحات من منطقة الشرق الأوسط.
نلاحظ في هذا السياق أنه في نصف الكرة الغربي أصدر قرارات بالنسبة لكوبا. وبالنسبة لروسيا وقّع اتفاقات لها صفة التفعيل والإلزام، بقدر ما نلاحظ أنه بالنسبة للشرق الأوسط لم يكد ينجز شيئا. وهي المنطقة المنتمية لعالم الإسلام والعروبة بقدر ما أنها المنطقة الأكثر حساسية والأخطر التهابا في العالم كله، بقدر ما أنها المنطقة التي تتجسد فيها المصالح ؟
السوبر حيوية للاقتصاد والحياة في أميركا والغرب (البترول) بقدر ما أنها المنطقة التي لا تزال تشهد تواجدا ونشاطا عسكريا أميركيا (في العراق بالذات) بقدر ما أنها المنطقة التي تعاني أصعب مشكلة مصيرية تتمثل في قضية الاحتلال العنصري الصهيوني لأراضي الشعب الفلسطيني.
نوعية الجهود المطلوبة
حتى الآن لم تنل قضية الشرق الأوسط من إدارة أوباما سوى تعيين مبعوث سياسي مخضرم هو ميتشل، وسوى عبارات الاحترام والتقدير والدعوة إلى فتح صفحات جديدة واعدة بين عالم الغرب بقيادة أميركا وبين أهل العروبة والإسلام.
وبمعنى أن الأمر ما زال بانتظار قرارات وخطوات حاسمة يلزم اتخاذها بالنسبة لوضع لم يعد في كثير من جوانبه يحتمل التسويف أو الانتظار.
من هنا نتصور أن أصبحت الظروف من النضج لدرجة أن تحتاج إلى انطلاقة جهود جادة وحثيثة وموضوعية من أجل التعامل مع قضية الشعب الفلسطيني، لا باعتبارها قضية إنسانية بمعنى التطوع أو المروءات أو الشهامة الدولية، ولكن بوصفها إحدى القضايا التي يعترف بها وينظم الاقتراب منها كل من القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي فيما يتعلق بضرورة إنهاء احتلال أراضي الغير، وحيوية أن يكفل للشعب الفلسطيني حقوقه في تقرير المصير، أو في إنشاء دولته الخاصة به على ترابه الوطني، وهي حقوق أصبح بديهيا أنها غير قابلة للتصرف من ناحية بقدر ما أنها غير قابلة للتجزئة من ناحية أخرى.
وإذا كانت هذه الظروف، بكل ضروراتها الماسّة، تقتضي بدء جهود دولية وإقليمية في هذا الشأن، فإن هذه الجهود سوف تعتمد إلى حد كبير ؟ وكما يؤكد الصحافي الأميركي المعروف سيمور هيرش ؟ على مدى استعداد الطرف الأميركي (ونتصوره الرئيس أوباما شخصيا) بأن يضطلع بدور الوسيط الفاهم الجاد والنزيه وهو الدور الكفيل ؟ كما يضيف هيرش ؟ بأن يتيح لأوباما أفضل فرص التعامل مع عملية السلام في الشرق الأوسط.
في نفس السياق، يوضح سيمور هيرش طبقا لمصادره الموثوقة، أن استراتيجية أوباما بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط ما زالت قيد الدراسة على أهم مستويين من مستويات صنع السياسة الخارجية في الولايات المتحدة، وهما وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي في البيت الأبيض الخاضع مباشرة لرئيس الدولة.
ولكن يضيف هيرش موضحا أن الأزمة المالية صرفت تركيز إدارة أوباما لفترة ما عن قضايا المنطقة، وإن كنا نضيف من جانبنا ما سبق وعرضنا له من حيوية الارتباط بين الأوضاع الداخلية والسياسة الخارجية، بحيث تكمل الجهود المبذولة في أي من الميدانين ما يبذل من جهود في الميدان الآخر.
وقد سبقت إدارة نيكسون- كيسنجر إلى معالجة الشأن الداخلي من خلال تحقيق إنجازات في سياستها الدولية وكان من بينها تصفية التورط الأميركي في حرب فيتنام (محادثات كيسنجر والقادة الفيتناميين في باريس) إضافة إلى بدء علاقات (تستحق وصف التاريخية) مع الصين فضلا عن اتفاقات فصل القوات التي تمت بين إسرائيل وكل من مصر وسوريا.
أصوات اللوبي
من جانب آخر.. ما زالت ترتفع أصوات في واشنطن تدعو إلى صرف أنظار الإدارة الأميركية الحالية عن التركيز على قضية الشرق الأوسط. وبديهي أن يكون من بينها أصوات اللوبي الصهيوني، الذي يرمي أركانه إلى فسح المجال وكسب الوقت أمام إدارة نتانياهو اليمينية في إسرائيل من أجل استكمال مشاريع التوسع الاستعماري الإقليمي التي تحمل صفة الاستيطان على حساب أراضي الفلسطينيين ولا سيما في الضفة الغربية.. وبعدها قد يبدأ التفاوض من نقطة أمر صهيوني واقع ومفروض.
على هذه التوجهات يرد اثنان من أهم الخبراء الأميركيين في مجال السياسة الخارجية هما ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية ومارتن انديك مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في مؤسسة بروكنغز للبحوث.
في دراسة أعدت ضمن مشروع بحثي نود أن يهتم به المسؤولون والباحثون في الوطن العربي، ونشرت عرضا وافيا لها مجلة «الشؤون الخارجية» (فورين أفيرز)؟ عدد فبراير 2009 ؟ يقول الباحثان ان مثل هذه الآراء أو الاتجاهات تهوّن من قدرة منطقة الشرق الأوسط (قضاياها ومشاكلها) على أن تفرض نفسها على أجندة الرئيس الأميركي. وببساطة أكثر، كما يؤكد الباحثان، فإن ما يحدث في الشرق الأوسط لن يبقى ضمن حدود المنطقة (ولن يؤثر فقط على شعوبها) ولكنه كفيل بأن يمد آثاره إلى خارج حدودها..
ما بين قضية الإرهاب (حسب المفهوم الأميركي) إلى انتشار السلاح النووي إلى أمن الطاقة.. وكلها قضايا تؤثر على الأمن والمصالح القومية العليا للولايات المتحدة نفسها.. ولدرجة أن إدارة التحديات العالمية (الكوكبية) المعاصرة تقتضي معالجة جادة للقضايا والمشاكل الراهنة في منطقة الشرق الأوسط.
إضاءة
ما زالت ترتفع أصوات في واشنطن تدعو إلى صرف أنظار الإدارة الأميركية الحالية عن التركيز على قضية الشرق الأوسط.
وبديهي أن يكون من بينها أصوات اللوبي الصهيوني، الذي يرمي أركانه إلى فسح المجال وكسب الوقت أمام إدارة نتانياهو اليمينية في إسرائيل من أجل استكمال مشاريع التوسع الاستعماري الإقليمي التي تحمل صفة الاستيطان على حساب أراضي الفلسطينيين ولا سيما في الضفة الغربية.. وبعدها قد يبدأ التفاوض من نقطة أمر صهيوني واقع ومفروض.
محمد الخولي