من جديد عادت حركة عدم الانحياز لتحتل مكانة بارزة في الإعلام الدولي والعربي وذلك بمناسبة انعقاد الدورة الـ 15 لقمة دول الحركة بمنتجع شرم الشيخ المصري وهو ما أعاد طرح تساؤلات عدة حول أهمية الحركة وجدواها ومستقبلها؟ والدور الذي يمكن أن تلعبه على الساحة السياسية والاقتصادية الدولية، وإمكانيات التطوير والتحديث التي يمكن أن تلحق بالحركة وزيادة تأثيرها في السياسة الدولية؟.
في البداية، يشير مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير عبد الله الأشعل إلى أن قمة شرم الشيخ الخامسة عشرة لدول حركة عدم الانحياز هي قمة تعقد بصفة دورية كل ثلاث سنوات منذ عام 1970، مؤكداً أن معركة حركة عدم الانحياز منذ نهاية الحرب الباردة تتمحور في البحث عن دور وهوية جديدة للحركة. ولفت إلى أن أبرز مشكلة تواجه حركة عدم الانحياز اتساع مساحة الحركة وعدم وجود هوية محددة تشمل أعضاء الحركة وعدم وجود قضية واحدة ينضوي تحتها أعضاء الحركة فهنالك قضايا كثيرة ومتضاربة ومتعارضة وهو ما ينعكس علي علاقات أعضاء الحركة مع بعضهم البعض.
قرارات فضفاضة
وقال إنه لكل ذلك جاءت الموضوعات التي طرحت علي القمة موضوعات عامة ومتعددة وجاءت القرارات أيضا في ذات السياق فضفاضة وعمومية غير محددة المعالم والأهداف، تعبر عن اختلاف الهويات والأهداف والانتماءات والتوجهات، وضرب مثالا بأن ما يصدر عن الاتحاد الأوروبي يختلف عما يصدر عن الاتحاد الإفريقي وعما يصدر عن حلف الأطلسي يختلف عما يصدر عن جامعة الدول العربية، لأن لكل تجمع سماته المميزة وهويته الخاصة وهو ما لا يتوفر لحركة عدم الانحياز.
ونوه إلى أنه لا يمكن أن نقول أن المؤتمر ناجح أو فاشل وما يتردد عن نجاح المؤتمر هو من باب الدجل السياسي لأنه لم يصدر عن المؤتمر ما يمكن القياس عليه أو تقييمه، وما صدر عنه مجرد مجموعات توصيات تحدثت عن عموميات، حتي عندما تناولت الوضع في فلسطين وإسرائيل لم يكن الأمر مقبولا عند الكثيرين من أعضاء الحركة.
وبدوره، يرى نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيحية الدكتور نبيل عبد الفتاح أنه ليس هناك سبب جدي لاستمرار وجود حركة عدم الانحياز، مشيرا إلى أن الحركة تواجه الكثير من التحديات والمشاكل، وأزمة حقيقية في المصداقية.
وأعرب عن اعتقاده أن ترؤس أسماء مثل كاسترو أو الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد للحركة من شأنه أن يجعل قدرتها على التأثير في الشؤون الدولية محدودة للغاية، حيث من المقرر أن تتولى إيران رئاسة الحركة بعد مصر ابتداء من عام 2012.
وأشار عبد إلى أن التأثير الدولي يعتمد بشكل نسبى على المسؤول القائم علي رسم وتنفيذ السياسة، وتابع قائلا «هذان الرجلان على وجه التحديد الأكثر عزلة عالميا واثارة للجدل وهو ما يوضح بشكل كبير المستقبل الذي ينتظر هذه الحركة».
قيادة إيران والمستقبل
ودلل بالإشارة إلى التصريحات المنسوبة لقادة إيرانيين والتي تسببت في إيجاد من القلق في العالم العربى الأمر الذي دفع مصر إلى التحذير من التأثيرات الخطيرة لمثل هذا الوضع. وقامت دول أخرى أعضاء بالحركة بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع طهران مثل المغرب، كما عززت العقوبات المفروضة على إيران من قبل الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في المزيد من العزلة لإيران فكيف لها أن تقود هذه الحركة التي تضم 118 دولة.
ولفت إلى أن هذا ليس وحده الذى يقف عائقا أمام تحقيق حركة عدم الانحياز لما تطالب به وتصبو اليه، فالنزاعات الداخلية والتوترات والخلافات بين الدول أعضاء الحركة البالغ عددهم 118 دولة، مثل العداء القديم حول الإرهاب وقضية كشمير بين الهند وباكستان، والغارات على الحدود بين السودان وتشاد، والعداء الذى طال أمده بين إثيوبيا واريتريا، كفيلة بأن تحبط أي نوع من العمل الجماعي الجاد.
ونوه إلى أنه لا يمكن أن نغفل أيضا حقيقة أن الكثير من أعضاء الحركة على مدار تاريخها كانوا على توافق مع إحدى القوتين العظميين بما في ذلك الدول المؤسسة للحركة «يوغوسلافيا والهند ومصر»، واليوم معظم الدول تنجذب نحو الولايات المتحدة «امبراطورية النظام العالمي».
انقسام الحركة
ومن جانبه، ذكر الخبير الإستراتيجي أيمن فايد أن حركة عدم الانحياز عندما انشئت في بدايتها كان ذلك بتأييد ودعم ومباركة الولايات المتحدة التي كانت تري نفسها الوريث الشرعي للحضارة الغربية في مستعمراتها سواء في أسيا أو أفريقيا، وتخوفا من لجوء تلك الدول للاتحاد السوفييتي القوة المناوئة للولايات المتحدة أوعزت لبعض الأطراف بإنشاء هذه الحركات لضمان عدم الاندماج الأيديولوجي مع الاتحاد السوفييتي، مشيرا إلى أنه حتى في بدايات هذه الحركة كانت الحركة منقسمة على نفسها وكانت أطرافا منها لديه علاقات إستراتيجية مع الاتحاد السوفييتي وأخرى لها علاقات مع الكتلة الغربية.
وأشار فايد إلى أن هذه الحركة تفتقد للتوافق الهرموني وتعج بالكثير من الخلافات بين أطرافها ومن بينها الخلافات القائمة حاليا بين الصين وتركيا علي خلفية أحداث شينغيانغ وكذلك الصراع القائم بين الهند وباكستان حيث وقعت بينهما ثلاث حروب وكانا على وشك التسبب في إشعال حربا عالمية ثالثة، وصدر 12 قرارا من مجلس الأمن الدولي حول اقليم كشمير وهو أعلى معدل لإصدار قرارات من مجلس الأمن، وكذلك الخلافات بين الدول العربية بعضها البعض داخليا، وإن كانت خارجيا مؤيدة للغرب قلبا وقالبا وهو ما يتنافي ويتعارض مع مبادئ الحركة.
وتابع «عندما يخرج علينا الرئيس الليبي معمر القذافي خلال الجلسة الافتتاحية للقمة ويطالب دول الحركة بالإنسلاخ من مجلس الأمن الدولي وتشكيل مجلس أمن تابع للحركة، فهذا بمثابة بيع الوهم لشعوب الحركة ومتاجرة بعقولها فإذا كانت تلك الحركة قد وصلت لهذه الدرجة من الضعف والتشرذم والترهل وأصبحت الانقسامات والخلافات والصراعات بين أعضاء الحركة ذاتها في الوقت الذي تسارع تلك الدول لتقديم فروض الولاء والطاعة للولايات المتحدة، فكيف لمثل هذه الدول أعضاء حركة عدم الانحياز أن تتخذ مثل هذه الخطوة وهي غير قادرة علي توفير الحد الأدنى من الاتفاق فيما بينها».
حتمية الوجود
ويقول رئيس اتحاد الكتاب الأفرو أسيويين المستشار مجدي مرجان «إن قمة دول حركة الانحياز والتي انعقدت بشرم الشيخ يومي 15 و16 يوليو الجاري علي الرغم من بعض السلبيات التي تهيمن علي سياسة وتوجهات الحركة، إلا أن لها بلا شك إيجابيات وذلك علي أساس أنها علي الأقل تعبر عن الدول الأقل تأثيرا في العالم وترفع صوت الدول النامية والضعيفة نسبيا في مواجهة الدول الكبرى.
وأضاف إن وجود هذه الحركة فرصة لمواجهة الأزمة المالية العالمية وكذلك الإشكاليات السياسية المختلفة ودعم مواقف ومطالب هذه الدول وتأكيد وجودها علي خريطة السياسة الدولية وإثبات قدرتها علي التكتل والتأثير في المجتمع الدولي».
وأشار مرجان إلى أن حركة عدم الانحياز أصبحت أضعف بكثير من الفترات السابقة، غير أننا لا نستطيع إلا أن نقول «مالا يدرك كله لا يترك كله» وتابع «أنه يمكن اعتبار الحركة صوتا من الأصوات ومنبر من المنابر يمكن استخدامه لطرح وشرح وإثارة القضايا وحشد الدعم الدولي لها باعتبارها أكبر تجمع دولي بعد منظمة الأمم المتحدة، وخاصة في دعم القضايا العربية والإسلامية في ظل هذا التجمع الكبير».
وتابع «أن هذا التجمع الدولي يمكن أن يتم استغلاله في توثيق العلاقات وإزالة الخلافات ونزع فتيل أي أزمة، وهو ما حدث بالفعل خلال قمة شرم الشيخ التي شهدت العديد من اللقاءات الثنائية والجماعية، ومنها عقد اجتماع بين رئيسي وزراء الهند وباكستان والذي يعد اللقاء الأول منذ تفجيرات بومباي في نوفمبر 2008 والتي وجهت في أعقابها نيودلهي اتهامات مباشرة إلى إسلام اباد بالتورط في هذه التفجيرات، وكذلك لقاء وزير الخارجية المصري أحمد ابو الغيط ونظيره الإيراني منو شهر متقي.
تجمع عالمي
وفي المقابل، أكد رئيس منظمة التضامن الأفرو أسيوي أحمد حمروش أنه يعتبر أن قمة عدم الانحياز في دورتها الـ 15 والتي عقدت بمنتجع شرم الشيخ المصري من أهم المؤتمرات العالمية التي انعقدت خلال العقد الأخير لما ضمته من عدد كبير من قادة وزعماء العالم وما خرج عنها من قرارات وتوصيات عبرت عن طموحات واحتياجات ورغبات ثلثي سكان العالم.
وأضاف «أن قمة شرم الشيخ لدول حركة عدم الانحياز أكدت ضرورة وأهمية أن يكون عدم الانحياز شعار مرفوع للجميع منذ القمة الأولي في عام 1961 وحتى قمة شرم الشيخ 2009 بدليل تواجد هذا العدد الكبير من القادة الذين أكدوا علي استمرار نفس نهج الحركة في عدم الانحياز لأي قوي ضد أخري وأن يكون انحيازها فقط إلى مصالح الشعوب الفقيرة والضعيفة والمغلوبة علي أمرها حتى تستعيد حقوقها السياسية والاقتصادية والتنموية».
وحول ما يثار من أن حركة عدم الانحياز أصبحت بلا قيمة ولا فائدة وأنها افتقدت سبب وجودها بعد التغيرات الدولية التي طرأت علي الساحة السياسية الدولية، شدد حمروش علي أن الذين يرددون هذا الطرح لا يثقون في شعوبهم ولا حكوماتهم.
التمسك بالحركة
وأعرب عن اعتقاده أن الظروف الحالية بالنسبة للمتغيرات الدولية تدفعنا أكثر إلى التمسك والتشبث بتجربة عدم الانحياز والإستقادة من هذه الظروف لدعم الحركة وبث الروح فيها من جديد لمواجهة أحادية القطبية في العالم ومواجهة الأزمة المالية العالمية والخلل الواضح في توزيع الثروات الاقتصادية والتي يحاول العالم المتقدم أن يحرم منها الدول الفقيرة وتسخير كل إمكانيات هذه الدول لخدمة مصالحه علي حساب شعوب تلك الدول.
وحول فشل دول حركة الانحياز في صياغة موقف محدد حول أية قضية سياسية ومن ذلك على سبيل المثال القضية الفلسطينية رفض رئيس منظمة التضامن الأفرو أسيوي كل ما يقال في هذا الأمر، وأكد أن القضية الفلسطينية كانت في مقدمة اهتمامات القادة والزعماء وجميع الوفود، مشيرا إلى أنها قضية محورية ومحل دعم واهتمام الجميع.
وتابع «أن الأمر يتوقف في ذلك علي الشعب الفلسطيني في المقام الأول ثم الدول العربية في المقام الثاني وعلي الإخوة الفلسطينيين أن ينهوا صراعاتهم وانقساماتهم ويعيدوا اللحمة إلى الصف الفلسطيني، وعلي الدول العربية والإسلامية أن تنهي استقطاباتها وخلافاتها التي لا تنتهي وتتفق على كلمة سواء، مؤكدا أنه عندها فقط سيتم حل القضية الفلسطينية وسيكون للحركة دور بارز في ذلك، فدور الحركة وأي طرف عالمي أو اقليمي أخر هو دور مكمل وليس دورا أصيلا».
إضاءة
أنشئت حركة عدم الانحياز في حقبة الحرب الباردة، ووضع تصور حركة عدم الانحياز في اجتماع عقد عام 1956 وضم كلا من الرئيس اليوغسلافي جوزيف تيتو والرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر ورئيس الوزراء الهندي جواهر نهرو، بسبب المخاوف بشأن المواجهة الخطيرة بين التكتلات العسكرية الشرقية والغربية التي عانت منها دول صغيرة ومتوسطة الحجم كثيرا.
وفي سبتمبر 1961، عقدت أول قمة لرؤساء دول عدم الانحياز والتي مثلتها 25 دولة في ذلك الوقت، في بلجراد بمبادرة من يوغسلافيا ومصر والهند واندونيسيا لتمثل بداية حركة عدم الانحياز. وضمت القمم التالية مزيدا من الدول النامية، وتضم حركة عدم الانحياز حاليا 118 دولة كلها من الدول النامية بالإضافة إلى 13 دولة مراقبة وتسع منظمات مراقبة.
ولدى الحركة شكل فريد من الإدارة فهي دورية وشاملة تضم كل الأعضاء بغض النظر عن الحجم والأهمية مع وجود فرصة للمشاركة في صنع القرار العالمي والسياسات العالمية.
وفي الوقت الذي لا يوجد لحركة عدم الانحياز مقر دائم، إلا أنها تعقد قمة منتظمة كل ثلاث سنوات ومؤتمرا لوزراء الخارجية منذ 1970. وتتسم الحركة بأنها تتخذ كل القرارات من خلال التوافق.