في الصراع العربي ـ الصهيوني، يشتغل الجانب العربي على بعض الخيوط السياسية الرفيعة المنفلتة من عقال تمثال الحرية المعدني المستورد في نيويورك، في حين تشتغل العصابة الصهيونية العالمية على كل الصعد، بدءاً بالعسكر والاستخبارات ومروراً بالسياسة والإقتصاد والمال والأعمال وليس انتهاءً بالسطو على تراث من تقمصت أرضهم وتاريخهم وصولاً إلى ما ورثوه أبا عن جد.
قصة القدس، التي يتغنى العرب بها صباح مساء جاعلين منها عاصمة ثقافتهم لهذا العام، تجلب من قبل إسرائيل كل سنة وتوضع على طاولة لجنة التراث الإنساني التابعة لليونسكو، بالتزامن مع الاشتغال على مفردات الواقع، حيث تصبح للكلمات معانٍ حقيقية وأبعاد خرافية وحيث لم تعد مسألة تهويد المدينة الفلسطينية التاريخية مجرد حلم صهيوني يراود عتاة ما يسمى باليمين المتطرف الإسرائيلي وإنما مجموع المولودين من أمهات يهوديات حول العالم أيضا.
إذا كان الاسم يدل على المحتوى في عبارة احتفالية القدس عاصمة للثقافة العربية لعام 2009، فإن ما يستدل عليه من ذلك العنوان أن الطابع الثقافي هو الغالب عليه، وبالتالي فإنه من الطبيعي أن يحتل التراث مكانة خاصة في معادلة احتفالية بهذا الحجم، آخذين بعين الاعتبار أنها تتزامن مع انعقاد اجتماع ستعقده لجنة التراث العالمي في عاصمة عربية في سبتمبر المقبل وستبت فيه قائمة من الترشيحات للدخول إلى قائمة التراث غير المادي للإنسانية، لكنها خالية من أي اقتراح عربي يمت بصلة للقدس أو فلسطين.
مردّ ذلك لا يقتصر على تقصير هذا الطرف العربي أو ذاك فحسب، كما يتبادر للذهن من الوهلة الأولى، مردّ ذلك يعود إلى قصر نفس تلك الأطراف في التعامل مع قضية التراث المادي وغير المادي للإنسانية، فإذا كان بعض الخبراء العرب العاملين في هذا الميدان يستبقون الأحداث ويعتبرون أنفسهم ملكيين أكثر من الملك عندما يتحسبون لموقف اليونسكو القاضي بإعادة أي اقتراح بإدراج حالات تراثية إلى أصحابه في حال وجود نزاع سياسي أو حدودي في المنطقة التي تحتضن ذلك التراث، علماً بأن العصابة الصهيونية لا تكل ولا تمل، وتأتي إلى اجتماعات اليونسكو كل سنة حاملة معها ما هب ودب من اقتراحات تخص في الأصل أبناءَ بِلادِ العُربِ أوطاني (القدس، تل القاضي) مع أنها تدرك حالها في ذلك حال الخبراء العرب العتيدين أن مآل تلك الاقتراحات سيكون الرفض حتماً.
إن تزامن احتفالية القدس واقتراب موعد انعقاد اللجنة التي ستبت في قائمة التراث غير المادي للإنسانية، حدث يستحق أن نعد له جيدا وأن نتقدم ولو باقتراح واحد على الأقل يخص التراث المقدسي، بغض النظر عن النتيجة المعروفة مسبقاً، لكن بما أن الأوان قد فات وباب الترشيحات قد أغلق، فلا يبقى لنا سوى الأمل في تحرك ما في الأعوام المقبلة.
إذا كانت موازين القوى راجحة لصالح العصابة الصهيونية العالمية ومن يساندها، وإذا كان ذلك ذريعة المتذرعين لعدم خوض معارك كبرى، فما هي الحجة في عدم التقدم بترشيحات تراثية إلى هيئة يقال إنها إنسانية؟
خلاصة القول: إن سبر الذاكرة ونبش التاريخ ليس ترفاً بل ضرورة يفرضها الواقع السياسي الراهن لقضايا العرب عموماً، وقضيتهم المركزية فلسطين على وجه الخصوص.