الآن ماذا بعد أن أصبحت تسمية القدس «يروشلايم» والناصرة «نتسرات» وعكا «عكو» وصفد «تسفات» وبئر السبع «بئير شيبع» وبيسان «بيت شآن» واللد «لود» والخليل «حيفرون»، ماذا بعد أن أتت هستيريا التهويد على كل شيء.. الأرض والإنسان والبنيان، ما الذي ننتظر بعد تزوير التاريخ واختلاق الجغرافيا، وامتطاء القانون والشرائع الدولية من أجل عيون ذلك الورم السرطاني المسمى إسرائيل؟
هل سيكتفي العرب كعادتهم بمصمصة الشفاه والتأسي على الزمن؟ أم سيجدون لأنفسهم هذه المرة عملا إيجابيا ينبه العالم إلى أن صمتهم قد طال حقا لكنهم لم يموتوا، ونبضهم خفت لكنه لم يتوقف، وعزائمهم وهنت غير أنها لم تتبدد.
صحيح أن الهوية الفلسطينية ظلت لأكثر من ستة عقود مستعصية على الطمس، والوجدان العربي لتلك الأرض ومن بقي فيها لايزال العالم يسمع هديره كشلال يتدفق يوما بعد يوم بدماء الشهداء، لكن محاولة نقل ملكية فلسطين بمدنها وقراها وشوارعها في الوعي العربي والعالمي لا ينبغي أن تمر، فهي أخطر من الاحتلال والضم والتهويد والاستيطان، والصمت العربي عليها بمثابة توقيع على صك استسلام.
ماذا يمكن أن نفعل؟ ذاك هو السؤال المزعج.. لكن تلك قضية كل واحد فينا يجب أن يخوضها بالأصالة عن نفسه أولا وبالنيابة عن تراث الإنسانية العام الذي يزوره بضعة ملايين من الصهاينة، لا يجدون من يردعهم..
ماذا نفعل هذه ينبغي أن يجيب عليها الجميع بدءا من السلطات العربية مرورا بخبراء السياسة والقانون الدولي والحقوقيين والمسؤولين عن أجهزة الإعلام مسموعة ومقروءة ومرئية على امتداد الوطن العربي، وكذلك الجاليات العربية في المهاجر، فهذا وقت ينبغي فيه على الجميع أن يشكلوا سلسلة بشرية واحدة تحول دون مرور الذئب الإسرائيلي بفريسته التي يحاول اصطيادها.
نحن بحاجة إلى جهد دبلوماسي مكثف ومنسق بحيث يذهب دبلوماسيونا إلى أبعد عاصمة على وجه الأرض يشرحون القضية بتعقيداتها، بحيث يفهم كل ذي لب أن لنا حقا ضائعا نحاول استرداده وان قضيتنا عادلة، نحتاج أيضا إلى حملة إعلامية مخططة تشارك فيها كل وسائل الإعلام العربية خاصة تلك التي تبث أو تنشر بلغات أجنبية، وتساندها المراكز الإعلامية المنتشرة في أنحاء العالم والأقسام الإعلامية في السفارات ويتم فيها تجنيد كل أصحاب الخبرات الإعلامية من جالياتنا بالخارج، فهم الأقدر على فهم المجتمعات التي يعيشون في كنفها.
على وسائل إعلامنا أيضاً دور ضخم، فليس مطلوبا منها فقط أن تمتنع عن استخدام الأسماء العبرية للمدن، بل ان ترد كل التسميات ـ التي تعودنا عن غفلة استخدامها ـ إلى أصولها العربية، وهذا يقتضي جهدا كبيراً من الباحثين في التاريخ الفلسطيني بالاشتراك مع الجامعة العربية. علينا أيضاً كإعلاميين أن نحذر ثم نقاطع أي وسيلة إعلام في العالم تستجيب للابتزاز والتزوير الإسرائيلي وتستخدم الأسماء الجديدة خاصة وكالات الأنباء وشبكات التلفزة العالمية.
هناك أيضاً دور كبير ينتظر الأكاديميين والحقوقيين في المهاجر أو ممن يعملون كأساتذة زائرين بالجامعات الأجنبية، فلا بد ان تصرفا ما يمكن عمله، سواء عبر رفع قضايا أمام المحاكم الدولية أو من خلال النشر عن القضية وإبراز خطورتها عبر وسائل الإعلام والمحافل الدولية.